دليلك إلى أفضل الكتب عن تاريخ الترجمة شرقًا وغربًا
ليست القراءة في تاريخ الترجمة ترفًا فكريًّا أو شأنًا أكاديميًّا يعتني به المدققون من المتخصصين في اللسانيات أو التاريخ الحديث، بل هو من أهم الجوانب التي تساعد في الإلمام بالحركة…
21 May 2026 · 6 دقائق قراءة · 1.1k مشاهدة
ليست القراءة في تاريخ الترجمة ترفًا فكريًّا أو شأنًا أكاديميًّا يعتني به المدققون من المتخصصين في اللسانيات أو التاريخ الحديث، بل هو من أهم الجوانب التي تساعد في الإلمام بالحركة العلمية والثقافية في التاريخ البشري؛ فمثلًا لن تستطيع فهم التطور الفكري الغربي في بدايات الحداثة إلا إذا ألممت بتاريخ الترجمة، وتحديدًا صراع مارتن لوثر مع الكنيسة بشأن ترجمة الكتب المقدسة.
بل إن فهمك للعلوم الدينية والفلسفة الإسلامية سيظل قاصرًا تمامًا وناقصًا من غير معرفتك بتاريخ الترجمة ومرحلة نقل العلوم والمعارف اليونانية، ولن تحيط بمرحلة التحديث في مصر في عصر محمد علي إلا إذا وقفت على حكاية التعريب والترجمة في القرن التاسع عشر، وهكذا فإن حركة الترجمة هي جزء أساسي من تاريخ التطور الفكري والثقافي في العالم.
وقد اخترت في هذه القائمة كتبًا متنوعة تغطي تاريخ التعريب والترجمة والتواصل الحضاري، في العصور القديمة وفي الحضارة العربية الإسلامية وفي العصر الحديث في مصر والشام.
1. حوار الأمم: تاريخ الترجمة والإبداع عند العرب والسريان – محمد عبد الحميد الحمد
دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، 2001.
في هذا الكتاب لا يؤرخ كاتبه لتاريخ الترجمة بوصفها مجرد أداة لنقل المعرفة من لسان إلى لسان، وإنما اتخذها مدخلًا لإبراز التواصل الحضاري بين الأمة العربية والحضارات اليونانية والفارسية وغيرها، فالترجمة عنده هي قصة الحضارة الإنسانية التي «ولدت على ضفاف دجلة والفرات وذرَّت قرنها في وادي النيل، ونمت في بلاد فارس والهند، واستقرت زمنًا في بلاد اليونان، ثم انطلقت نحو مدن الشرق، تصب ماء حياة الفكر اليوناني في الدم الثقافي الذي يجري في عروق أبناء البلاد، واحتضنها السريان وكشفوا عن ذخائرها، ونقلوا ما يحتاجونه، ثم انتقلت إلى العرب، وألقت عصا ترحالها بينهم وعاشت حياة سعيدة، تحت لوائها، وأقاموا لها هياكل وصروحًا للعبادة».
وأكثر ما يلفت النظر في هذا الكتاب هو رصده الدقيق لرحلة الترجمة في الحضارات السابقة على الحضارة العربية، وعند جيرانها السريان في مراكز المخطوطات والترجمة في الرها ونصيبين وأنطاكية ودمشق وحران ومرو وغيرها.
2. المنجز العربي الإسلامي في الترجمة وحوار الثقافات: من بغداد إلى طليطلة – أحمد عثمان
الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013.
هذا الكتاب ألفه أستاذ جامعي موسوعي هو الأستاذ أحمد عثمان، المعروف بدقة كتبه واستقصائها، وفيه قد استقصى تاريخ الترجمة في الحضارة العربية الإسلامية، وتأسيس الفلسفة الإسلامية بعد ترجمة كتب اليونان، والنموذج المشرف الذي قدمته الحضارة الإسلامية للتعددية الثقافية من خلال المكانة التي تبوأها المترجمون من غير المسلمين، وأفاض في أنواع الترجمات العلمية منها والأدبية والفلسفية، وتصنيف العلوم والمعارف من خلالها، وأخيرًا تناول الترجمة من العربية إلى اللاتينية، ثم انتقال المعرفة اليونانية إلى الغرب عن طريق العرب في الأندلس وتحديدًا في طليطلة.
وقد توفر لهذا الكتاب ما لم يتوفر في غيره من الكتب الكثيرة المؤلفة في تاريخ الترجمة في الحضارة العربية، فمؤلفه حجة في الدراسات اليونانية واللاتينية بالإضافة إلى معرفته الواسعة بالتاريخ العربي، لذا فهو مرجع لا يستغنى عنه في مكتبة المثقف العربي.
تعرَّف إلى: تحليل البيانات وصناعة النشر: هل هو المزيج الأمثل لمستقبل النشر؟
3. اختفاء المترجم: تاريخٌ للترجمة – لوارنس فينوتي
ترجمة: سمر طُلبة، مراجعة: محمد عناني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010.
يشيع بين أكثر القراء والمثقفين أنه كلما بدا الكتاب المترجم وكأنه مكتوب بلغة القارئ، كان هذا علامة على إتقان المترجم لوظيفته ودليلًا على جودة الترجمة؛ يهاجم مؤلف الكتاب هذه الفكرة، ويعدها من بخس المترجم لحقه، وطمسه لذاته. وفي سبيل إثبات ذلك أخذنا في جولة في تاريخ الترجمة الغربية والأمريكية بالخصوص، لإبراز الخلفية التاريخية لهذه الفكرة التي تبدو بديهية اليوم لكنه ينتقدها نقدًا لاذعًا.
يقسم المؤلف الترجمة إلى قسمين: ترجمات موطأة وترجمات مغربة؛ النوع الأول يلغي أي علامة في النص على أن الكتاب مترجم، وذلك لأنها أدمجت النص المترجم في البيئة اللغوية والثقافية المترجم إليها، ويحرص على إشعار القارئ أن النص كأنه مكتوب بلغته الأصلية.
أما النوع الثاني فهو يُخَلِّي بين النص الأصلي والقارئ، ولا يسعى إلى محو آثار الغرابة التي تفرضها الترجمة من لغة لها ثقافتها ولغة أخرى مختلفة عنها. يرى الكاتب أن التوطين في الترجمة هو غزو ثقافي للثقافات الأخرى وناتج عن ثقافة إمبريالية استعلائية، وقد أثارت آراء البروفيسور لورانس فينوتي في هذا الكتاب جدلًا واسعًا بين أوساط الناشرين والباحثين في دراسات الترجمة.
4. الترجمة وتاريخها الطبيعي – شارل لو بلان
ترجمة: بسام بركة، منصة معنى، 2021.
ليس هذا الكتاب كتابًا تقليديًّا في التأريخ للترجمة، فهو مشغول في الأساس بتأمل ماهية الترجمة نفسها، ولكن من خلال سرد تاريخها، فعلى مدار فصول الكتاب ينتصر المؤلف لتفسير معين لفعل الترجمة. فالترجمة عنده نوع من القراءة؛ القراءة التي يتعاون فيها المترجم مع المؤلف على إنتاج الكتاب المترجم. بالتالي إذا تناولنا كتابًا مترجمًا لمارتن هايدغر فإنه لا يخبرنا عن هايدغر نفسه، بقدر ما يخبرنا عن هايدغر وفق قراءة مترجمه، بالتعاون مع كتاب هايدغر الأصلي.
هذه العملية المعقدة لها عدة أنماط، يفرد المؤلف كل فصل من فصوله الخمسة لشرح نمط من هذه الأنماط بالاستعانة بحكاية خرافية رمزية مثل «هانسل وغريتيل» أو رواية عالمية مثل «صورة دوريان غراي». ويشرح من خلال هذه الحكايات جانبًا من جوانب عملية الترجمة وفق المعنى الذي حدده لها، وخلال هذا الشرح يطوف بنا في تاريخ الترجمات وتلقيها وأدوارها وحوادثها منذ بداياتها القديمة إلى عصرنا الحالي.
5. تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي – جمال الدين الشيال
مؤسسة هنداوي، 2021.
هذا الكتاب برغم أنه رسالة ماجستير مقدمة في الأربعينيات، إلا أنه حقًا من كنوز مصادر تاريخ مصر الثقافي والمعرفي، فقد استوفى فيه أخبار حقبة هي الأهم في تاريخ حركة التعريب والترجمة في مصر، سواء تعريب التعليم أم ترجمة الكتب.
فقد كان النقل عن الغرب هو وسيلة محمد علي للإصلاح، فأفاض المؤلف في حصر أدوات الترجمة عن الغرب من المدارس والقواميس ومدرسة الألسن، وأنماط الترجمة وأغراضها وأساليبها السائدة في هذا العصر، التي تختلف كثيرًا عن المتَّبَع في الترجمة في عالمنا المعاصر، وتأثير الترجمة في اللغة العربية وفي المجتمع، وأخيرًا فقد ذيل المؤلف الكتاب بقوائم شديدة الأهمية للغات التي ترجم منها وإليها، وأسماء الكتب التي ترجمت في هذه الحقبة.
اقرأ أيضًا: زيارة لمكتبات العالم: العالم بوصفه نصًّا مكتوبًا
6. تبرئة الألفاظ: عن الإمبراطورية وإغراء الترجمة في مصر – شادن م. تاج الدين
ترجمة: سمر طلبة، المركز القومي للترجمة، 2022.
أن المصريين عندما كانوا ينقلون عن الغرب في هذه الفترة، لم يكونوا يتحركون في الأساس بعقدة النقص من أن الغرب هو الأكثر تقدمًا والأجدر بالاحتذاء، وإنما كانت تتملكهم حالة تخيلية تقضي بأنهم والأوروبيين سواء، وأن الأوروبيين متشوقون للتعرف إلى الثقافة المصرية وترجمتها مثلهم، وبالتالي فهي تعيد تعريف مفهوم الهيمنة والإمبريالية الثقافية، وفق هذا المنظور مستندة إلى دعامة وثائقية كبيرة، ومستعينة بحشد كبير من النظريات والأفكار.
7. حركة الترجمة في عصر النهضة – لطيف زيتوني
دار النهار، 1994.
هذه المرحلة التي يرصدها الباحث اللبناني لطيف زيتوني في هذا الكتاب بالغة الأهمية في تاريخ الترجمة العربية، فهو يغطي فيها حركة الترجمة العربية في القرن التاسع عشر، في العصر الذهبي للدراسات اللغوية والمعجمية في بلاد الشام، ويتتبع مرحلة نشوء التعريب ووضع المصطلحات، على يد أفذاذ اللغويين العرب في العصر الحديث مثل: ناصيف اليازجي، وإبراهيم اليازجي، وأحمد فارس الشدياق، وفرح أنطون وغيرهم. ويتتبع تأثير اتصال العرب بالفاتيكان وبدايات استقبال المطابع إلى بلاد الشام.
أخيرًا، فإنه قلما اجتمعت لحضارة ما البراعة في سائر صنوف المعارف والفنون والآداب، ومن ثم كان التفاعل الحضاري بين الأمم عن طريق الترجمة نقلًا وشرحًا ونقدًا هو أحد ضمانات حيوية الأمم وتقدمها، وإلا غرقت الحضارات في دائرة مغلقة من النرجسية العقيم التي لا تنتج إلا السذاجة والعنف. لذا فإن أردت أن تبحث عن حضارة حية وفاعلة فاقرأ تاريخ الترجمة والتعريب فيها، وستساعدك هذه الكتب المختارة بعناية على أن تلم بطرف من هذه الغاية، فقلِّب النظر فيها واختر ما يناسبك منها.
