سماوي Samawy Blog
الرئيسيةمقالات
أي الكتابة أحق بالقراءة؟!
مقالات

أي الكتابة أحق بالقراءة؟!

«فالقراءات التي ينبغي أن تُفضَّل على جميع القرءات هي كل قراءة تصون للإنسان عروق الآدمية، ولا تفصله من جذور أسرته الكبرى بين الأحياء، وهي «الأسرة الإنسانية» …» من الإطالة في…

ع
عباس محمود العقاد · كاتب/ة
16 June 2026 · 7 دقائق قراءة · 1.1k مشاهدة

«فالقراءات التي ينبغي أن تُفضَّل على جميع القرءات هي كل قراءة تصون للإنسان عروق الآدمية، ولا تفصله من جذور أسرته الكبرى بين الأحياء، وهي «الأسرة الإنسانية» …»

من الإطالة في غير طائل أن تُفاضِل بين موضوعات القراءة التي يختلف الحكم عليها باختلاف منافعها أو اختلاف أذواق قرائها.

إن الإطالة في هذه المفاضلات وأشباهها لا تنتهي بنا إلى طائل يستحق عناءه، لأن القراءة العلمية ستظل أفضل من القراءة الأدبية عند مَن يتخصَّص لها تحصيلًا لمنافعها، أو يتخصص لها لأنها أقرب إلى ذوقه و إدراکه.

وكذلك قراءة الأدب ستظل أفضل من قراءة العلم، وتظل قراءة التاريخ أفضل من قراءة الفن، وتظل قراءة الرحلات أفضل من قراءة التراجم، وتظل كل قراءة أفضل من كل قراءة غيرها عند فريق من الناس، فلا تؤدي المفاضلة بينها إلى إلغاء واحدة منها عند جميع القراء، ولو أمكن أن تلغيها عند بعضهم، وهو مشكوكٌ فيه!

لكن الحد الفاصل بين القراءة الصالحة وغير الصالحة ليس – فيما نعتقد – سرًّا مجهولًا، يتعذَّر الوصول إليه أو يتعذر الاتفاق عليه مع التجرُّد من الهوى والمكابرة …

فالقراءة التي ينبغي أن تُفضَّل على جميع القراءات هي كل قراءة تصون للانسان عروق الآدمية، ولا تفصله من جذور أسرته الكبرى بين الأحياء. وهي (الأسرة الإنسانية).

إن الثقافة من أوَّلها إلى آخرها تراثٌ مشترك «بين الآدميين» منذ استطاع هذا الحيوان الناطق أن يتثقف بجهود حسه وتفكيره وخياله وبصيرته، منفردًا بها بين أنواع الحيوان.

ولنبدأ من البداية …

لنبدأ من حروف الهجاء، وأولها حرف (الألف) في الأبجدية التي يكتبها المتكلمون باللغات السامية واللغات الهندية الجرمانية.

إن الإحصاء لا يحيط بعدد الآدميين ممن اشتركوا في تحضير هذه الصورة التي نكتب بها أول حروف الهجاء ..

إنهم ملايين من كتَّاب الرسوم الهيروغليفية، وملايين من كتَّاب الحروف المسمارية، وملابين من كتَّاب المقاطع، وملايين من كتَّاب الحروف، وملايين بعدهم ومعهم من صنَّاع ورق البردي أو ألواح الطين أو رقاق الجلود ..

وهذا حرفٌ واحد من حروف الأبجدية قبل أن يُحسب في عداد الكلام المفهوم.

وكل ثمرة من ثمرات الثقافة، فهى على هذا المثال محصول الأسرة البشرية منذ استطاع هذا الحيوان الناطق أن يتثقف، وأن يحرص على توريث الثقافة بعده لذريته من البنين وأبناء البنين، وخلفاء هؤلاء وهؤلاء إلى غير انتهاء …

وليس للثقافة الإنسانية تاريخ واحد معروف، غير أنها تاريخ «العقل الانساني» منذ عرف الإنسان له عقلًا مميَّزًا بين أنواع المخلوقات.

فإذا قال المؤرخون ما شاءوا عن ثقافة مصر والهند والصين والرومان واليونان والأمم الأعجمية أو العربية، فخلاصة القول جميعًا أنها تنتهي إلى ثقافة واحدة، كما تنتهي الأنهار والجداول إلى البحر المحيط؛ فلا يُستطاع في زمن من الأزمنة أو بقعة من البقاع أن يُقال عن فكرة واحدة أنها تنتمي إلى مصدر يفصلها من جذورها الإنسانية الكبرى في أعمق الأعماق.

وهكذا، يصبح الإنسان فرعًا حيًّا ناميًا ينبت على شجرة حيَّة نامية.

كلما فهم القارى الثقافة، بهذا المعنى، أو كلما تثقَّف ليُجرِّي حياة الفكر و الشعور في عروق لا تنقطع بين الأمس واليوم، ولا بين اليوم والغد، ولا تفصلها بقعة في الأرض عن سائر البقاع أو جماعة بين الناس عن سائر الجماعات وعلى هذا يكون الفارق بين قارىء الثقافة على عروقها الخالدة، وقارىء الثقافة المنقطعة البتراء، كالفارق بين الفرع الحي وبين حطبة الوقود.

***

تعرَّف إلى: أهم 8 كتب تجمع بين الأدب والفلسفة

وإن أعدى الأعداء للفكر الإنساني، بل أعدى الأعداء لمصلحة الإنسان كيفما كان، لهي تلك الثقافة التي تقطع عروقه الخالدة، لتبدِّله بها عروقًا من الحبال المصنوعة باسم العلاقات الاقتصادية أو الاجتماعية، أو عروقًا من ورق الصحائف أو ورق العملة أو ورق المحفوظات في دفاتر الدواوين وليكن القارىء ابن أمة كبيرة … وليكن القاري ابن طائفة صغيرة … وليكن ابن عصر يُحسب بعشرات السنين أو بمئات السنين … وليكن ابن ملة من الملل تختلف بالعقائد والشرائع، أو تختلف باللغات والألوان، أو تختلف بالمواضع الجغرافية ومرافَق الصناعة والزراعة.

لیکن واحدًا من أية جماعة تحت أي عنوان، فإذا بقي مع ذلك واحدًا من الأسرة الإنسانية الخالدة، فهو على نسب صحيح حيثما اتصلت به النسبة في تلك الجماعة … وإذا كان معنى تلك النسبة أنه انقطع عن تاريخ الإنسانية باسم مصلحة أو فكرة أو دعوة أو حسبة من حساب الشركات والبنوك ورءوس الأموال والأجور، فهو حطبة من حطب الوقود، وإن بولغ في تزويقها وتنجيرها بكل أداة من أدوات التزويق والتنجير!

***

وهذا هو المعيار الصالح للأفكار والمطالعات والكتابة والقراءة، وليست غاية المقصود بتقريره أن يكون معيارًا صالحًا للجماعات البشرية من الأمم والملل والطوائف والطبقات.

إنها ثقافة صالحة، تلك الثقافة التي تُعلِّم القارئ أن يعتز بوطنه، وأن يميزه بين الأوطان بحبه وخدمته، ولكنها ليست بالثقافة التي تصلح للوطن أو تصلح للعالم إذا كان معناها أن الوطنية تلغي الإنسانية، وتفصل الوطني عن ركبها الذى خرج للمسير منذ ألوف السنين، ولم يقف به المطاف هذه السنة أو بعد ألوفٍ أخرى من السنين.

إنها لثقافة صالحة تلك الثقافة التي تعلِّم القارىء أن يشرف بالطبقة التي ينتسب اليها، ولكنها ليست بالثقافة المشرِّفة إذا علَّمته أن شرف الطبقة هو الشرف كله، وأن الفضائل الآدمية لن تسمح لغيره بشرف كشرفه ولا بحق كحقه، بين إخوانه الآدميين …

وثقافة صالحة، كل ثقافة تُعلِّم القارئ أن التجديد في الأدب والفن، وفي العادات والأخلاق، جهد مشكور من أبناء كل زمن يعيشون معيشة الأحياء، ويأنفون من مجاراة الأولين الأسبقين مجاراة الآلات أو مجاراة الغريزة العمياء في الحيوان، ولكنها ليست بالثقافة الحية إذا جهلت أن الأولين الأسبقين كانت لهم حياة، وأن حياتهم لم تنقطع بين الأمس واليوم ولا بين اليوم والغد، وليست هي بالثقافة التي تحس وتفكِّر وتتصرَّف في الإحساس والتفكير إذا فاتها أن تعلَم أن الإنسانية ذات «شخصية» باقية وأنها أولى وأقدر من «شخصية» الحي الواحد على البقاء، فقد يتطور الحي الواحد بين الطفولة والصبا، وبين الصبا والشباب، وبين الشباب والكهولة .. ولكنه إذا اكتفى بمعالجة الشخصية في دور من أدوار العمر، فذلك هو المسخ والتشويه، بل ذلك هو الفارق بين التجديد الحي والتجديد المصنوع المفتعل لغير باعث مطبوع.

وثقافة صالحة، تلك الثقافة التي تُعلِّم القارىء أن يفسر التاريخ بما شاء من أطوار الاجتماع والاقتصاد، ولكنها ثقافة بهيمية إذا علَّمته أنه لیس بإنسان لأنه أجير، أو نزعت من كيانه الحى شعور العطف الآدمى لأنه عطف يلغى وينعدم، كلما انقسم الناس طوائف طوائف أو طبقات طبقات وثقافة صالحة، تلك الثقافة التي تُعلِّم القارئ أن يحارب العدو والصديق في سبيل الحق والخير وفي سبيل الواجب والكرامة، ولكنها تُفسدِه ولا تُصلحه إذا فهم أن الحرب تهدد الحياة ولم يفهم أن حياة المستقبل هي شفيع القتال والنضال عند الإنسان الخالد بعد كل عداء وكل ولاء، وبعد إهدار الدماء أو حقن الدماء.

اقرأ أيضًا: المثقفون الكبار يحكون عن قراءاتهم: مختارات من كتب سيرة القراءة

***

ولا ننسى أن الكلام في رعاية الحقوق الإنسانية مبحث من مباحث الأخلاق ومعيار صالح للتمييز بين أصول الشرائع والمعاملات، ولكنه فوق ذلك وقبل ذلك أصلح المعايير الثقافية للمفاضلة بين مباحث الأدب والفن وأصدق الموازين التي يعتمد عليها نقاد المعرفة في ترجيح فكرة على فكرة، وفلسفة على فلسفة، وموضوع على موضوع، كلما تعدَّدت الموضوعات التي يكثر عليها الخلاف، وتحتاج إلى الفيصل الحاسم بين الحق منها والباطل، وبين الجميل منها وغير الجميل، وليس بعد هذا الفيصل الحاسم من فيصل أعم وأعمق وأدنى إلى التفاهم عليه بين الأضداد في جملة مذاهب الثقافة بلا استثناء.

وهذ المعيار الصالح – معيار الصلة بالإنسانية – هو الذي نختاره للمفاضلة بين موضوعات القراءة، ثم لا نرى معيارًا آخر أقرب منه إلى المراجعة وأيسر منه في التطبيق …

***

هذه دعوة الى التجديد في الفن والأدب …

وهذا مذهب يذهب كما شاء بين المزايا العنصرية أو بين أطوار الأمم وأنظمة الحكم والسياسة …

وهذه فلسفة من فلسفات الدراسة التاريخية، أو نزعة من نزعات الإصلاح، أو عقيدة من عقائد الإيمان والإقناع بالحجة والبرهان أيهما أفضل للقراءة والاستفادة؟

أيهما أرجح في موازين الفكر والثقافة؟

أيهما أمتع وأجمل إذا تركنا كل جانب من جوانب المفاضلة واكتفينا من بينها كلها بجانب المتعة والجمال؟

يكفي أن نعلم أيها يحفظ للإنسان عروقه الخالدة وأيها يقطع تلك العروق ..

يكفي أن نعلم أن موضوعًا من موضوعات الثقافة يُبقي هذا الإنسان حيًّا ناميًا على جذوره، لنعلم من يقين أنه أصح وأعمق وأصلح للمتعة والفائدة من موضوع آخر يقطع جذوره ويلقيه إلى ناحية الطريق حطبة من حطب الوقود، وإن كانت حطبته تبهر العيون بزخارف التزويق والتنجير.

وما هي القراءة المفضَّلة بهذا المعيار بين أقدم الآراء وأحدثها على السواء؟

إن كانت مذهبًا من مذاهب المحافظة على القديم، فهو حسن نافع كلما كان من مزايا المحافظة فيه أن يربط الإنسان بماضيه ولا يقطعه عن مستقبله ..

وإن كانت مذهبًا من مذاهب التجديد، فهو حسن نافع كلما كان من مزايا تجديده أن يفتح للإنسان أبواب مستقبله ولا يغلق عليه أبواب ماضيه ..

وبهذا المعيار الشامل نحكم على كل مطلب من مطالب الحس والذوق، ومطالب الفكر والضمير، ومطالب البديهة والخيال.

حتى «موضة» الثياب في موسم الأزياء قد تأخذ مكانها بين مطالب الذوق التي تنتظم في مقادير هذا المعيار. فهي «موضة» ميتة، ولا ريب أن تلك «الموضة» التي تحتويها بقعة واحدة من الأرض، وتتقبَّلها زمرة واحدة من اللابسين، ولا تصلح في وقتٍ من الأوقات بالغًا ما بلغ من القصر أن تعم بنى آدم وحواء قبل أن تزول … وقس على ذلك فلسفة الفن السريالي وفلسفة التفسير المادي للتاريخ …!

أعجبك المقال؟ شاركه: تويتر فيسبوك واتساب نسخ الرابط
ع
عباس محمود العقاد
كاتب/ة في مدوّنة سماوي

مقالات أخرى لـ عباس محمود العقاد

مقالات ذات صلة

أضف تعليقًا