سماوي Samawy Blog
الرئيسيةمقالات
السخرية عند برنارد شو
مقالات

السخرية عند برنارد شو

تعوَّد القراء أن ينتظروا من الكتَّاب والأدباء صورًا «قلمية» لرجال السياسة والحرب وأقطاب الحكومات. ولكن هذه العادة قد اختلفت كل الاختلاف في أمر برنارد شو لأنه كاتب فنان قد خرجت…

ع
عباس محمود العقاد · كاتب/ة
23 May 2026 · 8 دقائق قراءة · 1.5k مشاهدة

تعوَّد القراء أن ينتظروا من الكتَّاب والأدباء صورًا «قلمية» لرجال السياسة والحرب وأقطاب الحكومات. ولكن هذه العادة قد اختلفت كل الاختلاف في أمر برنارد شو لأنه كاتب فنان قد خرجت صورته «القلمية» على أتمها من ريشة أكبر الأقطاب الحكوميين وأشهر الساسة النابهين في العصر الأخير ، وهو مستر شرشل رئيس الوزارة البريطانية في أيام الحرب العالمية، فإننا لا نعرف ناقدًا أو محلِّلًا وصف لنا برنارد شو الكاتب أو برنارد شو الرجل كما وصفهما لنا ذلك السياسي القدير ، ولا نعرف كلامًا كُتِبَ في برنارد شو – على كثرة ما كُتِبَ عنه – يغني القارىء في الدلالة على حقيقته، مع إيجازه وسهولته، ما يغنيه كلام شرشل في بضع صفحات.

قال شرشل عن مسرحياته: «إن تجديداته الأخرى – والكبرى – أنه لا يعتمد في مسرحياته على التجارب بين الشخصية والشخصية، أو على التجارب بين الشخصية والبيئة، ولكنه يعتمد فيها على التجارب بين الحوار والحوار، وبين الخواطر والخواطر. فتصبح خواطره شخوصًا تتصارع فيما بينها، تارة بقوة مسرحية شديدة، وتارة بغير ذلك، وتصبح شخوصه الإنسانية – مع استثناء قليل – عائشة بما تقوله، وليست عائشة بما تعمله، ولكنها مع ذلك تعيش».

ثم قال في صفحة أخرى : «يخيل إليَّ أن الندماء المهرجين الذين قاموا بذلك الدور النفيس في القرون الوسطى إنما أنقذوا جلودهم من السلخ ورقابهم من اللي بتلك الحيدة أو تلك المساواة التي كانوا يتوخونها في توزيع نكاتهم وسخرياتهم على كل جانب وكل إنسان بغير تمييز ولا استئثار، فقبل أن يجرد هذا النبيل سيفه ليجزي النديم على ما أصابه من لسانه اللاذع إذا به يغرب ضاحكًا مما أصاب منافسه أو زميله، وإذا بهم جميعًا في شاغل بأنفسهم عن مد أرجلهم بالرفس لمن يرفسهم. وهكذا نجا النديم المهرج ووجد سبيله إلى أخطر المواطن، ونعم بألاعيبه في الحرية تحت نظرات الهمجية والطغيان الزائفة من العجب والدهشة».

وهذا الكلام أصدق ما قيل في فن برنارد شو وسخرياته وفكاهاته، فإنه لا يقاتل بالسخرية كما كان يفعل فولتير قبله بنحو قرنين، ولا يتخذ «النكتة» سلاحًا يضرب به خصومه ويتلقى الضربات عليه من أولئك الخصوم، ولكنه يعصف بوقار الخرافات والعقائد التي لا تعجبه بألعوبة أو ألعويتين من حركاته البهلوانية المتقنة، يلعبهما أمام ذلك الوقار المهيب، فإذا بالناس معجبون بإتقان اللعبة مغرقون في الضحك من العقائد والخرافات التي كانت قبل ذلك توحي إليهم بالصلاة والتعظيم.

وهو لم يدرك خرافة واحدة في جبروتها وطغيانها كما فعل فولتير في زمانه، لأن فولتير كان يرمي بالنكتة في وجه القوة المخيفة التي تملك الانتقام والجزاء، وكان يحارب في ميدان عنيف، ويعلم ما يصيب المحارب في الميدان العنيف.

أما صاحبنا شو فهو قد ظهر في حضرة أرباب ذهبت عنها مهابة العبادة منذ سنين. ولم يبق للناس ما يمنعهم أن يعصفوا بوقارها إذا وجدوا من يحسن «الشقلبة» البهلوانية في حضرتها بل لعلهم يكافئونه أجزل المكافأة إذا أحسن اللعب بين يديها، وزاد في نصيبهم من الضحك والسخرية بأقدارها، ولم يكن فيه من التشيع ما يثير الحزازة ويبعث إلى الاتهام بسوء النية.

اقرأ أيضًا: مهن ضرورية في النشر العربي: القارئ التجريبي

وقد أحسن شو هذه الصناعة غاية الإحسان كما قال شرشل في تشبيهه إياه بالنديم «المنصف» في توزيع نكاته، فلا فرق عنده بين مذهبه ومذهب غيره، ولا مطمع لوطنه في إعفائه من النكتة اللاذعة إذا صوبها إلى الأوطان الأخرى … بل يتمادى به الأمر حتى لا يفرق بين الجد والمزاح ولا بين الجلائل والصغائر، فينطلق في دعباته وهزله، أو في تحطيمه وتهشيمه، بغير تمييز بين ما يستحق الصيانة والتوفير وما يستحق العبث والزراية، وقد ينساق في نشوة اللعب البهلواني فيدخل به إلى المحراب ويدوس به على القرابين والأرباب، وهو مصروف بارتقاب التصفيق المنتظر عن كل ما عداه، مطمئن إلى السلامة من العقاب، لأنه يوزع حركاته بين النظارة بالعدل والقسطاس، ويصنع كما يصنع اللاعب المدرب الذي لا يأتي بحركة نحو نظارة اليمين إلا قابلها بحركة مثلها نحو نظارة الشمال.

ومن أجل هذا نعتقد أن الفرجة أو التسلية هي غاية الغايات من النظر إلى هذا الملعب البديع!

إن صاحبنا ينكر هذا بداهة ولا يرتضيه لنفسه ولا لفنِّه. وقد نمى كثيرًا على مذهب «الفن للفن» ليوهم الناس أنه يعالج الفن للإصلاح ويرمي به إلى تحقيق رسالة من رسل الاجتماع. وقال على أسلوبه المبدع: إنه ينكر الفن للفن، أو ينكر الفن لغير فائدة أو رسالة لسبب واحد: وذاك أنه أعظم كلفة من أن ينشده أحد من الناس.

لكن الواقع أن «البراعة» الفنية هي غاية ما ينشده برنارد شو من نكاته ولذعاته. وأنه قد ينسى الواقع والصواب، بل ينسى التبعة الأدبية … في سبيل البراعة و«اللعبة» البهلوانية المتقنة.

وهذا هو الفارق الأكبر بينه وبين فولتير، فإنك لا تلمح البراعة في كتابات فواتير إلا لحت معها التبعة الماثلة بين عينيه والوجهة التي يتجه إليها، وكثيرًا ما تفح هذه البراعات في كتابات برنارد شو فتجزم بأن قائلها غير مسئول، وأنه لا يالى ما يقول.

ويبدو لنا أن تعليل هذه الخصلة في الرجل والكاتب على السواء غير عسير، فإنه ورث من أبيه وأمه معًا قلة الاكتراث بالأوضاع القائمة، وقلة الشعور بالتبعة و«المسئولية». وكثيرًا من الاستخفاف بما يهم الناس ويلعجهم ويضطرهم إلى الجد والتدبر الطويل.

فكان أبوه يدمن السكر ولا يحفل بشيء، وكان إذا أصيب بخسارة أو تعرض لبلية أرسل القهقهة وراء القهقهة، حتى يخيل إلى ناظره أنه مسلوب الرشاد، وقد اجترأت أمه على أن تترك زوجها وتعيش مع معلمها الموسيقي، دون أن تحفل بالبيت والبنين. أو بما تلوكه الأفواه من النهم والمعاذير.

أما تعليل تلك الخصلة من الناحية الفنية فقد نلتمسه في شيئين اثنين، إذا آثرنا الإيجاز ولم نسهب في التعليل والتمثيل: أحدهما نشأته الموسيقية وانصرافه إلى العزف والإيقاع من صباه الباكر، فأصبح «الوقع» عنده مقدمًا على الجوهر واللباب، ولا سيما الوقع الذي يتوخاه من لم يبلغ من الفن الموسيقي مبلغ الرجل الذي يؤدي فيه معاني الجوهر واللباب .

وثانيهما أنه بلغ من الكتابة والاشتغال بالمسائل العامة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهي الفترة التي كثرت فيها الدعوة إلى نبذ كل قديم والتعلق بكل جديد، فأصبح الإغراب والإبداع مقدمًا على التحقيق والتمحيص. وأصبحت الحاجة إلى التنبيه والإعلان لازمة من لوازم الصحافة والمسرح وما يتصل بهما من أبواب الكتابة.

قال شو  في جزيرة «جون بل الأخرى»: «إن طريقتي في المزاح أن أقول الحق الصراح … إنه أعجب مزحة في هذه الدنيا».

وقال في أجوبته على الأسئلة التسعة: «إن أسلوبي هو أن أتعب غاية التعب في استنباط ما ينبغي أن يقال، ثم أن أقوله بعد ذلك بأدنى العبارات إلى الاستخفاف».

وقد كشف الرجل سر صناعته في هاتين الكلمتين بغير مواربة ولا تدجيل، لأنه على أسوأ ما يكون «معربد»، وليس بدجال.

فالحقيقة أن برنارد شو قد أوتي من القدرة على المفارقات البارعة ما ليس له نظير في العصر الحاضر، وقد وُفِّق مرات بعد مرات إلى إظهار الحقائق في ثياب الفكاهات، وإظهار الفكاهات في ثياب الحقائق، فاتفقت له في هذا الباب آيات بينات.

منها ما يذكرنا بفولتير، كقوله مثلًا في الإنسان والسيرمان: «ولن يكون الإنجليز أمة عبيد، إنهم أحرار في أن يصنعوا كل ما تسمح لهم به الحكومة وتقاليد الرأي العام».

فهذه في روحها تشبه كلمة فولتير في كتابه الصغير عن الدنيا كما تسير: «إن فلانة وفية لزوجها، وفية له حتى إنها تترك له كل شيء، كل شيء، إلا عشيقها بطبيعة الحال»!

على أنه لا يقصر عن فولتير في كثير من عباراته اللاذعة، وقد يفوقه في بعضها ويجود بها من قريحة أخصب في سخائها بهذه المفارقات من قريحة فولتير.

يقول مثلًا: «إن المتشائم هو رجل يعتقد أن الناس خبثاء مثله، ويمقتهم من أجل ذلك»

أو يقول: «لا تعمل لغيرك ما تحب أن يعمل لك، فربما اختلفت الأذواق»!

أو يقول: «حياة سعادة طويلة، تلك بلوى لا يوجد في هذه الدنيا من يطيقها، إنها الجحيم في هذه الحياة الدنيا».

أو يقول: «لا يحفظ سر بين الناس كالسر الذي يستطيع جميع الناس أن يخمنوه». أو يقول: «إنه جنتلمان … انظر إلى حذائه …»

أو يقول: «إنه رجل حسن الإدراك حسن الذوق، يعني أنه رجل خلو من ملكة الابتداع ومن فضيلة الشجاعة الخلقية …»

أو يقول: «لا حق لنا في استهلاك السعادة بغير إنتاجها إلا كحقنا في استهلاك الثروة بغير إنتاج».

أو يقول: «لن يعمل شيء في هذه الدنيا إلا إذا بلغ الناس أن يقتل بعضهم بعضًا إذا هو لم يعمل».

أو يقول: «تقلُّب المرأة التي أحبها لا يعدله بلاء جهنمي في هذه الأرض غير ثبات المرأة التي تحبني».

أو يقول: «لا يبلغ الناس العقل بمقدار ما يجربونه، بل بمقدار استعدادهم لأن يجربوا».

أو يقول: «فجيعتان في الحياة: إحداهما أن لا تنال ما تتمنى، والثانية أن الذي تتمناه تناله».

أو يقول: «ليس بلاء الكاذب أن أحدًا من الناس لا يصدقه، وإنما بلاؤه أنه هو لا يصدق أحدًا من الناس».

أو يقول: «كلما زاد عدد الأمور التي يخجل منها الإنسان زاد نصيبه من الاحترام».

أو يقول: «الرجل المعقول يوفق بين نفسه وبين العالم، والرجل غير المعقول يحاول أن يوفق بين العالم ونفسه، ومن ثم كان كل تقدم في هذا العالم مرهونًا بغير المعقولين».

تعرَّف إلى: الأدب الساخر

وأمثال هذه الطرائف والجوامع عشرات، ومئات، تقرأ منها في مسرحياته ومقدماته ونُبذه وفصوله ما لست تقرؤه لمؤلف واحد في عصرنا هذا، ويندر أن تقرأ مثله لمؤلف واحد في جميع العصور.

إلا أنه يشتري هذه البراعة بالثمن الباهظ في أحوال كثيرة، لأنه يشتريها «على حساب» الحق والتبعة الأدبية، ومن ذاك إنكاره للوطنية على مذهب الغلاة من الاشتراكيين حيث يقول: إن السلام في الأرض موقوف على زوال الأوطان، وينسى أن الاستخفاف بالوطنية لا يساعد أحدًا غير المعتدين على السلام.

ومن شطحاته على حساب الحق والتبعة تفضيله الدكتاتورية على الحكومة النيابية، وتلك الأراجيح البهلوانية التي قابل بها الحرب العالمية العظمى وهي أهول وأوبل من أن تسمح بأشياء تلك الأراجيح. وقلَّما يحلو له أثر أدبي من هذه الشطحات.

ولكنها هي النار التي يطبخ بها تلك الحلوى … وهي الصيحة التي يعلن بها عن حركاته المتقنة، وفيها من ضروب الفرجة ما ينوب أحيانًا عن الحقائق والتبعات.

أعجبك المقال؟ شاركه: تويتر فيسبوك واتساب نسخ الرابط
ع
عباس محمود العقاد
كاتب/ة في مدوّنة سماوي

مقالات أخرى لـ عباس محمود العقاد

مقالات ذات صلة

أضف تعليقًا