سماوي Samawy Blog
الرئيسية › مقالات
خصوصية المعنى في الرواية
مقالات

خصوصية المعنى في الرواية

يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش: «وكتبتُ؛ من يكتبْ حكايَتَهُ يرثْ أرضَ الكلامِ … ويملكِ المعنى تمَامَا» تنهض أي رواية في أساسها على عناصر سردية عدَّة، مثل: الشخصيات، والأحداث، والزمان، والمكان،…

ن
نور عباس · كاتب/ة
2 September 2025 · 8 دقائق قراءة · 0 مشاهدة

يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش:

«وكتبتُ؛ من يكتبْ حكايَتَهُ يرثْ أرضَ الكلامِ … ويملكِ المعنى تمَامَا»

تنهض أي رواية في أساسها على عناصر سردية عدَّة، مثل: الشخصيات، والأحداث، والزمان، والمكان، والحبكة، والصراع. فبمجرد كتابة نص سردي طويل يحتوي على هذه العناصر يكون الكاتب قد بلور رواية ما، بيد أنَّ السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، هو: هل كتابة نص سردي يحتوي على العناصر الروائية السيُقَال إنه في تعداد أشهر الشخصيات التاريخية في أوروبا يحتلُّ المسيح عيسى –عليه السلام- المركز الأول، وهو أمر مفهوم إذ المسيحية هي الدين الذي هيمن ألفَي سنة على تلك البلاد، ولكن يتفاجأ المرء أنَّ المركز الثاني يحتلُّه «هاملت»، بطل مسرحية شكسبير المسمَّاة على اسمه؛ تلك الشخصية التي صنعها أديب وطرح بها الكون الروائي العديدَ من الأسئلة الشخصية والاجتماعية والوجودية، فامتدَّ أثرها خارج عالم الرواية، وبلغت شهرته وشهرة مأساته العالم الواقعي، فهي لا محالة أثرت في أجيال طويلة ليس فقط من الكتاب الأوروبيين، وإنما من القراء أيضًا. وهو ما يجعل الانفصال الكامل بين الواقع والخيال، بين العالم وبين الرواية، لم يعد ممكنًا، فلكلٍّ من العالمَين مدخله إلى العالم الثاني. فما الذي يمنح الرواية هذه السطوة على عالم الناس؟ردية أمر كافٍ لخلق رواية حقيقية وناجحة وخالدة؟

بالطبع، لا. فلكي تنتقل الرواية من سياق السرد النمطي إلى سياق السرد الحقيقي، القادر على الوقوف في وجه الزمن، لا بدَّ من أن تشتمل على عنصرين مركزيين، لا ينفصلان أحدهما عن الآخر، ألا وهما: المعنى والبناء الفني الجمالي.

وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أنَّ فصلنا للمعنى عن البناء الفني الجمالي هو فصل إجرائي لا أكثر، فعلى صعيد البناء الروائي لا ينفصل البناء الفني عن المعنى، بل إنَّ السياق المعنوي الذي تنهض عليه الرواية يظهر من خلال السياق الفني الجمالي.

ماهية المعنى

تتعدد تعاريف «المعنى» وتتباين، ويمكن الذهاب إلى أنَّ أبسط تعريف للمعنى هو: الفكرة المركزية التي ينهض عليها نص ما. فالنص يحتوي على العديد من الأفكار المتنوعة والمتمايزة، بيد أنَّ الفكرة الجوهرية الجامعة لهذه الأفكار المختلفة هي ما نطلق عليه مصطلح «المعنى».

والرواية: سرد قصصي فني، ينطوي على فكرة مركزية، تظهر من خلال الأدوات السردية التي يستخدمها الروائي. فالروائي لا يبني روايته من خلال عناصر سردية شكلية محضة، بل إنَّ هذه العناصر لا بدَّ من أن تحيل إلى دلالة معنوية ما، وهذا ما يميز النص الروائي عن النصوص الاجتماعية والتاريخية والفلسفية. فالنصوص الأخيرة تقدم المعنى تقديمًا مباشرًا من دون استخدام أية تقنيات سردية وأسلوبية جمالية، في حين أنَّ الرواية تنقل الفكرة جماليًّا، أي باستخدام تقنيات فنية جمالية، تُلمِّح من خلالها للفكرة ولا يُصرَّح بها، ما يضمن تـأثيرًا هائلًا في المتلقي، إذ لطالما كان المضمر وغير المصرح به أكثر فاعلية تأثيرية من المباشر والمصرَّح به، كما أنَّ معرفة معاناة أحدهم تختلف عن اختبار معاناته شعوريًّا عبر التعاطف، وإدراك تناقض فكرتين ليس كمثل معايشة مشهدين يبرز فيهما هذا التناقض بكل قبحه، فالرواية لا تُملِي عليك الفكرة، وإنما تُشهِدك عليها لتعايشها تعاطفًا، وذلك لا ريبَ أبلغ أثرًا.

أنماط المعنى في الرواية

تتعدد أنماط المعنى في الرواية وتتباين، فكلُّ رواية تتمحور حول سياق معنوي محدد، بل قد نجد روايتين تشتركان في معنى واحد، بيد أنَّ ما يميز إحداهما عن الأخرى هو آلية عرض المعنى وخلقه فنيًّا من خلال الرواية، فاشتمال أكثر من رواية على معنى مركزي لا يلغي الفروق الجوهرية بينهما، والمتمحورة حول السياقات الجمالية الفنية التي يظهر من خلالها المعنى ويتبلور.

وفيما يلي سنعرض أبرز أنواع المعاني الحاضرة في الفن الروائي، وهي كالتالي:

المعنى الأخلاقي

تناقش الروايات -عادةً- المعضلات الأخلاقية في المجتمع، مثل: الصراع بين الخير والشر، والحرب، والقتل الرحيم، والانتقام، والعدالة، وما إلى ذلك من قضايا. فنكون أمام رواية حاملة قيمة معنوية أخلاقية. ومن أشهر الروايات العربية المتمحورة حول المعنى الأخلاقي: «أرض النفاق» ليوسف السباعي، و«اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، إذ تهتم هذه الرواية بقضية الانتقام وتحقيق العدالة، ومن الروايات الغربية المناقشة للمعنى الأخلاقي رواية: «Me Before You» التي تطرح من خلالها «جوجو مويز» قضية القتل الرحيم.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنَّ المعنى الأخلاقي الحاضر في الرواية يكون -غالبًا- مستمدًّا من التصورات المهيمنة في المجتمع، فالروائي لا يستمد قضاياه المعنوية من محض خياله وتفكيره، بل إنَّ القضايا المعنوية الأخلاقية الحاضرة في الرواية هي انعكاس جمالي رمزي للقضايا المعنوية الأخلاقية الحاضرة ضمن البنية الاجتماعية.

المعنى الاجتماعي

تظهر في الرواية -غالبًا- قضايا لها معنى اجتماعي، مثل: الصراع الطبقي، والهوية، والتمييز على أساس العرق أو الدين أو النوع. ومن أشهر الروايات التي تعرض الصراع الطبقي رائعة «تشارلز ديكنز» الخالدة «قصة مدينتين»، في حين تناقش «الطنطورية» للكاتبة رضوى عاشور قضية الهوية والهجرة واللجوء في فلسطين ولبنان، أما عن التمييز على أساس العرق، فالأدب الأمريكي مليء بمثل تلك الروايات، وأشهرها رواية «هاربر لي» بعنوان «To Kill a Mockingbird»، وفي قضايا المرأة باختلافها نجد الكثير من الروايات، مثل: «أريد رجلًا» لنور عبد المجيد، و«أنا حرة» لإحسان عبد القدوس.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذه المعاني الاجتماعية تُعرض بآلية غير مباشرة، من خلال خصوصية الشخصيات، والحوار، والأحداث، والحبكة، فالمعنى الاجتماعي في الرواية لا يتموضع تموضعًا مباشرًا منفصلًا عن العناصر البنيوية الحاضرة فيها.

ويُسهم عرض المعنى الاجتماعي بآلية سردية فنية خاصة في تغيير مسار تلك القضايا أو الحد من الضرر الواقع بسببها، فالرواية لا تعرض المعنى الاجتماعي من دون أن يكون لها أي هدف، بل هي تهدف من وراء هذا العرض إلى إحداث تحول ما في المجتمع.

المعنى الوجودي

لا تسكت الرواية عن أعماق الذات الإنسانية، إذ تبحث أيضًا في داخل النفس البشرية، بما تنطوي عليه من سلوكيات وأفكار ورؤى، فنكون أمام معنى وجودي تعرضه الرواية فنيًّا وسرديًّا، ومن الروايات التي تعرض هذا النوع من المعنى: رواية «الغريب» للروائي «ألبير كامو»، ورواية «الخيميائي» للروائي «باولو كويلو»، ورواية «الجريمة والعقاب» للروائي الروسي «دستويفسكي»، وكذلك رواية 1984 لـ«جورج أورويل» ورائعة نجيب محفوظ «الحرافيش» التي تناقش فلسفة الحكم بلمحة وجودية.

لا تفوت قراءة: لماذا يختلف شعرنا العربي الحديث عن شعرنا القديم؟

كيف نبلور المعنى في الرواية

إنَّ الرواية التي تستحق الخلود هي الرواية المحمَّلة بمعنى عميق يظهر من خلال البناء الأسلوبي السردي؛ فالروايات التي ما زالت حاضرة حتى يومنا هذا، ومؤثرة في كلِّ من يقرؤها هي روايات لا تنفصل فيها القيمة الفنية الجمالية عن القيمة المعنوية، ولتكتب رواية من هذا النمط لا بدَّ من أن ننبهك للآتي:

  • افهم المجتمع جيدًا، فالروائي العظيم هو في الأساس عالم اجتماع عظيم، قادر على قراءة بنية المجتمع واكتشاف إشكالياته، فليس من الممكن كتابة رواية والتوجه بها نحو جمهور القرَّاء من دون فهم هذا الجمهور وقضاياه الإشكالية وتضمينها في الرواية.
  • افهم الذات البشرية ومكنوناتها، فالرواية المهمَّة لا تلامس القضايا الاجتماعية فحسب، بل تلامس أيضًا أعماق البنية النفسية للذات الإنسانية، وتشرِّحها، وتبين تفاصيلها، فيغدو عمل الروائي موازيًا لعمل المحلل النفسي، بيد أنَّ الروائي يشرِّح البنية النفسية لمجتمع بكامله، وهذا خلاف عمل المحلل النفسي المهتم بالحالات الفردية فحسب. وليس مصادفة أن يقول المحلل النفسي سيجموند فرويد إنه وجد العديد من أفكاره وتحليلاته النفسية قد سبقه إليها دستويفسكي في أعماله الروائية.
  • لا تهمل الجماليات، إنَّ المعنى في الرواية عنصر مهم، لكن لا تهتم بالمعنى على حساب جماليات الرواية وطاقتها الفنية، فالقارئ محتاج لجرعة جمالية فنية، تتلاحم من خلالها قضاياه الإشكالية الظاهرة في الرواية.
  • لا تهمل القيمة الفكرية المعنوية، بل حاول الموازنة بين الجماليات السردية وفكرة الرواية ومضمونها، واعرف متى تصبُّ تركيزك على الجماليات، ومتى تصب تركيزك على الفكرة ضمن الرواية.

ضع في حسبانك تباين مستويات القرَّاء، فالرواية موجهة لجمهور كبير، تتباين مستوياته الثقافية واحتياجاته الجمالية، وبالتالي، فإنَّ الرواية المهمَّة والمنتشرة هي تلك الرواية التي يستطيع الجمهور بمختلف مستوياته التفاعل معها وإشباع احتياجاته، بل يمكن أن نقول: إنَّ هذه الرواية تندرج ضمن «السهل الممتنع»، فيشعر القارئ أنَّها رواية بسيطة وسهلة، لكن للحصول عليها وبلورة رواية توازيها لا بدَّ من جهد كبير.

في فوائد الرواية الحاملة قيمة معنوية

كنا ندعوك في الصفحات السابقة إلى كتابة رواية لا ينفصل فيها الجانب الفكري عن الجانب الفني الجمالي. وبالتالي يحق لك السؤال عن فوائد هذه الرواية، وفيما يلي سنجمل لك الفوائد الممكنة لها:

  • الفائدة الاجتماعية: إنَّ ملامسة الرواية لقضايا معنوية مهمَّة في المجتمع، سينعكس لا محالة في البنى الذهنية الاجتماعية، فالمضمون الحاضر في الرواية يتحاور مع المتلقي ويؤثر في آليات تفكيره ورؤيته -ولا سيما أنَّه مضمون غير مصرح به بآلية مباشرة، كما أنَّه مضمون شعوريٌّ حي، وليس نظريًّا باردًا- فيخلق وعيًا جديدًا عند جمهور القرَّاء ينعكس في خصوصية المجتمع وآليات معالجته للقضايا.
  • الفائدة النفسية: إنَّ تحميل روايتك تشريحًا للنفس الإنسانية، سيسهم بشكل من الأشكال في وعي القارئ لذاته، فتقدم له فائدة نفسية وتجعله يفهم نفسه أكثر.

الفائدة الذاتية: إنَّ كتابتك رواية خالدة تجمع المضمون مع الحساسية الفنية المتميزة ستضمن لك خلود روايتك، فالروايات الخالدة على مرِّ التاريخ هي الروايات التي كانت من هذا النمط.

وتذكَّر دائمًا أنَّ الروايات الخالدة قد تكون سابقة لعصرها، لذا لا تجد الشهرة الواسعة في بداية نشرها، لكنَّ العمل ذا المستوى الفنِّي العالي دائمًا ما يجد طريقه إلى الخلود في آخر المطاف. فلا تيأس؛ فكم من روايات مُنعت وهُمشت، وهي الآن من أشهر الروايات وأكثرها قدرة على تحليل البنى الاجتماعية والنفس الإنسانية.

وختامًا، إنَّ مجتمعنا المعاصر بإشكالياته المركبة هو بأمسِّ الحاجة لأدب روائي جديد، قادر على فهمه وتشريح بناه العميقة وتوضيحها من خلال بناء نصي روائي؛ محمل بقيم فكرية ومعنوية، ولا يهمل البناء الفني الجمالي، لذا حان الوقت لكتابة رواية المجتمع، رواية تؤرخ له اجتماعيًّا ونفسيًّا، وتنقد بناه، وتبرز تطلعاته المستقبلية، هذه الرواية الجامعة بين القيمة المعنوية والجمالية هي ما سيخلده التاريخ إلى جانب الروايات العُظمى التي لا يمكن تهميشها من ذاكرة الإنسانية.

وعزيزي الكاتب، إن لم تستطع كتابتها في مسودتك الأولى، فلا بأس! يمكنك التعديل أكثر من مرة حتى تصل إلى هذه الرواية، وإذا لم تستطع كتابتها في أول رواية لك فيمكنك أن تكتب الثانية والثالثة، أن تحفظ طرفًا من ذاكرة مجتمع على وشك الانمحاء، أو تحلل جانبًا منه لم يلمحه سواك، أو تلتقط اختلاجة في وجه طفل وكيف انفعل بها أهله، أو تخاطب مخاوف جيل لم يجد من يبثُّ مخاوفه، ولكن اكتب، مهما كان المعنى الجدير بالكتابة فاكتبه، لعلَّ من بين هذه المعاني ما ستخلِّده ويخلِّدك، تخلِّده أثرًا من آداب الإنسانية، ويخلِّدك كاتبًا عظيمًا.

أعجبك المقال؟ شاركه: تويتر فيسبوك واتساب نسخ الرابط
ن
نور عباس
كاتب/ة في مدوّنة سماوي

مقالات أخرى لـ نور عباس

مقالات ذات صلة

أضف تعليقًا