هل الإلهام موجود في الكتابة فعلًا؟
تعلمت من إدارتي للنقاشات أن مفتاح الوصول إلى الحقيقة هو طرح المزيد من الأسئلة لا تكوين الافتراضات الشخصية، والانطلاق في البحث من السؤال؛ لأن الافتراضات تجعلنا أكثر انحيازًا لإثبات ما…
25 October 2025 · 8 دقائق قراءة · 0 مشاهدة
تعلمت من إدارتي للنقاشات أن مفتاح الوصول إلى الحقيقة هو طرح المزيد من الأسئلة لا تكوين الافتراضات الشخصية، والانطلاق في البحث من السؤال؛ لأن الافتراضات تجعلنا أكثر انحيازًا لإثبات ما نعتقده ضمنيًّا من الافتراض الموضوع، بينما تفتح الأسئلة المجال أمام العقل للتفكير في الأمور بموضوعية، واكتشاف رؤى ووجهات نظر أخرى غير التي نتبناها أساسًا أو قد ننحاز لها دون وعي.
ومن بين الإشكاليات التي نواجهها دائمًا في الكتابة هي مسألة الإلهام، وفي هذا نجد انقسامًا بين مجتمع الكُتَّاب، فمن بينهم من يؤمن بالإلهام فعلًا وينتظره للكتابة، وهناك من يؤمن أنه لا وجود سوى للالتزام والانضباط في الكتابة. وكما أخبرتك في البداية فأنا لن أنطلق في بحثي من أي افتراضات عن المسألة، لكني سأطرح أسئلة أحاول الإجابة عليها معك. أنا لا أعرف ما سأصل إليه في النهاية، ولكن يسعدني أن نخوض معًا -أنا وأنت صديقي القارئ- رحلة البحث هذه، وأعدك أن تكون رحلة مشوقة مليئة بالاستكشاف، فما رأيك أن نبدأ؟
ما هو الإلهام؟
إشكالية الإلهام الأساسية في رأيي هي التصورات عما يعنيه مصطلح الإلهام أصلًا، والخلط بين ثلاثة أشياء: التعريف المجرد وهو معنى كلمة الإلهام نفسها؛ التعريف الشخصي وهو المنظور الشخصي لكل فرد عن الإلهام؛ تأويل التعريف وهي تبعات التعريف الشخصي من أفعال وممارسات
لنتخيل أن هناك كاتبًا يحضر لقاء لمجموعة من الأدباء يتحدثون عن الإلهام، وهم جميعًا يؤمنون به حقًّا، ما النتيجة؟ سيتسرب إليه الشعور أنهم يتكلمون عن أمر خارق للطبيعة، ويقول لنفسه: بالتأكيد الإلهام مهم جدًّا في الكتابة، وأنا لا بد وأن أبحث عن مصدر الإلهام الخاص بي.
لنتخيل أن هناك كاتبًا آخر يحضر لقاء لمجموعة أخرى من الأدباء يتحدثون أيضًا عن الإلهام، هذه المرة هم لا يؤمنون بوجود ما يُسمى الإلهام أصلًا، ما النتيجة هذه المرة؟ سيتسرب إليه الشعور أن الإلهام مجرد كذبة أو وهم يخدع به الكتاب ذواتهم، ويقول لنفسه: لا يوجد إلهام في الكتابة، ولن أبحث عنه أبدًا.
الكاتبان كلاهما لم يقتربا أبدًا من الإلهام نفسه، لكنهما استمعا لمعاني الآخرين الشخصية عنه وتأويلاتهم للمعنى وما ترتب عليه ذلك في تجاربهم مع الكتابة. ويمكنني تفهم السبب في ذلك؛ إذ في الخلافات الجدلية تختفي الأسئلة الأولية والأساسية لأنها تبدو متأخرة كليًّا عن السياق ولا معنى لطرحها الآن. لكنني أصمم على أنها مفتاح الإجابة الحقيقي، وهنا سيكون السؤال: ما هو معنى الإلهام؟
الإلهام ببساطة -حسب المعجم- يعني شيئًا أو شخصًا يحرك الإنسان ليفعل شيئًا ما، في حالتنا هذه كتابة محتوى ما على اختلاف أشكال الكتابة. وهذا التعريف يطرح ثلاثة أسئلة إضافية:
- هل الإلهام بمعناه الأصلي هو ما يحرك الجميع للكتابة فقط؟
- هل يمكن للإيمان/ لعدم الإيمان بفكرة الإلهام التأثير فعلًا على كتابتنا؟
- هل يوجد ما يحفز هذا الإلهام؟
اقرأ أيضًا: تاريخ المكتبات العربية
أدعوك أولًا للتفكير في إجابتك الشخصية عن هذه الأسئلة، ثم دعنا ننتقل معًا إلى الفقرات التالية، حيث نجيب عن هذه الأسئلة بقدر من التفصيل.
هل الإلهام بمعناه الأصلي هو فقط ما يحرك الجميع للكتابة؟
الإجابة المختصرة؛ لا. لكننا لا نحتاج للإجابة المختصرة بكل تأكيد لنفهم أثر الإلهام، نحن بحاجة لمعرفة الأسباب التي قادتنا إلى الإجابة. لذلك دعنا ننظر إلى ما يُحرك الناس للكتابة كخط مستقيم، في أقصى اليمين يقع معسكر الإلهام، وفي أقصى اليسار يقع معسكر الانضباط والالتزام، وبينهما نجد الفريق الذي يؤمن بمزيج من الاثنين. والآن لنتعرف على كل فريق عن قرب.
- معسكر الإلهام
«السر في ذلك كله هو أن تكتب في اندفاع اللحظة ونبضها وفيضانها، أن تضع الأشياء جانبًا دون تدبر، دون القلق بشأن أسلوبها، دون انتظار وقت أو مكان مناسب».
والت ويتمان
هذا المعسكر يؤمن بأن الإلهام هو مفتاح الكتابة، ينتظر الكاتب اللحظة التي تأتي فيها الفكرة إلى ذهنه ويتولد إنتاجه من رحم هذا الإلهام. في هذا المعسكر نجد الشاعر الأمريكي والت ويتمان وهو من أهم شعراء أمريكا في القرن التاسع عشر وأكثرهم تأثيرًا، وله مجموعة شعرية شكلت علامة فارقة في الأدب الأمريكي.
2. معسكر الانضباط
«إنني أكتب فقط حين أشعر بالإلهام. ولسعادتي فأنا دائمًا أشعر بالإلهام في التاسعة من كل صباح».
ويليام فولكنر
هذا المعسكر يؤمن بأن الالتزام هو مفتاح الكتابة، يضع لنفسه نظامًا وجدولًا زمنيًّا يحرص على الالتزام به باستمرار، فهو لا ينتظر الإلهام لكنه يصنعه بنفسه. في هذا المعسكر نجد مجموعة من الأدباء المشهورين مثل ستيفن كينغ، نيل غيمان، إرنست هيمنغواي.
3. معسكر الوسطية
«تعودت على الكتابة نهارًا بين العاشرة والثانية عشرة. لا أكتب كل يوم لكن أجبر نفسي على الجلوس يوميًّا إلى الطاولة. ربما يكون هناك وحي، وربما لا يكون؛ لا أؤمن تمامًا بالوحي، ولكنه إذا كان موجودًا فعلينا انتظاره».
محمود درويش
هذا المعسكر أظنه يمثل القطاع الأكبر من الكُتَّاب، الذين يتساءلون دائمًا عن الإلهام، ربما يؤمنون بوجوده فعلًا وربما لا، لكنهم في النهاية يملكون عادات للكتابة بانتظام، ومفتاحهم للكتابة مزيج بين الإلهام والانضباط.
الآن تشعر بأننا قد حللنا المعضلة، لننتسب جميعًا إلى هذا المعسكر، ولا أخالفك الرأي في هذه المسألة، فأحسبني أيضًا من أبنائه، لكن الحقيقة هي أننا نحتاج أولًا لإجابة السؤال الثاني الذي طرحناه، لنفهم تبعات الانتماء لمعسكر الوسطية.
هل يمكن للإيمان/ لعدم الإيمان بفكرة الإلهام التأثير فعلًا على كتابتنا؟
يُستخدم في الطب مصطلح العلاج الوهمي أو Placebo، والمقصود به إعطاء دواء للمريض لا يكون له تأثير حقيقي على علاجه، لكن المريض لا يعرف ذلك بل يعتقد أن في هذا الدواء شفاء له من مرضه. وبفضل توقعاته الشخصية قد يستجيب المريض للعلاج وتتحسن حالته فعلًا، وهو ما يُعرف بتأثير الدواء الوهمي.
أولًا أنا لا أقارن هنا بين الكتابة والعلاج من الأمراض، لكن أرغب في استخدام المفارقة من الموضوع فحسب؛ وهي باختصار أننا نتأثر بأفكارنا الشخصية عن الأمور، أي أن ما نعتقده يلعب دورًا حقيقيًّا في حدوث الشيء أو عدم حدوثه، وهذه ليست مبالغة أبدًا، فإن كان الأمر فعالًا في مسألة العلاج، فلماذا لا يكون كذلك في أمور أخرى كالكتابة؟
بالتالي، يُمكن للشخص الذي يؤمن بالإلهام أن يُساعده ذلك على الكتابة فعلًا، تجده يصل إلى فكرة ما ويبدأ في كتابته ويخرج منها عملًا مبدعًا. ومن ناحية أخرى، قد يرفض هذا الشخص تجربة الجلوس لمحاولة الكتابة، لأنه يعتقد بأنه في غياب الإلهام لن يقدر على فعل ذلك، ويؤدي انتظاره للامتناع عن الكتابة فعلًا. ونحن نرى ذلك في العديد من الكُتَّاب الذين يتعرضون لحبسة الكاتب، ويكون أحد أسبابهم لذلك هو مجرد انتظارهم الإلهام.
والحقيقة أن الأمر لا يتوقف عند معسكر الإلهام، لكنه يشمل المعسكرين الآخرين كذلك، فعلى سبيل المثال إذا تحدثنا عن معسكر الانضباط، يمكننا القول إن إيمان الكتاب بهذه الفكرة يساعدهم على الكتابة والإنتاج باستمرار، ولكنهم في بعض الأحيان يقبلون بجودة أقل من المطلوب، لأنهم يؤمنون بفكرة أنهم لا يتعرضون لإلهام معين، ما يجعلهم غير قادرين على إنتاج جودة لا مثيل لها كما يفعل معسكر الإلهام.
وأخيرًا معسكر الوسطية الذي تحدثنا عن كونه المعسكر الأكثر ملاءمة وجاذبية للكتاب، فهذا المعسكر حسب تقديري هو الأخطر في أثر الفكرة عليه، لماذا؟ لأنه ببساطة يتبنَّى مزيجًا من فكرتين يؤمن بكلتيهما بشدة، أو قد لا يؤمن بأيهما أصلًا، فتزداد احتمالية الأثر السلبي هنا.
مثلًا هذا الفريق يملك عادات للكتابة المنضبطة لكنه في داخله يؤمن بانتظار الإلهام، وقد تؤول به الحال إلى عدم إنتاج أي شيء في النهاية؛ لماذا؟ لأن عقله يخبره أنه فعل المطلوب منه بالجلوس للكتابة، وعليه فقط انتظار الإلهام وهو الشيء الذي قد لا يكون مؤمنًا به فعلًا فلا يشعر به أبدًا، أو يؤمن به بقوة ما يجعله يرفض أي فكرة تطرأ عليه للكتابة لأنه ينتظر فكرة قوية نابعة من شعوره بالإلهام.
لا تفوت: حديث في الأدب والثقافة مع الأستاذ حاتم الشهري
هل يوجد ما يحفز الإلهام؟
وصولك إلى هنا يعني أنك تعرف ما هو الإلهام، وتعرف الآثار الناتجة عن الإيمان أو عدم الإيمان بالفكرة، وتضع في الحسبان ضرورة إدارة التبعات الناتجة عما تؤمن به. الآن يمكننا الانتقال إلى الخطوة الأخيرة وهي التساؤل عن وجود ما يحفز الإلهام.
في التعريف أشرنا إلى أن الإلهام هو شخص أو شيء يحرك الإنسان للفعل، ومن هذا التعريف يمكننا استنتاج أن الإلهام هو محصلة المدخلات القادمة إلينا، يُمكنك تسميتها بالإلهام ويمكنك تسميتها بالأفكار، بالطبع تعتمد التسمية على معسكرك، لكن القاسم المشترك هو أننا نتحكم في هذه المدخلات ويمكننا دعمها بالتغذية والبحث. لكن قبل الحديث عن الطرق، من المهم الانتباه للنقاط الآتية:
أولًا: صدِّق تعريفك الشخصي للإلهام أيًّا كان معسكرك. لا تدع أحدًا يخبرك أن ما تعتقده خاطئٌ لمجرد أنه يعتقد عكس ذلك. كما ذكرنا في الفقرة الماضية لا يهم ما نعتقده قدر ما يهم أثر هذا الاعتقاد علينا.
ثانيًا: تحفيز الإلهام يعتمد على وجود مصادر لذلك، سأذكر أمثلة عليها في القسم التالي من المقال. وأهمية هذه المصادر هي أنها تمنح عقلك المدخلات المطلوبة، فمن دونها لن يهم ما هو معسكرك، في الحالتين ستعاني لإيجاد فكرة مناسبة للكتابة ومتابعة العمل عليها حتى النهاية.
ثالثًا: ليس شرطًا أن تفعل مثلما يفعل الآخرون، لا تتأثر بطرقهم لتحفيز الإلهام أو تحاول محاكاتها إذا كانت لا تناسبك، ولا تتساءل من داخلك عن عدم سبب فاعلية طريقة ما معك مثلما هي فعالة مع آخرين؛ ركز على استخدام الطرق التي تلائمك فقط، واصنع طرقك الخاصة أنت أيضًا.
9 طرق لتحفيز لإلهام
ليس شرطًا استخدام جميع الطرق معًا، بل اختر منها ما يناسبك ويلائم شخصيتك. الطرق المذكورة هنا هي مجرد أمثلة فقط للتأكيد على وجود سبل حقيقية لتحفيز الإلهام، وتوجد غيرها العديد من الطرق الأخرى حسب بحثك ورحلتك مع الكتابة. والآن لنذكر الأمثلة:قراءة الكتب والمجلات والمقالات.
- الاستماع إلى البودكاست.
- مشاهدة الأفلام ومقاطع الفيديو.
- أفكار الآخرين ورؤاهم.
- المشاركة في المناقشات أو الاستماع إلى واحدة.
- القصص الملهمة مثل قصص النجاح.
- تجاربك الشخصية في الحياة.
- التأمل والاسترخاء.
- السفر إلى أماكن مختلفة والتعرف إلى ثقافات جديدة.
في الختام، لا أعد الهدف من هذا المقال هو الوصول إلى إجابة قاطعة أبدًا، بل بعض الأسئلة لا نهاية لها فعلًا، لا لعدم وجود الإجابات الصحيحة، ولكن لأن رحلة استكشاف الإجابة ممتعة بحق، ودائمًا ما يُحضر لنا الآخرون إجابات جديدة عليها، تطرح لنا بُعدًا آخر ربما لم نره من قبل.
وينطبق الأمر على سؤال الإلهام في الكتابة، لأنه كلما بحثنا أكثر وجدنا أننا لا نحتاج إلى حسم الإجابة على المستوى الجماعي والخروج بإجابة قاطعة، فعدم الحسم يضمن لنا المزيد من الإجابات، ويمنحنا رؤى أخرى غير مألوفة تؤثر على فكرنا بإيجابية، وتجعلنا أكثر استمتاعًا بطرح السؤال في كل مرة.
لكننا قطعًا نحتاج لإجابة شخصية لأنها ستؤثر في رحلتنا مع الكتابة، ربما تتطور هذه الإجابة وتتبدل مع الوقت بين معسكر لآخر، وربما يظهر معسكر جديد ننتمي إليه، وهذا جزء من رحلة الكتابة أنها تؤثر فينا، لا نحن فقط الذين نؤثر بها.
المراجع
- https://writetodone.com/31-ways-to-find-inspiration-for-your-writing/
- https://thewritepractice.com/writing-inspiration-solution/
- https://studybreaks.com/culture/reads/the-myth-inspiration-writing/
- https://www.writerswrite.co.za/10-writers-on-the-inspiration-myth/
- https://www.pbs.org/newshour/arts/inspiration-is-a-myth-and-more-writers-advice-from-author-tara-westover
- https://janeannestaw.com/the-myth-of-inspiration/
- https://www.writersdigest.com/be-inspired/writing-mistakes-writers-make-waiting-for-inspiration-to-strike
- https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%A5%D9%84%D9%87%D8%A7%D9%85/
- https://dictionary.cambridge.org/dictionary/english/inspi
ration
