سماوي Samawy Blog
الرئيسيةمقالات
لماذا يختلف شعرنا العربي الحديث عن شعرنا القديم؟
مقالات

لماذا يختلف شعرنا العربي الحديث عن شعرنا القديم؟

لماذا يبدو الشعر العربي الحديث غريبًا عن تراثنا؟ اكتشف سر اختلافه: موسيقى، أم رؤية، أم أسطورة؟ مقال يغوص في بنية الحداثة الشعرية

ن
نور عباس · كاتب/ة
20 August 2025 · 6 دقائق قراءة · 0 مشاهدة

لا شك في أنَّ الشعر العربي الحديث ينزاح انزياحًا هائلًا عن الشعر العربي القديم، بل إنَّ قارئ هذا الشعر يستشف بسهولة تمايزه عن النسق الشعري الكلاسيكي بخصوصيته البنيوية والجمالية، فمسألة التمايز هذه تُدرَك بعفوية وتلقائية، ولا سيما عند القارئ العربي، الذي شكَّل النص الشعري الكلاسيكي جزءًا لا يُستهان به من ذاكرته اللغوية عمومًا والشعرية خصوصًا.

وفي ضوء هذا التمايز المحسوس والمُدرَك، سنطرح سؤالين محوريين، ونتوخى الإجابة عنهما في مقالنا هذا، ألا وهما:

  • ما العنصر البنيوي المركزي الذي منح الشعر العربي الحديث تمايزه وتفرده؟
  • ما تفسيرات انزياح الشعر العربي الحديث عن الشعر الكلاسيكي؟

الشعر العربي الحديث: سؤال التفرد

يتكوَّن النص الشعري من عناصر بنيوية عدَّة، تتضافر بعضها وبعض، لتشكِّل بنيته الكلية ذات الطبيعة المتفردة، فما هو العنصر البنيوي المحوري الذي منح النص الشعري الحداثي خصوصيته وتمايزه عن النص الشعري الكلاسيكي؟

قدَّمتْ دراسات النقد العربي الحديث إجابات مختلفة عن هوية هذا العنصر، وفيما يلي سنعمل على استعراض هذه الإجابات، الناجمة عن اشتغال نقدي جاد، يسعى لفهم مكونات الحداثة الشعرية العربية.

العنصر الموسيقي

يذهب عدد كبير من النقاد إلى أنَّ العنصر الجوهري المانح للنص الشعري الحديث هويته المتفردة هو العنصر الموسيقي، فالشعر الحديث تمرد على الموسيقى الشعرية الكلاسيكية المتمثلة بالعَروض، والتي لا تتلاءم في رأيهم مع الذوق العربي من جهة والانفعال الشعري من جهة ثانية، وهذا التمرد هو الأكبر، والأهم، والمعطي للحداثة الشعرية ميزتها الأساسية.

فميزة الحداثة تكمن في المستوى الموسيقي من النص الشعري، فالتحديث الموسيقي أتاح للشاعر التخلص من القيود التي تمنعه من التعبير عن تجربته الشعرية الجديدة وواقعه المعاصر، تعبيرًا حيًّا ينبض بالحرية والجمال الفني.

وبما أنَّ العنصر الموسيقي -وفق رأي هذا الاتجاه- هو العنصر المركزي في الحداثة الشعرية، فلا عجب أن تتوالى الدراسات المهتمة بكيفيات بنائه، ودوره في سياق النص الشعري بكليته، والصيغة النهائية التي قد يصل إليها، فربط الحداثة الشعرية بالعنصر الموسيقي أفضى إلى دراسات نقدية عدَّة متمحورة حول اكتناه مضمرات هذا العنصر.

العنصر الأسطوري

يرى فريق من النقاد أنَّ حضور الأسطورة في الشعر العربي الحديث منحه تفرده وتميزه عن الشعر العربي الكلاسيكي، بل إنَّ هذا الحضور خرج به من نطاقه الضيق إلى نطاق أوسع، وأشمل، وأقرب إلى الكونية. زد على ذلك، أنَّ تموضع الأسطورة في بنية الشعر العربي الحديث أضفى عليه طابعًا حيويًّا ودراميًّا، وهذا ما قد لا نجده في السياق الشعري العربي الكلاسيكي، الذي يخفت فيه الطابع الأسطوري.

ويبدو أنَّ الأسطورة المركزية الحاضرة في بنية الشعر العربي الحديث هي أسطورة «الموت والانبعاث»، إذ بدت وكأنَّها المحور الذي يتمحور حوله شعر الحداثة في علاقته بالواقع الاجتماعي والحضاري العربي المعاصر. وبالتالي، فإنَّ الحديث عن الأسطورة في الشعر العربي الحديث ليس سوى حديث عن أسطورة «الموت والانبعاث».

اقرأ أيضًا: لقد تم حظرك وجدلية اختزال العالم

العنصر التصويري

يرى أصحاب هذا الاتجاه أنَّ آلية تكوين الصورة في شعر الحداثة هي ما مايزه عن الشعر العربي الكلاسيكي، وتتسم الصورة في شعر الحداثة أنها تنهض على مقولة الخلق لا المحاكاة، وأنها تخلَّت عن الوظيفة الشارحة، التي كانت تقوم بها في الشعر العربي الكلاسيكي، وأضحت وسيلةً للتعبير عن العلاقة المُتشابكة بين الأنا والآخر من جهة والداخل والخارج من جهة ثانية، وأنها متلاحمة مع العناصر البنيوية الأخرى، إذ لا تنفصل عن اللغة، والأسلوب، والإيقاع، وما إلى ذلك من عناصر.

العنصر الرؤيوي

يذهب هذا الفريق إلى أنَّ ما يميز شعر الحداثة هو الرؤية التي يحملها، لا التشكيلات البنيوية المُشتمل عليها، فهو حامل رؤية جديدة، مختلفة عن الرؤية التي يحملها الشعر الكلاسيكي، ما أفضى إلى تميزه منه وانزياحه عنه.

واختلف النقاد حول طبيعة الرؤية التي يحملها الشعر العربي الحديث؛ فأصحاب مجلة «شعر» يذهبون إلى أنَّها رؤية ذات طبيعة ميتافيزيقية، في حين يرى النقاد الواقعيون أنَّها رؤية ذات طبيعة اجتماعية ثورية.

تعليق نقدي

من خلال وقوفنا على الاتجاهات النقدية التي حاولت الوصول إلى ماهية العنصر البنيوي الجوهري في الحداثة الشعرية، نجد أنَّ كلًّا منها يركز على عنصر بنيوي جزئي، مهملًا العناصر البنيوية الأخرى؛ فهي مذاهب لم تنظر إلى الحداثة نظرة بانورامية كلية، بل نظرت إليها نظرة جزئية انتقائية.

ونحن نرى أنَّ ما منح الحداثة الشعرية العربية طابعها المتفرد والخاص هو تضافر عناصر بنيوية عدَّة؛ موسيقية، وأسطورية، وتصويرية، ورؤيوية. فالحداثة حالة كلية، تبلورت من تعالق عناصر بنيوية خاصة، لا من إحداث تحول جوهري في عنصر بنيوي محدد.

وإنَّ هذه الاتجاهات النقدية -في وقوفها على تحولات الشعر العربي الحديث- تنظر إليه على أنَّه نقلة هائلة وكلية من الشعر العربي الكلاسيكي، متجاهلة مرحلة شعرية مهمَّة، ألا وهي مرحلة الشعر الرومانسي، التي حدثت فيها تحولات جزئية في بنية القصيدة العربية، وأفضت بعد ذلك إلى التحول الهائل في شعر الحداثة.

أسباب اختلاف الشعر العربي الحديث عن الشعر الكلاسيكي

لعلَّ السؤال المحوري الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: ما أسباب نشأة الحداثة الشعرية العربية؟

حاول النقد العربي الحديث تقديم تفسيرات مختلفة عن نشأة الشعر العربي الحديث، المنزاح عن الشعر العربي الكلاسيكي، ومن أبرز هذه التفسيرات:

التفسير التأثري التثاقفي

يذهب أصحاب هذا التفسير إلى أنَّ الحداثة الشعرية العربية تبلورت بسبب المثاقفة مع الغرب الأوروبي، فقد تأثر الشعراء العرب الحداثيون بالشعر الأوروبي ونسجوا على منواله، ومن أبرز من تأثروا به «إليوت»، إذ يذهب الناقد «أسعد رزوق» إلى أنَّ المثال الإليوتي كان منهجًا احتذى حذوه الكثيرون من شعرائنا، وتأثروا به، وساروا على منواله.أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ

ومما يُوخذ على هذا التفسير، أنَّ أصحابه نظروا إلى الحداثة الشعرية نظرة خارجية تأثرية، من دون أن يهتموا بوعي العناصر البنيوية الداخلية، التي دفعت الشعراء العرب للتأثر بالشعر الغربي الأوروبي والنسج على منواله البنيوي والموضوعاتي.

التفسير الاجتماعي

يذهب فريق آخر من النقاد إلى أنَّ الحداثة الشعرية العربية تبلورت بسبب حدوث تحولات جوهرية في بنية المجتمع العربي، فهي في خصوصيتها البنيوية انعكاس رمزي وجمالي للتحولات التي أصابت عمق المجتمع العربي.

ويذهب أصحاب هذا الفريق إلى أنَّ التأثر بالغرب الأوروبي شعريًّا لم يكن تأثرًا اعتباطيًّا، إنما هو بسبب الحاجات الاجتماعية التي تفرض هذا التأثر، ويؤكد هذا الطرح الدكتور فؤاد المرعي، إذ يقول: «إنَّ التأثر بالغرب لم يكن سببًا للتغيرات التي طرأت على شعرنا العربي الحديث، بقدر ما كان نتيجة التطورات الاجتماعية».

التفسير النفسي

يربط أصحاب هذا الفريق بين التحولات النفسية والذوقية التي أصابت العرب وتبلور شعر الحداثة. وبالتالي، يغدو الشعر العربي الحديث التعبير الأمثل عن بنية النفسية العربية المعاصرة وخصوصية الذوق العربي الجديد.

ومن أصحاب هذا التفسير «محمد النويهي» الذي يذهب إلى أنَّ التناظر الذي يتسم به الشعر العربي التقليدي لم يعد يتلاءم مع الطبيعة النفسية والذوقية المعاصرة. وكي يؤكد ما يذهب إليه، يعقد مقارنة بين الطفل والإنسان البدائي من جهة، والإنسان المتحضر والناضج من جهة ثانية، فيرى أنَّ الإنسان البدائي والطفل لا يعجبهما سوى الحادُّ والفاقع والعنيف من الألوان والروائح والأنغام، في حين أنَّ الإنسان الناضج يميل إلى الألوان الخافتة، والروائح الخفيفة التي لا تُشم إلا هونًا، والأنغام الرقيقة التي تحتاج إلى ذكاء وإرهاف سمع حتى تُلتقط وتُتابع.

لا تفوت قراءة: شباب المؤلفين ودور النشر

تعليق نقدي

إنَّ الاختلاف في تفسيرات نشأة الحداثة الشعرية لا يعني القطيعة بينها، فالنقد العربي الحديث يرى أنَّ ثمة ضرورة لتبلور الحداثة الشعرية في المجتمع، بصرف النظر إن كان تبلورها ناجمًا عن التأثر بالغرب الأوروبي أو التحولات البنيوية الاجتماعية أو التبدلات التي طالت الذوق العربي.

وختامًا نقول إن النقد العربي الحديث قد أنتج معرفة نقدية بالحداثة الشعرية، لا يمكن التقليل من أهميتها بحال من الأحوال، فهي معرفة حاولت وعي ظاهرة الحداثة بتعقيداتها وتراكب عناصرها المُكوِّنة، وتقريبها من فهم القارئ العربي. ولا ندَّعي أنَّ النقد قال كلمته الفصل بشأن الحداثة الشعرية، فليس ثمة كلمة فصل في الفن عمومًا والأدب خصوصًا، فهو مفتوح دومًا على محاولات نقدية جديدة تسعى لاكتناه بنيته وتفسيرها.

أعجبك المقال؟ شاركه: تويتر فيسبوك واتساب نسخ الرابط
ن
نور عباس
كاتب/ة في مدوّنة سماوي

مقالات أخرى لـ نور عباس

مقالات ذات صلة

أضف تعليقًا