سماوي Samawy Blog
الرئيسيةمقالات
الأنواع السردية الكلاسيكية: من الحضور إلى الغياب
مقالات

الأنواع السردية الكلاسيكية: من الحضور إلى الغياب

اكتشف رحلة الأنواع السردية الكلاسيكية من التألق إلى الغياب، وأسرار اختفائها عن الأدب العربي المعاصر

ن
نور عباس · كاتب/ة
10 September 2025 · 9 دقائق قراءة · 0 مشاهدة

لا نكاد نجانب الحقيقة بشيء، إذا ما ذهبنا إلى أنَّ مراحل حياة الأنواع الأدبية توازي رمزيًّا مراحل حياة الكائن الحي، فهي محكومة بثلاث محطات مركزية: الانبثاق، والنضوج، والأفول.

والمُتتبع للأنواع السردية العربية الكلاسيكية، المتمثلة بالمقامة والسيرة الشعبية والمناظرة والخطابة والترسُّل، يلحظ أنَّها مرَّت بهذه المحطات، إذ برزت وتبلورت في سياق زماني محدد، ونضجت بعد ذلك، إلى أن وصلت إلى مرحلة الأفول النهائي، مفسحةً المجال لتبلور أنواع سردية جديدة.

وفي مقالنا هذا، سنقف عند الأنواع السردية الكلاسيكية في الأدب العربي، محاولين توضيح مفهوم كلِّ نوع منها، وبيان خصوصيته، لننتقل بعد ذلك إلى تفسير مُضمرات غيابها عن الساحة الأدبية المعاصرة.

المقامة

1. تعريف المقامة

نوع سردي عربي، ظهر في القرن الرابع الهجري واستمر حتى القرن التاسع عشر الميلادي، وتتميز المقامة بصفة عامة بعدة مميزات، كالتالي:

● تتمحور حول قصة حدثت في سياق زمني قصير، فالزمن الحكائي للمقامة ليس زمنًا امتداديًّا، بل هو زمن اختزالي ومكثف.
● تُحكى المقامة على لسان الراوي، الذي قد يكون -أحيانًا- من أبطال المقامة أو المشاركين في أحداثها.
● تتسم المقامة لغويًّا باستخدام البديع، فهو عنصر لغوي أسلوبي مركزي فيها.
● تبرز العقدة بروزًا واضحًا في فن المقامة، فهي قائمة في جوهرها على مأزق يقع فيه البطل.
● تحضر مقولة الكُدية (التسول) في المقامة حضورًا لافتًا، إذ تتمحور -غالبًا- حول شخصية المكدي، القادر على تحقيق ما يرغب به بدهائه وذكائه.
● تخلق المقامة -في الغالب- حالة كوميدية عند المتلقي، نابعة من خصوصية شخصية المكدي وسلوكياتها.

2. أنواع المقامة

يمكن تصنيف المقامة وفق الأنواع الآتية:

1. المقامة العربية

وهي المقامة التي ظهرت في العصر العباسي، ومن أشهر كتَّابها في تلك الفترة:

● بديع الزمان الهمذاني: إذ يُعد الهمذاني مؤسس هذا النوع الأدبي.
● أبو القاسم الحريري: وهو تلميذ الهمذاني.
● ابن الناقيا: وهو من المتأثرين بالهمذاني، إذ حاول نسج مقاماته على منوال مقامات الهمذاني.
● الزمخشري: وهو من كتَّاب المقامات التي كان يغلب عليها طابع النصح والإرشاد، إذ كتب خمسين مقامة في هذا الموضوع.
● ابن الجوزي: وهو من كتَّاب المقامات ذات الطابع الصوفي.
● أبو العلاء الرازي الحنفي: وهو من المتأثرين بالهمذاني والحريري، إذ أخذ من الهمذاني الإيجاز في المقامة، في حين أخذ من الحريري الاعتدال الأسلوبي.

2. المقامات الأندلسية

تأثر الأدب الأندلسي بالأدب المشرقي، بل إنَّ العديد من الأنواع السردية التي ظهرت في المشرق -ومن بينها المقامة- انتقلت إلى الأدب الأندلسي، وهذا الانتقال لم يكن انتقالًا مباشرًا ومحضًا، بل أسبغ الأندلسيون على المقامات طابعهم الخاص.

ومن أبرز ما يميز المقامات الأندلسية عن المقامات المشرقية الابتعاد عن الإيجاز، والميل نحو الإطناب والإسهاب، إضافة إلى حذف الراوي، إذ لا نكاد نجد حضورًا للراوي في المقامات الأندلسية، ومن رواد هذا الفن السردي في الأندلس: أبو حفص بن شهيد، وأبو مطرف عبد الرحمن بن فتوح.

3. المقامات العربية الحديثة

استمر حضور فن المقامة في الثقافة العربية حتى القرن التاسع عشر الميلادي، ومن أبرز روادها في العصر الحديث أحمد فارس الشدياق الذي كتب المقامات بروح العصر وخصوصيته.

السيرة الشعبية

1. مفهوم السيرة الشعبية

السيرة الشعبية هي نوع سردي عربي، له خصوصيته وتميزه عن باقي الأنواع السردية، يتمحور في جوهره حول حياة فرد بطل، له أهمية مركزية واعتبارية، إذ يُعدُّ موجهًا للأحداث الكبرى في عصره، وتتميز السيرة الشعبية بنيويًّا بعدة أمور:

● التراسل مع الأنواع الأدبية الأخرى: إنَّ السيرة نوع سردي، يتراسل مع الأنواع الأدبية الأخرى، إذ نجد في المتن الحكائي للسيرة: الشعر، والحكم، والتاريخ، والرسائل، والخطابة، وما إلى ذلك من أنواع يتطلبها المتن الحكائي. بيد أنَّ وجود هذه الأنواع ضمن السيرة الشعبية هو وجود ثانوي؛ لا يلغي خصوصيتها النوعية والمتمايزة عن خصوصيات الأنواع الأدبية الأخرى.
● الشخصية المحورية: تحضر في السيرة الشعبية شخصية مركزية، يتمحور حولها المتن الحكائي، وتقابلها شخصيات أخرى ثانوية، تدخل معها في علاقة صدامية.
● الراوي: وهو عنصر جوهري في مختلف السير الشعبية، وظيفته كالتالي: نقل السيرة الشعبية حكائيًّا، تنظيم المشاهد ضمن المتن الحكائي، التحدث -أحيانًا- بلسان شخصيات السيرة، ونقل مجمل تصوراتهم وآرائهم.
● المؤلف: إنَّ مؤلف السيرة الشعبية هو مؤلف مجهول، إذ لا يُعرف كاتبها الأول، بل قد يكون كاتبًا جمعيًّا.

2. مجموعات السيرة الشعبية العربية

تندرج السير الشعبية العربية تحت ثلاث مجموعات:

● مجموعة الفروسية: تنتمي هذه المجموعة إلى العصر الجاهلي، فأبطالها جاهليون، ومن أشهر سِيرها: سيرة عنترة بن شداد، وسيرة الزير سالم، وسيرة حمزة البهلوان.
● المجموعة الإسلامية: ينتمي أبطال هذه المجموعة إلى المرحلة الإسلامية، ومن أشهر سير هذه المجموعة: سيرة علي بن أبي طالب، وسيرة الأميرة ذات الهمة، وسيرة الظاهر بيبرس.
● مجموعة الهجرات: تتميز هذه السير بوجود مقولة الهجرة في بنيتها، ومن أشهرها: سيرة تغريبة بني هلال.

اقرأ أيضًا: المثقفون الكبار يحكون عن قراءاتهم: مختارات من كتب سيرة القراءة

المناظرة

1. مفهوم المناظرة

ظهر فن المناظرة في العصر العباسي، وذلك يعود إلى توفر المناخ الملائم لتبلوره، فهو فن سردي يحتاج إلى نضوج عقلي كبير وبروز قضايا إشكالية مركزية تستدعي ظهوره. وقد عرَّف الآمدي المناظرة على أنَّها: تردد الكلام بين شخصين، يقصد كلٌّ منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه، مع رغبتهما في ظهور الحق.

بناء على هذا التعريف فإنَّ المناظرة تتمحور حول التالي:

● تكون المناظرة بين شخصين أو جانبين مختلفين، فالاختلاف عنصر أساسي من عناصر المناظرة.
● لا بدَّ من أن تكون بحضور الجانبين ومحاورة أحدهما للآخر عن طريق الكلام، فيخرج بذلك ما قد يُطلق عليه مناظرةً على سبيل التجوز كالردود الكتابية ونحوها.
● أن يكون الهدف منها إظهار الحق والصواب.
أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ

2. أركان المناظرة

تنهض المناظرة على أركان ثلاثة:

1. موضوع مُختلَف فيه، تجري فيه المناظرة.
2. المدعي أو ناقل الخبرة، ويُسمى في المناظرة مانعًا أو معللًا.
3. المعترض عليه، ويُسمى في علم المناظرة مستدلًا أو سائلًا.

3. أنواع المناظرة

تندرج أية مناظرة تحت أحد الأنواع الآتية:

1. المناظرات الدينية

وهي المناظرات التي جرت بين أتباع الفرق الإسلامية المختلفة أو بين المسلمين وأهل الملل الأخرى، وازدهرت منذ العصر العباسي، ومنها:

● مناظرة الباقلاني لعلماء النصارى في القسطنطينية.
● مناظرة أبي الوليد الباجي الأندلسي لأحد الرهبان الفرنسيين.
● مناظرة فخر الدين الرازي لأحد علماء النصارى في خوارزم.
● مناظرات ابن تيمية للنصارى في مصر.

2. المناظرات اللغوية والأدبية

تبلور هذا النوع في القرن الثاني للهجرة، حيث جرت المناظرة بين سيبويه والكسائي حول النحو العربي، وقد سبقتها مناظرات عدة لكنها تظل المناظرة الأشهر في تاريخ النحو العربي، وتبعتها مناظرات أخرى، كتلك التي جرت بين سيبويه والأخفش أو بين الفرزدق وعبد الله بن إسحاق الحضرمي.

3. المناظرات السياسية

لم تقتصر المناظرات على الجانبين الديني واللغوي، إذ أخذ الجانب السياسي مكانًا كبيرًا في هذا الفن، ومن أشهر المناظرات السياسية: المناظرة بين عبد الله بن عباس والخوارج، والمناظرة بين معاوية بن أبي سفيان وابن الطُفيل.

وعرفت المكتبة التراثية العربية العديد من المصنفات في المناظرات، بعضها يسرد مناظرات أصحابها، وبعضها الآخر يتناول الأطر النظرية والخلقية لها.

ومن أمثلة النوع الأول: «مناظرات جرت في بلاد ما وراء النهر في الحكمة والخلاف بين الإمام فخر الدين الرازي وغيره» وهي منشورة، و«محاورة المهدي مع تيماتوس» المنشورة في مجلة كلية الآداب في جامعة القاهرة، و«الرسالة الناصرية» للإمام الزاهدي، وهي رسالة في مناظرة المسلمين للنصارى وذكر أسئلتهم. ومن أمثلة النوع الثاني المتمحورة حول الأطر النظرية للمناظرة، كتاب الإيضاح لقوانين الاصطلاح» لابن الجوزي.

فن الترسُّل

يُعدُّ الترسل من أبرز الأنواع السردية الحاضرة في التراث العربي، وهو في الدرجة الأولى ذو غايات تواصلية، إذ هنالك مقولة تواصلية محورية بين المُرسِل والمرسَل إليه. ويُقسم فن الترسل إلى قسمين، يتمايزان أحدهما عن الآخر أسلوبيًّا، وهما الرسائل الرسمية بين الحكَّام والوزراء والقائمين على أمر الدولة، والرسائل الشخصية بين الكتَّاب الممتلكين مهارات الترسل.

وللرسالة شكل معروف وبناء خاص، يتميز بالآتي:

● يتكلم فيها الكاتب باسمه الشخصي أو نيابة عن شخص آخر.
● يخاطب جهة معينة.
● تبتدئ الرسالة وتنتهي بتعابير، تختلف باختلاف الأشخاص الذين توجه إليهم.

وقد شهد فن الترسل تطورًا كبيرًا في العصر العباسي، إذ غدا من بين أهم الأنواع الكتابية النثرية، وذلك يعود في جوهره إلى تطور الفنون الأدبية والعلوم، والحاجة إلى التواصل، وازدهار الأوضاع الاجتماعية، واختلاط الثقافات، وغير هذا من الأسباب المُسهِمة في ازدهار هذا الفن السردي.

ومن أشهر الرسائل في الثقافة العربية: «رسالة السفاح» لعامر بن إسماعيل عندما قَطع رأس مروان في مصر ووضعه في أحضان ابنته، و«رسالة يحيى البرمكي إلى الرشيد» عندما أسره، و«رسالة ابن السمَّاك إلى الرشيد» يعزي بابن له.

لا تفوت قراءة: تقنية الحبر الإلكتروني: جنَّة القُرَّاء المُتنقِّلة

الخطابة

أما الخطابة فنوع من أنواع الفنون السردية تنهض على اتباع آليات إقناعية محددة، للتأثير في الجمهور. وقد ظهرت الخطابة في العصر الجاهلي، ومن خطباء ذلك العصر: قس بن ساعدة الإيادي، وخارجة بن سنان خطيب داحس والغبراء، وخويلد بن عمرو الغطفاني خطيب يوم الفجار، وأكثم بن صيفي.

وبطلوع فجر الإسلام، نشطت الخطابة واشتدت الحاجة إليها؛ إذ كان للخطابة الأثر البالغ في مختلف مراحل تطور الدعوة، فقد وُظفت لاستنهاض الهمم للدفاع عن الدين ضد الكائدين والمتربصين به، كما استُخدمت لتبليغ أحكامه وتعاليمه للمسلمين.

وبلغت الخطابة أوج تطورها في العصر العباسي، وقد كان لظهور الفرق الكلامية -خصوصًا المعتزلة- أكبر الأثر في ازدياد رونق الخطابة، ولم يكتفِ العرب في ذلك العصر بما توفر لديهم من تجارب في الخطابة، بل ترجموا ما كان عند غيرهم من آداب الخطابة وفنونها إلى العربية، ومن الكتب المهمَّة التي ترجمت في هذا العصر كتاب «الخطابة» لأرسطو الذي ترجمه إسحاق بن حنين، وعلق عليه الفارابي.

غياب الأنواع السردية الكلاسيكية عن الساحة الأدبية المعاصرة

إنَّ الأنواع السردية الكلاسيكية تغيب عن الساحة الأدبية العربية المعاصرة، وهذا الغياب قد يكون غيابًا مطلقًا وكليًّا، إذ لا نجد لها أي أثر، كما جرى في حالة المقامات.

وقد يكون غيابًا جزئيًّا، فتحضر بعض الأنماط السردية حضورًا خافتًا، إذ لا نكاد نجدها بصورة واضحة، كما في أدب الترسل والمناظرة. ورأينا أنَّ هذا الغياب يمكن تفسيره بما يلي:

1. انحسار التقاليد الشفهية

تتميز بعض الأنماط السردية الكلاسيكية -ولا سيما الخطابة والمناظرة- بحضور الطابع الشفهي فيها، فهي تنهض في أساسها على التفاعل المباشر والشفهي بين المرسِل والمرسَل إليه. وقد تعرضت الحضارة العربية لتحول مهم في العصر الحديث.

إذ انتقلت من مرحلة يحضر فيها الطابع الشفهي حضورًا قويًّا إلى مرحلة يخفت فيها هذا الطابع، ما أفضى في وجه من وجوهه إلى خفوت الأنماط السردية الكلاسيكية المعتمدة في جانب كبير منها على الشفهية.

2. التأثر بالآداب العالمية

يتسم السياق الأدبي المعاصر بتأثره الكبير بالأنماط السردية الغربية، وهذا التأثر -النابع في جوهره في رأينا من حاجة السياق العربي لأنماط جديدة تلبي احتياجاته- أدى إلى تهميش أنماط سردية كلاسيكية على حساب أنماط جديدة.

3. حدوث تحولات في بنية المجتمع العربي

إنَّ الأنواع الأدبية الحاضرة في مجتمع ما ضمن مرحلة زمنية محددة نابعة من خصوصية المرحلة من جهة، وقدرتها على تلبية الاحتياجات الجمالية والفكرية للمجتمع من جهة ثانية.

وبالتالي، إنَّ أي تحول جذري في المجتمع سيؤدي لا محالة إلى تحول في الأنواع الأدبية السردية الحاضرة فيه، ما يفسر غياب بعض الأنواع السردية الكلاسيكية عن سياقنا المعاصر.

وختامًا، إنَّ غياب أنماط سردية كلاسيكية عن سياقنا الأدبي المعاصر لا يعني عدم حضورها بآلية ترميزية غير مباشرة، إذ قد تظهر بعض السرديات المرتبطة بهذه الأنماط بآلية تناصية مع أنواع سردية معاصرة، فيتلامح السردي الكلاسيكي من خلال النمط السردي الحداثي، مؤكدًا حضوره في البنى الذهنية العميقة للمبدع العربي؛ فالتراث السردي بأنماطه وخصوصيته الفنية والفكرية هو جزء من الهوية الثقافية العربية التي لا يمكن تهميشها أو تغييبها تغييبًا كليًّا مباشرًا.

أعجبك المقال؟ شاركه: تويتر فيسبوك واتساب نسخ الرابط
ن
نور عباس
كاتب/ة في مدوّنة سماوي

مقالات أخرى لـ نور عباس

مقالات ذات صلة

أضف تعليقًا