نظرة على المكتبات الوطنية في العالم العربي
«المكتبة الوطنية هي ذاكرة الأمة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها»، بالعبارة السابقة يُفتتح كتاب المكتبات الوطنية للدكتور محمد فتحي عبد الهادي، وهو ما يؤكد قيمة المكتبات الوطنية للدول، فهي المنوط بها…
10 November 2025 · 9 دقائق قراءة · 0 مشاهدة
«المكتبة الوطنية هي ذاكرة الأمة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها»، بالعبارة السابقة يُفتتح كتاب المكتبات الوطنية للدكتور محمد فتحي عبد الهادي، وهو ما يؤكد قيمة المكتبات الوطنية للدول، فهي المنوط بها حفظ التراث والنتاج الفكري لأبنائها، ولهذا فمعظم دول العالم تملك مكتبات خاصة بها لأداء هذه المهمة. في هذا المقال سنلقي نظرة على المكتبات الوطنية في العالم العربي.
تعريف المكتبة الوطنية
المكتبة الوطنية هي مؤسسة من مؤسسات الدولة، مسؤولة بصورة أساسية عن جمع وحفظ وصيانة الإنتاج الفكري للدولة، وتعد بمثابة مراكز معرفية تخدم المجتمع بالكامل، وحاليًا تعاظم دورها لا سيما في القرن الحالي والبيئة الإلكترونية المتطورة في ظل شبكة المعلومات الدولية للإنترنت. ومن أهم مهام المكتبات الوطنية:
- جمع الموارد: جمع وحفظ مجموعة واسعة من المواد الثقافية والمعلوماتية، مثل الكتب والمخطوطات والصور والخرائط والتسجيلات الصوتية والفيديو
2. الحفاظ على التراث: تحفظ المكتبات الوطنية تراث البلد، مثل الوثائق الهامة والقيمة للثقافة والتاريخ الوطني.
3. توفير الوصول: توفير وصول مفتوح وشامل للمعلومات للجمهور، ما يمكن الأفراد والباحثين والطلاب من الاستفادة منها.
4. تشجيع البحث والتعلم: تقديم خدمات البحث والمشورة لدعم الباحثين والمهتمين بالمعرفة.
5. نشر الثقافة وترويجها: تشارك المكتبات الوطنية في نشر المعرفة والثقافة من خلال مشاركة المعارف والأحداث الثقافية.
نشأة المكتبات الوطنية وتطورها
ظهرت فكرة المكتبة الوطنية للمرة الأولى في عام 1795 عند إعلان الميثاق الوطني الفرنسي أن المكتبة ملكية وطنية، بعد أن كانت ملكًا للملوك قبل ذلك. ثم في القرن التاسع عشر أُنشئت مكتبات وطنية داخل أكثر من عشرين دولة، ومع بدايات القرن العشرين أُنشئت في أكثر من ثلاثين دولة. وتميزت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية برواج إنشاء المكتبات الوطنية تزامنًا مع ظهور حركات التحرر من الاستعمار ونشأة النظم الديمقراطية في العديد من الدول، ونتيجة لذلك ظهرت في الفترة من نهاية الحرب حتى عام 1965 ثلاث عشرة مكتبة وطنية جديدة.
في هذا الوقت كانت الإشكالية الأساسية هي الوضع الرسمي لهذه المكتبات، حيث كان أقل من نصفها فقط حكوميًّا بعد نهاية الحرب، لكن بعد ذلك حصلت أعداد أخرى على هذا الوضع الرسمي. أي أن التطور في هذه الفترة لم يقتصر فقط على زيادة أعداد المكتبات الموجودة، لكن أيضًا تحديد وضعها وصفتها ووظيفتها قانونيًّا.
تميزت المكتبات الوطنية بمبدأ الشمول، وهو المبدأ الذي يركز على اقتناء الأعمال المطبوعة في جميع فروع المعرفة لكل الدول وبكل اللغات، وهو المبدأ الذي شكله المكتبي الإنجليزي أنتوني بانيتزي، الذي يعد من أمهر المكتبيين في عصره، وأثمرت جهوده عن تكوين مكتبة المتحف البريطاني إحدى أكبر المكتبات الوطنية في العالم، حيث اعتقد وقتها أن مكتبة المتحف لا بد وأن تضم أفضل مجموعة من الإنتاج الفكري الإنجليزي والإنتاج الفكري للدول الأخرى.
في الفترة الأولى من حياة المكتبات الوطنية امتلكت أغلبها سياسات متحفظة فيما يتعلق بمسألة الإتاحة للجمهور، والسبب في ذلك هو الطبيعة الاجتماعية والسياسية والتقاليد التاريخية، لكن تغيرت الأوضاع في العقود الأخيرة نتيجة التقدم العلمي السريع وزيادة عدد المشتغلين بالعلوم والتكنولوجيا، وحاجتهم لاستخدام مصادر المعلومات التي توفرها المكتبات الوطنية، وكذلك زيادة أعداد المكتبات المتخصصة، حيث بدأ الاتجاه نحو تعاون المكتبات معًا وخلق نظم مكتبية شاملة، وزيادة خدمة الأفراد والإتاحة للجمهور.
اقرأ أيضًا: هل يمكن تعلُّم الكتابة؟
المكتبات الوطنية في العالم العربي
عرف العالم العربي المكتبات الوطنية قبل ظهور مفهومها بزمن طويل، حيث شهد العالم الإسلامي وجود مكتبات مثل دار الحكمة في القاهرة وبيت الحكمة في بغداد، وكانت هذه المكتبات تؤدي دورًا مشابهًا لدور المكتبات الوطنية.
أما في العصر الحديث فتتواجد المكتبات الوطنية في معظم الدول العربية، وبعضها تأسس بعد ظهور مفهوم المكتبة الوطنية بأقل من مائة عام، حيث أسس الخديوي إسماعيل مكتبة وطنية مصرية في عام 1870 باسم “الكتبخانة الخديوية المصرية”. وفي السطور التالية سنلقي نظرة على مجموعة من المكتبات الوطنية العربية:
1. مكتبة الملك فهد الوطنية
أُعلِن في عام 1402هـ عن إنشاء مكتبة الملك فهد الوطنية في الرياض بصفتها تحفة تذكارية أهداها أهل الرياض لخادم الحرمين الملك فهد -رحمه الله- بمناسبة توليه الحكم. بدأ تنفيذ المشروع عام 1406هـ، وفي 1409هـ اكتمل البناء. يتألف المبنى من ثلاثة طوابق مع قبة سماوية، ومصمم بأسلوب حديث وزخارف عربية، ويتميز بموقع حيوي بين طريق الملك فهد وشارع العليا، مما يسهل وصول الجمهور إليها.
صُممت المكتبة في البداية لتكون مكتبة عامة، لكن تحولت بعد ذلك إلى مكتبة وطنية للسعودية، وحققت إنجازات طموحة في تنمية المجموعات وتطوير الكوادر وتقديم خدمات التوثيق والحفظ للإنتاج الفكري السعودي. تمتلك المكتبة مجموعة غنية من المعلومات المطبوعة والسمعية والبصرية، مع اهتمام بالحفظ والاسترجاع وتقديم خدمات معلوماتية، وتلعب دورًا فاعلًا في المعارض المحلية والعربية وتعزيز التواصل مع الجهات الثقافية والعلمية.
2. دار الكتب والوثائق القومية بمصر
أسسها الخديوي إسماعيل في 1870 في القاهرة، مستلهمًا نموذجًا مشابهًا للمكتبة الوطنية في باريس. تطور اسم الدار عبر العقود، حتى أصبح “الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية” في 1993. في البداية، كانت تخزن ثلاثين ألف مجلد شملت كتبًا ومخطوطات نفيسة، وتطورت لتصبح مركزًا حديثًا للمعرفة والثقافة في مصر.
تضم دار الكتب المصرية مجموعةً ضخمةً من المخطوطات العربية والإسلامية، يبلغ عددها حوالي 57 ألف مخطوطة تتميز بتنوع موضوعاتها وخطوطها وتاريخها، مما يجعلها مصدرًا ثمينًا للمعلومات عن تاريخ وثقافة مصر والبلدان العربية والإسلامية. وذلك بالإضافة إلى مجموعةٍ نفيسة من أوراق البردي العربية التي تعود إلى فترات مختلفة من تاريخ مصر.
3. مكتبة الكويت الوطنية
في عهد الشيخ مبارك الكبير، أمير الكويت الراحل، أُعيد تعريف الكويت بفضل حرصه على اقتناء وحفظ الكتب القيمة وتشجيع العلم والعلماء. ورث ابنه الأديب، الشيخ ناصر بن مبارك الصباح، هذا الاهتمام وأسس أول مكتبة خاصة في الكويت بالتعاون مع ياسين الطبطبائي ويوسف بن عيسى القناعي وهي مدرسة المباركية في 1912، تلتها المدرسة الأحمدية في 1921، مما شكل بدايات التعليم الحديث في الكويت.
أصبح التعليم والمكتبات محفزين للتفوق والمعرفة ونشر الوعي بين الشباب، وتأسست مجموعة مختلفة من المكتبات الأخرى، وفي عام 1994 صدر المرسوم الأميري السامي الذي أسس مكتبة الكويت الوطنية، بدعم من الشيخ جابر الأحمد الصباح.
تقوم المكتبة بمهام متنوعة، تشمل جمع وتنظيم وتوثيق التراث والإنتاج الفكري الوطني، وتكوين مجموعات تاريخية متعددة اللغات، وحماية حقوق المؤلفين وأصحاب الملكية الفكرية، وأيضًا أداء دور المركز الوطني لصنع القوائم في إطار مشروع الفهرس الوطني الموحد. كما تسعى المكتبة إلى تحسين أداء الكوادر الوطنية في مجال المكتبات باستخدام أحدث التقنيات، وتعزيز التعاون والتنسيق مع مؤسسات أخرى مثل المكتبات العامة والمتخصصة ومراكز البحوث والدراسات لتطوير نشاطها وإثراء مقتنياتها.
4. مكتبة قطر الوطنية
افتتحت مكتبة قطر الوطنية في عام 2018 بعد ست سنوات من الإعلان عن مشروع تأسيسها. وتتمثل مهمتها في الحفاظ على التراث والتاريخ الوطني من خلال جمعه وتوثيقه، مع التركيز على نشر رؤية دولية لتاريخ منطقة الخليج وثقافتها.
توفر المكتبة خدماتها للمواطنين والمقيمين في دولة قطر، مع دعم فرص التعلم مدى الحياة وتمكين الأفراد والمجتمع. وتسهم المكتبة في دعم انتقال دولة قطر إلى اقتصاد متنوع ومستدام من خلال توفير المصادر المعرفية ودعم التعليم والبحث العلمي، وتحتوي على مجموعات ضخمة من الكتب المطبوعة والمواد الإلكترونية، بالإضافة إلى فريق ذي خبرة يقدم خدمات تعليمية وثقافية.
5. المكتبة الوطنية الجزائرية
أُسست المكتبة الوطنية الجزائرية عام 1835 لجمع الكتب والوثائق، بقرار من أدريان بربروغر وزير الاحتلال الفرنسي وقتها بسبعمئة مخطوط، واستقرت في موقعها الحالي في الحامة عام 1994. تضم المكتبة مخطوطات قيمة، وأقدمها جزء من القرآن بالخط الكوفي مكتوب على جلد الغزال في ثماني صفحات، يعود تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين الثاني والرابع الهجريين ، وكذلك كتاب تاريخي مكتوب باللاتينية يعود إلى عام 1495م.
تُعد المكتبة مركزًا رئيسيًّا للإنتاج الفكري الوطني الجزائري، وتقوم بدور فعال في تنمية المطالعة العمومية وتنقسم إلى ثلاث مكتبات: بحث، مطالعة عمومية، وطفولة وشباب، وتستهدف مختلف شرائح المجتمع من خلال تنوع خدماتها. مهمتها الأساسية هي جمع وحفظ وحماية التراث الفكري الجزائري، وتنفيذ الإيداع القانوني، وتعتمد على تقنيات حديثة في حفظ الكتب وإدارتها ، مما يجعلها من بين أكبر لمكتبات الوطنية العربية وأحدثها.
6. دار الكتب الوطنية بالإمارات
تأسست دار الكتب الوطنية في أبو ظبي عام 1981، وتعد أكبر مكتبة في الإمارات، إذ تضم مليوني مجلد بما في ذلك مخطوطات وكتب بلغات متعددة. وتهدف إلى تعزيز القراءة والكتابة في الدولة وتقديم مصادر معرفية، وتعد مرجعًا للباحثين والأكاديميين. تُنظم الدار فعاليات مثل معرض أبو ظبي الدولي للكتاب وبرامج الجوائز مثل جائزة الشيخ زايد للكتاب، وتدعم المؤلفين الإماراتيين من خلال مبادرة قلم. وتدير مكتبات مجتمعية ومتنقلة، وتشجع على البحث والقراءة بين السكان، وتشارك في مشاريع ترجمة مثل مشروع كلمة للترجمة وإدارة البحوث والإصدارات.
7. دار الكتب والوثائق الوطنية العراقية
أقدم مكتبة في العراق، وتأسست في عام 1987 بدمج المكتبة الوطنية والمركز الوطني للوثائق. تعمل على حفظ وترويج التراث والوثائق العراقية، وتهدف لتحسين البنية التحتية لبعض المشاريع الأخرى بإعداد دراسة جدوى لها، مثل مشروعي المكتبة الرقمية ونظام الإنذار للمحافظة على المخزون.
وتسعى الدار الوطنية لتحقيق رؤية تكاملية للتراث منذ العهد العثماني إلى الجمهورية، وهدفها الأساسي هو إثراء المركز الوطني بالوثائق المتنوعة وتعزيز البحث والابتكار، وتقديم فرص تدريب للمختصين في مجال الأرشفة وترميم الوثائق، وغيرها من المجالات ذات الصلة.
8. دائرة المكتبة الوطنية بالأردن
تعد المكتبة الوطنية في الأردن إحدى الأولويات الثقافية التي تهتم بها الدولة، لإيمانها بدور المكتبات الوطنية في حفظ وتعريف النتاج الثقافي الوطني. مرت المكتبة بعدة تطورات في الشكل والهيكل، حتى تم الاستقرار في عام 1994 على الدمج بين دائرة المكتبة الوطنية ومركز الوثائق والتوثيق تحت مسمى دائرة المكتبة الوطنية.
تطورت المكتبة وفق النظم والتشريعات، وفي عام 2018 تم تعديل النظام لتحسين الهيكل التنظيمي وتطوير الخدمات التي تقدمها. تقوم المكتبة بمهام متنوعة من جمع وحفظ الوثائق إلى نشر الببليوغرافيا الوطنية، وتعد مرجعًا للباحثين والراغبين في الاطلاع على تاريخ الأردن.
9. المكتبة الوطنية للمملكة المغربية
تأسست المكتبة عام 1920 بوصفها خزانة عامة للكتب، وشهدت عدة تطورات حتى حصلت على تسميتها وهيئتها الحالية في عام 2003. وفي عام 2008، افتتحت مقرها الجديد في الرباط، وشهدت تحديثًا في بنيتها التحتية واستخدام تقنيات متقدمة. وبعد استقلال المغرب، شهدت المكتبة إدارة عدة شخصيات بارزة لها، وتلعب الآن دورًا مهمًّا في الحفاظ على التراث والثقافة المغربية وتعد رائدة في المكتبات الإقليمية.
تتولى المكتبة مجموعة متنوعة من المهام تتضمن جمع ومعالجة وحفظ ونشر الرصيد الوثائقي الوطني والمجموعات الأجنبية، مع توفير وسائل البحث والفهرسة. وتشجع على الاطلاع على الموارد الوثائقية والبيبليوغرافية وتُعنى بتسهيل الوصول إليها.
تقوم أيضًا بتنظيم برامج للحفاظ على التراث وتنظيم فعاليات ثقافية، وتعمل على تنسيق وتعزيز التعاون مع الشبكة الوطنية للمكتبات، وتسعى لإعداد المعايير وتعزيز التبادل مع المكتبات الوطنية والأجنبية. تشارك أيضًا في الأنشطة العلمية وتشرف على برامج البحث ذات الصلة بمهامها والرصيد الوثائقي الذي تحتفظ به.
10. المكتبة الوطنية الفلسطينية
المكتبة الوطنية الفلسطينية هي حافظة للتراث الثقافي والإبداع الوطني. تأسست لجمع وحفظ ونشر الإنتاج الفكري والثقافي الفلسطيني بمختلف أشكاله، وتهدف إلى توثيق التراث وتيسير الوصول إليه. تُقدم خدمات مثل جمع المخطوطات والمطبوعات والصوتيات والمرئيات، وتقنين أصول التوثيق. وتعد المصدر الرسمي للمعلومات حول التراث والهوية الفلسطينية، وتتعاون مع الجهات المحلية والدولية، إلى جانب جمع وترويج الإنتاج الفكري العالمي ذي الصلة بفلسطين.
في النهاية، نختتم بما بدأناه أن المكتبة الوطنية هي ذاكرة الأمة، ولذلك تحظى باهتمام الدول، ومع دخولنا في العصر الرقمي أصبح دور المكتبات الوطنية أكثر توسعًا ليشمل القاطنين خارج الدولة كذلك. فإذا كانت هناك مكتبة وطنية في بلدك، فلا تفوت زيارتها والاستفادة مما تقدمه من كتب وخدمات، أو ابحث عبر الإنترنت في المكتبات الوطنية الأخرى، تجد كنزًا حقيقيًّا من الثقافة والمعرفة.
المصادر:
- كتاب المكتبات الوطنية، د. محمد فتحي عبد الهادي – د. نبيلة خليفة جمعة، الدار المصرية اللبنانية، 2009م.
- https://bnrm.ma/bnrm/
