سماوي Samawy Blog
الرئيسيةمقالات
المقارنة بين الآداب
مقالات

المقارنة بين الآداب

إنَّ الجماعات البشرية على اختلاف مشاربها كانت دائمًا في حالة تواصل. فالتواصل عملية إنسانية طبيعية تفرضها ضرورات الحياة وطبيعة الكائن البشري، الذي لا يستطيع العيش منعزلًا عن الآخرين. وقد أثَّر…

ن
نور عباس · كاتب/ة
4 September 2025 · 9 دقائق قراءة · 0 مشاهدة

إنَّ الجماعات البشرية على اختلاف مشاربها كانت دائمًا في حالة تواصل. فالتواصل عملية إنسانية طبيعية تفرضها ضرورات الحياة وطبيعة الكائن البشري، الذي لا يستطيع العيش منعزلًا عن الآخرين.

وقد أثَّر هذا التواصل المستمر في النتاجات الأدبية للمجتمعات، فغدونا نجد ملامح متشابهة بين الآداب المختلفة، فالتواصل الحضاري ليس منعزلًا عن الفاعلية التأثيرية، بل إنَّه يؤدي إلى جملة من التأثيرات المتبادلة، التي قد تمس مختلف النتاجات الحضارية، بما فيها الأدب.

وقد أفرز التواصل الحضاري دراسات نقدية جديدة، ألا وهي الدراسات الأدبية المقارنة. وتُعرَّف على أنَّها: فرع من فروع الدراسات النقدية، تهتم بالمقارنة بين أدبين، ينتمي كلٌّ منهما إلى أمة أو قومية مختلفة، وذلك لاكتناه فنيتهما، ورصد التقابلات والتمايزات بينهما، وتوضيح أي الأدبين تأثر بالآخر، وعوامل هذا التأثر ومضمراته.

فالدراسات الأدبية المقارنة: هي تلك الدراسات التي تستعين بأداة المقارنة في مقاربة موضوعها، مع التأكيد على أنَّ هذه الأداة لا تحقق الغاية المرجوة منها وتوصل إلى نتائج مهمَّة، إلا إذا كانت الموضوعات الخاضعة للمقارنة تمتلك تقاطعات مشتركة، فتعطينا المقارنة مفتاح اكتشاف أوجه الشبه والاختلاف، وتغدو أداة معرفية ذات استخدامات مُنتِجة.

مدارس الدراسات المقارنة

منذ تبلور فكرة الدراسات المقارنة، برزت عدة مدارس، لكلٍّ منها منهجه وآلياته في المقارنة بين الآداب، وفيما يلي سنتعرف على هذه المدارس، موضحين منهج كلِّ مدرسة، واختلافها عن المدارس الأخرى.

  1. المدرسة الفرنسية

ظهرت المدرسة الفرنسية في الدراسات المقارنة في القرن التاسع عشر، واستمرت بوصفها المدرسة الوحيدة في هذا المضمار حتى منتصف القرن العشرين، إذ ظهرت في تلك الفترة مدارس جديدة لها آلياتها الخاصة في المقارنة بين الآداب. وقد وضعت المدرسة الفرنسية شروطًا خاصة لا بد من الالتزام بها قبل أن يُقدِم الدارس على المقارنة بين أدبين أو أكثر، وهذه الشروط كالتالي:

  • لا بد من أن تكون المقارنة بين أدبين قوميين مختلفين في اللغة، فلا تجوز المقارنة بين أدبين منتميين إلى لغة واحدة، حتى ولو كانت هنالك وجوه تشابه قوية وواضحة بينهما، بل إنَّ دراسة أدبين منتميين إلى لغة واحدة تدخل في دائرة الموازنة لا المقارنة.
  • لا بد من أن تكون هنالك دلائل واضحة على تأثر أحد الأدبين بالآخر، فلا تجوز المقارنة وفق هذه المدرسة بين أدبين ينتمي كلٌّ منهما إلى لغة مختلفة ويمتلكان ملامح تشابه، ما لم يثبت تاريخيًّا حدوث تواصل وتأثر بين الأدباء.
  • قسَّمت المدرسة الفرنسية آداب العالم إلى قسمين: أدب موجب وأدب سالب. ويُقصد بالأدب الموجب أدب الدول الأوروبية المُستعمِرة، وهو الأدب الأقوى والأنضج والمؤثر في آداب الآخرين، في حين يُقصد بالأدب السالب أدب الدول المُستعمَرة، وهو الأدب الأضعف، المتأثر بآداب الدول الاستعمارية. وتهتم الدراسات المقارنة وفق هذه المدرسة بآليات تأثير الأدب الموجب بالأدب السالب، فهي تبحث عن أصول الآداب الأوروبية في الآداب الشرقية.

والمتمعن بالشروط التي وضعتها المدرسة الفرنسية، يلحظ فيها طغيان البعد الأيديولوجي على البعد الأكاديمي العلمي، فهي تصنف الآداب على أساس إيديولوجي محض، يعلي من شأن الآداب الأوروبية ويحط من شأن الآداب الأخرى، فالآداب الأوروبية هي المؤثر الأساسي، في حين أنَّ الآداب الأخرى لا تملك ما تقدمه للحركة الأدبية العالمية.

وهذا الطرح الأيديولوجي عرَّض المدرسة لانتقادات الفرنسيِّين أنفسهم قبل غيرهم، وعلى رأسهم رينييه إيتامبل، الذي رفض هذه الأسس والمبادئ، وانتقدها انتقادًا شديدًا، محرضًا جيلًا جديدًا من الدارسين على الانشقاق عن تلك الأسس الأيديولوجية التي نهضت عليها المدرسة الفرنسية، أمثال: برونيل، وبيشوا، وروسو.

2. المدرسة الأمريكية

ظهرت إرهاصات المدرسة الأمريكية في الدراسات المقارنة في منتصف القرن العشرين، وتحديدًا في عام 1958، وتتسم هذه المدرسة بروحها الناقدة للمدرسة الفرنسية، إذ وضعت أسسًا مختلفة لدراسة الآداب دراسة مقارنة، تتمحور حول الآتي:

  • إنَّ الدراسات المقارنة وفق هذه المدرسة لا تُعنى بدراسة العلاقة بين الآداب المنتمية إلى لغات مختلفة فحسب، بل تهتم أيضًا بالعلاقة بين الآداب ضمن اللغة الواحدة، فهي مدرسة لا تشترط الاختلاف اللغوي لتطبيق الدرس المقارن
  • لا تشترط هذه المدرسة وجود دلائل على التأثر والتأثير ببن الأدبين لإقامة الدرس المقارن، إذ يمكن المقارنة بين أدبين بينهما تشابه، من دون الوصول إلى دليل يؤكد حدوث تواصل وتأثر بين الكتَّاب.
  • تذهب هذه المدرسة إلى أنَّ الدرس المُقارن لا يهتم بالآداب فحسب، إذ يمتد اهتمامه ليشمل مختلف الفنون. زد على ذلك، أنَّه من الممكن إجراء الدرس المُقارن بين الأدب من جهة وفن آخر من جهة ثانية، فهو درس غير محصور في نطاق الآداب.

3. المدرسة السلافية

ظهرت هذه المدرسة في أوروبا الشرقية، وتتسم بتفسيرها المتفرد لمضمرات التشابه بين الآداب المختلفة، فالتشابه بين الآداب لا يمكن رده إلى عوامل التأثر والتأثير فحسب، إذ يمكن إرجاعه أيضًا إلى مستوى التطور الاجتماعي، فالمجتمعات التي بلغت بناها الاجتماعية مستويات متشابهة من التطور تتشابه أيضًا في بناها الأدبية، أما المجتمعات المتفاوتة في درجات تطورها، فتختلف بناها الأدبية وتتمايز. لذا عندما تُخضع الآداب للدرس المقارن، لا بدَّ من أن يعي الدارس الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يسود في المجتمعات التي تنتمي لها هذه الآداب، فهي تؤدي دورًا مركزيًّا في تشابه البُنى الأدبية.

لا تفوت قراءة: لماذا يختلف شعرنُا العربيُّ الحديثُ عن شعرِنا القديمِ؟

موضوعات الدراسات المقارنة

هنالك عدة موضوعات بحثية تنتمي لمجال الدراسات المقارنة، نرصدها فيما يلي ونلقي الضوء عليها.

  1. دراسات الترجمة

للترجمة دور مهم وفاعل في نقل أدب أمة ما إلى أمة أخرى، فلولا أداة الترجمة لبقيت الحدود مغلقة بين الآداب. ويعي المهتم بالدراسات المقارنة أهمية الترجمة ودورها في التواصل بين الآداب المختلفة. لذا، يجعلها موضوعًا بحثيًّا له؛ فيدرس الترجمة، ومدى دقتها، ودرجة انزياحها عن الأصل، وأثر ذلك في الصورة التي يظهر فيها النص المُترجَم عند الشعوب المُترجَم لها، كما يبين أسباب ترجمة هذا الأدب دون غيره، ومقدار انسجامه مع الحاجات النفسية والاجتماعية والجمالية للمجتمع المُترجَم له.

2. أدب الرحلات

يهتم الباحث في مجال الدراسات المقارنة بكتب الرحلات، أي تلك الكتب التي وضعها أدباء قاموا برحلات إلى أماكن أخرى، فوثقوها بطريقة فنية، وتبلور هذه الكتب صورة متخيلة عن هذه الأماكن، فيتفاعل معها المتلقون، سواء أكانوا من الكتَّاب أم القرَّاء.

ويدرس الباحث في الدراسات المقارنة صورة هذا البلد أو ذاك كما ظهرت في كتب الرحلات، فيتتبع تأثير تلك الصورة في كتابات الكتَّاب الآخرين في بلد الأديب، ويوضح الصورة الذهنية التي كوَّنها القرَّاء عن هذا البلد من خلال ما تلقوه عنه في كتب الرحلات.

ويذهب الدكتور محمد غنيمي هلال إلى أنَّ مهمة الدارس المقارن تتضمن أيضًا تصويب ما في تلك الصور من أخطاء، لكن نرى أنَّ التصويب الحقيقي لا يسهل إلا فيما يخص الأرقام والوقائع التي يمكن التحقق من صحتها، أما الانطباعات والمشاعر فكيف يمكن تصحيحها؟

3. دراسة التأثير والتأثر

إنَّ اكتشاف التأثر والتأثير بين أدبين مختلفين هو من أبرز موضوعات الدراسات المقارنة وأكثرها مركزية، إذ تهتم الدراسات المقارنة في الدرجة الأولى بتحديد المؤثِّر بالآداب الأخرى والمتأثر بها، ولا تقف عند هذا الحد، بل تفهم عملية التأثر والتأثير، وتبين آلياتها، وخصوصيتها، وأسبابها.

4. دراسة الأنواع الأدبية 

من المجالات التي يهتم بها الباحث في الدراسات المقارنة دراسة تجليات الأنواع الأدبية وتطورها في الآداب المختلفة، فيدرس على سبيل المثال الرواية في الأدب العربي، مبينًا خصوصيتها، وتأثرها في الرواية الأوروبية، وأسباب هذا التأثر، وأوجه التمايز والاختلاف بين الروايتين العربية والأوروبية.

مهارات الباحث في الدراسات المقارنة

هناك مجموعة من المهارات لا بد من أن يمتلكها من يرغب بتطبيق الدرس المُقارن، ومن أبرزها:

  1. اتساع المعارف

إنَّ الباحث في الدراسات المقارنة لا بد من أن يكون مطلعًا على العديد من الآداب المنتمية إلى ثقافات مختلفة، فهذا الاطلاع ضروري ومهم، لأنَّ الدراسة المقارنة تنهض في أساسها على رصد التعالقات بين آداب متمايزة، فكيف للباحث رصد هذه التعالقات وهو غير مطلع في الأساس على الآداب عند الشعوب الأخرى؟

2. امتلاك أكثر من لغة

من المحبذ إتقان الباحث في الدراسات المقارنة أكثر من لغة إتقانًا احترافيًّا، وذلك للاطلاع على النصوص الأدبية موضوع المقارنة وقراءتها بلغتها الأم، فالباحث المحترف في الدراسات المقارنة لا يعتمد على الترجمات فحسب، إذ قد تكون هذه الترجمات سيئة. زد على ذلك، قد تكون النصوص التي يرغب الباحث بالاشتغال عليها غير مترجمة بعد، فيبقى اشتغاله حبيس رغبة المترجمين بالترجمة.

3. امتلاك معرفة بالتاريخ

إنَّ المشتغل في حقل الدراسات المقارنة -ولا سيما تلك الدراسات المنتمية إلى المدرسة الفرنسية- لا بد من أن يمتلك معرفة بالتاريخ، وذلك لرصد الحقائق المتمحورة حول عملية الاتصال بين الأدباء، ووعي بدايات نضوج الأنواع الأدبية، وتحولاتها، والمراحل التي مرت بها

الدراسات المقارنة عند العرب

إنَّ الدراسات المقارنة علم حديث، ظهر في القرن التاسع عشر، بيد أنَّ المطلع على التراث العربي يجد بعض ملامح الدراسات المقارنة. ونحن هنا، لا نذهب إلى أنَّها دراسات مقارنة محضة مطابقة للدراسات الحديثة، بل هي دراسات تلائم روح العصر الذي ظهرت فيه، ومن أبرز الملامح المقارنة في التراث العربي ما يلي:

  1. الموازنات الأبدية

عرف العرب الموازنات منذ القدم؛ إذ كانت معظم جلسات سوق عكاظ متمحورة حول الموازنة بين بيتين أو مقطوعتين من الشعر، وألف النقاد العرب القدماء بعدها كتبًا قائمة على الموازنة، مثل: الموازنة بين البحتريِّ وأبي تمَّام للآمديِّ. وقد اتخذت الموازنة بعد ذلك شكلًا آخر بفعل الخصومات بين النقاد، فظهر ما يُعرف بالوساطة، ومن ذلك كتاب: الوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي الجرجاني. وهذا كله يُعدُّ جانبًا من الجوانب التي قد تعتني بها الدراسات المقارنة.

2. السرقات الأدبية 

تُعرَّف السرقات الأدبية على أنَّها: أخذ شاعر من آخر أو إغارته على بعض شعره، وهذا الأخذ قد يكون في المعنى دون اللفظ أو في اللفظ دون المعنى أو من خلال أخذ معنى شاعر آخر والإضافة عليه. وقد اعتنى النقاد العرب القدماء بقضية السرقات الأدبية، ووقفوا عندها، محددين مواضعها وآلياتها. ولا نكاد نجانب الحقيقة، إذا ما ذهبنا إلى أنَّ قضية السرقات في التراث العربي تقابل قضية التأثر والتأثير في الدراسات المقارنة، فما أخذ معنى أو لفظ من شاعر آخر سوى تأثر به.

واهتم العرب بالدراسات المقارنة التطبيقية من بداية عصر النهضة، وكان اهتمامهم في تلك الفترة متمحورًا حول بيان التشابهات والاختلافات بين أدبين أو أكثر، وهذه الدراسات هي أقرب ما تكون إلى المدرسة الأمريكية، التي لا تهتم بالتدليل على حدوث عملية التأثر والتأثير.

واتجه النقاد العرب بعد ذلك إلى الدراسات المقارنة القريبة من المدرسة الفرنسية، والمتمحورة حول بيان وجوه التأثر والتأثير بين الآداب، واتجهت هذه الدراسات اتجاهين مركزيين؛ الاتجاه الأول يركز على تأثير الأدب العربي في الآداب الشرقية وتأثره بها، وفي مقدمة تلك الآداب الأدبان الفارسي والتركي. أما الاتجاه الثاني فيركِّز على تأثر الأدب العربي بالآداب الأوروبية والغربيَّة

ونلحظ أنَّ العرب في دراساتهم التطبيقية المقارنة لم يمتلكوا أسسًا منهجية خاصة بهم، بل اعتمدوا على أسس المدرستين الفرنسية والأمريكية، سواء أكان هذا الاعتماد واعيًا أم عفويًّا.

أما فيما يخص التنظير في حقل الدراسات المقارنة، فلا نجد مدرسة عربية موازية للمدارس الفرنسية والأمريكية والسلافية، إذ كان الحقل التنظيري العربي مهتمًّا بنقل هذه المدارس وتوضيح أسسها لا أكثر، فكان من أهم ما أُلف كتاب الأدب المقارن لمحمد غنيمي هلال، الصادر عام 1948، ويعدُّ مرجعًا مهمًّا من المراجع التنظيرية في حقل الدراسات المقارنة، إذ نقل هلال من خلاله أسس المدرستين الفرنسية والأمريكية لدراسة الأدب دراسة مقارنة. وكتاب محمد البحيري المعنون باسم «الأدب المقارن»، وكتاب «دراسات في الأدب المقارن» لصفاء خلوصي.

ختامًا، إنَّ العديد من الظواهر الأدبية -سواء في الأدب العربي أم الآداب الأخرى- لا تُفهم فهمًا دقيقًا من دون الاستعانة بالمقارنة. فعلى سبيل المثال، كيف نفهم الرواية العربية المعاصرة من دون أن نعي تأثرها بالرواية الأوروبية؟ وكيف نفهم المذاهب الأدبية في الشعر العربي، مثل الرومانسية والرمزية، بمعزل عن فاعلية التأثر بالمذاهب الأدبية في الغرب؟ فالدراسات المقارنة، وبيان عملية تأثر أدب ما بآداب أمة أخرى، لا تحط من شأن الآداب المتأثرة، بل تمكننا من وعي ذاتنا أكثر، وفهم تفاعلنا مع آداب الأمم الأخرى، الذي ما انقطع يومًا ولن ينقطع، فنحن شئنا أم أبينا في حالة تواصل مستمر وتفاعل جدلي، فنؤثر تارة ونتأثر تارة أخرى.

اقرأ أيضًا: القراءة.. تأملات تاريخية وفلسفية

أعجبك المقال؟ شاركه: تويتر فيسبوك واتساب نسخ الرابط
ن
نور عباس
كاتب/ة في مدوّنة سماوي

مقالات أخرى لـ نور عباس

مقالات ذات صلة

أضف تعليقًا