26 February 2026 · 4 دقائق قراءة
تُعد العلاقة بين الرجل والمرأة من أكثر العلاقات الإنسانية تعقيدًا؛ ففيها قد تختلط التفسيرات، وتتشابك الرؤى، وتتوزَّع المشاعر بين النقيضين، ويرسم كل امرءٍ منهما سيناريوهاتٍ متخيَّلةٍ في ذهنه قد تُضلله أكثر مما تُرشده. ولعل رواية سيناريوهات…
تُعد العلاقة بين الرجل والمرأة من أكثر العلاقات الإنسانية تعقيدًا؛ ففيها قد تختلط التفسيرات، وتتشابك الرؤى، وتتوزَّع المشاعر بين النقيضين، ويرسم كل امرءٍ منهما سيناريوهاتٍ متخيَّلةٍ في ذهنه قد تُضلله أكثر مما تُرشده. ولعل رواية سيناريوهات للكاتبة السعودية مشاعل عبد الله من أكثر النصوص الأدبية التي عبَّرت عن تلك العلاقة، وأبرزت تعقيداتها بشكلٍ جلي.
تتوسَّل الكاتبة في هذه الرواية العفوية والبساطة في السرد؛ إذ لم تقصد منها الاستعراض اللغوي أو الأدبي أو الانجراف في عالم الأساطير والخيال، وإنما أرادت بها أن تحفظ بعض الأحداث التي رأتها جديرةً بالحفظ من براثن النسيان. لهذا جاءت الجُمل أقرب إلى الاسترسال الداخلي دون ترتيبٍ أو تزييف.
تنطلق الكاتبة في روايتها من إيمانها بأن الكمال يتحقَّق عند التقاء الرجل والمرأة؛ فكلاهما يُكمل الآخر ويرفع من شأنه، وبأن القلوب مهما انصاعت إلى سطوة العقل في أحيانٍ كثيرة، فثمَّة فتراتٍ لا يُصبح للعقل أي تأثيرٍ في توجيهها. وهذا ما حدث بالضبط في رواية سيناريوهات.
تتناول الرواية علاقةً شائكةً بين امرأةٍ تُدعى مُزنة، ورجلٍ يُدعى عبد الله. لكلٍّ منهما صفاته التي تتمايز عن الآخر بصورةٍ صارخة؛ فبينما تتصف مُزنة بالوضوح كضوء الشمس والحسم في القرارات والغضب والثورة، يتميز عبدالله بالغموض وقلة الكلام وندرة الأسئلة وقِصر الجُمل. وهو ما يمكن أن نستشفَّه من العنوان الفرعي للرواية «امرأة من نار ورجل من جليد»؛ فبينما تعكس مُزنة النار بكل مدلولاتها، يعكس عبد الله الجليد بكل معانيه.
في هذا التناقض الصارخ يكمن سر الاكتمال الذي قصدته الكاتبة، فكما تقول: «إذا التقت امرأةٌ من نار ورجلٌ من جليد، أعتقد أن أحدهما سيُطفئ الآخر في النهاية؛ فالنار بحرارتها ولهيبها ستُذيب الجليد المهيب المخيف العظيم، المتجمِّد القوي البارد … أما دور الجليد سيُطفئ شعلة النار الحارَّة اللاسعة.»
اقرأ أيضًا: رواية الشاعر والملك لوليد سيف: حياةٌ تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
تتميَّز الرواية بالتركيز في خطٍّ سرديٍّ واحد؛ وهو العلاقة بين مزنة وعبد الله؛ فلا وجود لشخصياتٍ أخرى في الرواية؛ رغم حضورها الشفيف في بعض المواضع، مثل والد مُزنة الذي نستشعر وجوده من خلال حديثها عنه وإعجابها به؛ إذ كان دائم السؤال عنها بسؤاله المعتاد «وين الناس؟»، وهو السؤال ذاته الذي يسأله عبدالله حين يتفقَّد أحوالها. كما لا تتشعَّب الأحداث في تفريعاتٍ لا جدوى منها؛ إذ تُؤثِر الكاتبة إخلاء الفضاء السردي لعبد الله ومزنة مانحةً العلاقة المساحة الكافية للانكشاف.
تجعل الكاتبة من الحوار بين البطلين مباراة كلامية، تُبرز من خلالها العلاقة الشائكة والجدلية بين الرجل والمرأة، وكيف تؤثر صفاتهما في سير الحوار والأحداث، وتكشف في الوقت نفسه عن حيل وأساليب كل منهما في استمالة الآخر والتعبير عن مشاعره، وكيف يستعينان بأسلحتهما اللغوية التي لا يُشهرانها إلا إذا تطلَّب الأمر. ومع ذلك، لا تجعل من الانتصار في المباراة هو الفوز المنشود، بل تجعل من صدق المشاعر وعفوية الكلام أساسًا متينًا في العلاقة التي لا تُبنى على الكلام بقدر ما تُبنى على الصدق وصفاء السريرة.
ترسم لنا الكاتبة بين سطور الرواية انعكاس حالة الحب في نفسية مزنة؛ فبفضله شعرت مزنة بأنها امرأةً مضيئة، وازداد بريق عينيها لمعانًا وبشرتها نضارة وشعرها حيوية وضحكتها صفاءً. وتُعبِّر الكاتبة عن هذه الحالة في أحد المواضع حيث تقول: «كأنها لأول مرة تفتح عينيها، وتستنشق هواها، وتتلذذ بطعامها، وتستمتع بأماكنها. ولأول مرة تسمع صوت الأمواج، ويلامس بشرتها الهواء، وتسمع أغاني الحب وكأنها المرة الأولى لها، وتفهم معانيها وتسترسل بألحانها، بل إنما قلبها مَن يسمع.»
لكن تأثير الحب في نفسية مُزنة لم يقتصر على جانب البهجة فقط، بل كان للحيرة والشك والقلق والخوف والهواجس نصيبٌ أيضًا؛ وهو ما نلحظه في التوترات التي تمر بها العلاقة بينها وبين عبد الله، بخاصة في الشهور الأخيرة.
على الرغم من الحيرة والقلق اللذان يتسبب فيهما الحب؛ فحتى هذه المشاعر إيجابية هي الأخرى؛ فهي تُعبر عن إحساسنا بذواتنا وإحساس الآخرين بنا، وتؤكد حضورنا في الحياة، وتفاعلنا معها؛ لأن المقابل لذلك الحب، هو الصمت الذي يُشبه العدم، ويتضح هذا المعنى في وصف الكاتبة لحالة مُزنة عندما بدأ هذا الحب يتبدَّد رويدًا رويدًا: «بدأ النور بالانطفاء والشعلة بالانخماد والأمل بالتباطئ والاختفاء. بدأت مزنة تعود شيئًا فشيئًا للعالم الأول؛ عالمٌ بلا شغف بلا أمل بلا فرح، عالم بلا روح وبلا حب، عالم بلا قريب وبلا صديق وبلا أنيس، عالم يملأه القوة والجبروت والقسوة والتحديات».
لا يفوت الكاتبة أن تُسلط الضوء في ثنايا الرواية على جانبٍ من العادات والتقاليد المجتمعية، فنجدها تقول: «هو لا يعلم أن الجنون الذي أقدمت عليه، سيكون به هلاكها وهلاك من حولها، حديثها معه ومعرفتها به من المحرمات بمجتمع مزنة، بالرغم من العقول الواعية التي تعيش بأوساطها. ولكن لعنة المجتمع والعادات والتقاليد لا تسمح غالبًا بجنون الحب ولا تصدق به. سيكثر الأعداء ويزداد الصيادون وتُنهش الضحية بلا رحمة. أما إذا استبدلناها بالوعي، فلعنة الوعي أيضًا ستلاحقها وتدمرها شيئًا فشيئًا وسط مجتمعٍ لا يعرف أن الوعي تحرُّر نفسي قبل التحرر العقلي.»
تندرج رواية سيناريوهات ضمن الأدب النسوي؛ فهي من ناحية رواية كُتبت بقلمٍ نسائي، ومن ناحية أخرى رواية تُعبِّر عن حالات المرأة في علاقتها بالرجل. وقد استطاعت الكاتبة مشاعل عبد الله أن تستفيد من التراث السردي النسوي، وأن توظِّف تقنياته المتعددة في الرواية. ونلاحظ في الرواية أيضًا نَفَس الكاتبة الشهرزادي، ولعل موضوع الرواية وهو العلاقة بين الرجل والمرأة خير مُعبِّر عن هذا النَّفَس الذي يعكس شكلًا من أشكال العلاقة بين سيدة الحكاءات شهرزاد وسيد الذكور شهريار.
لا تفوِّت قراءة: قراءة في رواية «في قلبي أنثى عبرية»
الماضي انتهى بكل خياراته وقرارته، وقدَّر الله وما شاء فعل.
سيناريوهات، مشاعل عبد الله
- لغة شاعرية وترجمة أمينة لإيقاع النصّ.
- ربط رشيق بين الفلسفة والسِّيَر الشخصية.
- فصول قصيرة تصلح للقراءة المتقطّعة.
- تكرار بعض الأفكار في الثلث الأخير.
- يفترض إلماماً مسبقاً ببعض الأسماء الفلسفية.
