المجلات الأدبية في العالم العربي (1): كيف نشأت وما أشهرها؟
إن علاقة الثقافة بالصحافة قديمةٌ قِدَم التاريخ، فقد ارتبط أحدهما بالآخر؛ إذ كان العرب في الجاهلية يمارسون الصحافة الأدبية الشفوية في أسواقهم الشهيرة، حيث كانت الثقافة العربية ثقافة شفوية، ويمثِّل…
9 April 2026 · 9 دقائق قراءة · 0 مشاهدة
إن علاقة الثقافة بالصحافة قديمةٌ قِدَم التاريخ، فقد ارتبط أحدهما بالآخر؛ إذ كان العرب في الجاهلية يمارسون الصحافة الأدبية الشفوية في أسواقهم الشهيرة، حيث كانت الثقافة العربية ثقافة شفوية، ويمثِّل سوق عكاظ مثالًا خالدًا على الصحافة الأدبية الشفوية.
وجاءت الطباعة فغيَّرَتِ الخريطة الأدبية في العالم العربي، فكان الانتقال من الثقافة الشفوية إلى الثقافة الكتابية تغييرًا هائلًا في الوعي البشريِّ، وتحولًا في جُلِّ أساليب اكتساب المعرفة الموجودة، واتساعًا في مساحة وصول الناس إلى الثقافة، فانتشرت الكتب المطبوعة ومعها ظهرت الصالونات الأدبية التي أصبحت مجالًا لمناقشة الأدب والثقافة بصفة عامة، فكانت بمثابة مجلات أدبية شفوية. إلى أن اكتشف رفاعة الطهطاوي الصحافة في رحلته إلى باريس، وكتب عنها في كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز». ومع عودته بدأت الصحافة في مصر، وبمرور الوقت خُصِّصت صفحة أو أكثر في الصحف الصادرة للحديث عن الأدب والثقافة. إلى أن ظهرت المجلات الأدبية في مصر والعالم العربي، لتصبح نبراسًا يهتدي به المثقفون، ومنبرًا لاكتشاف الموهوبين في شتى صنوف الأدب، ومجالًا يتبارى فيه كبار الأدباء.
لقد عاش العالم العربي في نهاية القرن التاسع عشر وحتى الربع الأخير من القرن العشرين ما يمكن أن نطلق عليه «عصر المجلات الأدبية»، كانت فيه ترمومتر ثقافة الشعب، ومقياسًا لقدرة الشعوب على بناء التواصل بين ماضيها وحاضرها، وبين شؤونها الداخلية ومحيطها الإقليمي، وأخيرًا بين آدابها المحلية والآداب العالمية.
ما المجلة الأدبية؟
المجلة الأدبية هي مطبوع له عنوان ثابت، وتصدر بشكل دوري (أسبوعي، أو نصف شهري، أو شهري، أو فصلي، أو سنوي)، تتكون من مجموعة من المقالات لعدد من الكُتَّاب، وتحمل على عاتقها مهامَّ ثقافية محددة، فلكل المجلات الأدبية هدف عام؛ وهو تنوير المجتمع وتثقيفه، ونشر الأدب بشتى فنونه ومعارفه بين المجتمع، فالمجلة الحقيقة يجب أن تحمل أثرًا عن كل ما يحدث في العالم من أمور مهمة. ولكل مجلَّة هدف خاص بها، وهو يختلف من مجلة لأخرى تبعًا لاتجاهها الفكري ومحطِّ اهتمامها؛ فهناك المجلات المهتمة بالنقد الأدبي، أو الشعر، أو الروايات والقصص، ومنها ما يهتم بالثقافة بصفة عامة … إلخ.
ومن جهة التخصص يمكن تقسيم المجلات الأدبية إلى نوعين:
1- المجلات الثقافية العامة وهي التي تهتم بكل أنواع الثقافة، مثل مجلة «الرسالة» التي كان لها رسالة معرفية وسياسية؛ استهدفت نشر المعرفة وإقامة الجسور الفكرية والرؤى بين المدارس والأجيال المختلفة.
2- المجلات الثقافية المتخصصة التي ينصبُّ اهتمامها على مجال أدبي بعينه دونما الآخر، مثل مجلة «فصول» التي اتجهت إلى النقد الأدبي والتعريف بمدارسه.
تختلف المجلة عن الكتاب في عدة أمور؛ فالمجلة مثل البستان يمكن للقارئ أن يتنزه ويقطف وردة من كل حقل فيه، فيمكن للقارئ المطلع على المجلات أن يكون له في كل موضوع باع، وفي كل معركة طاولة. فهو يختار من موضوعاتها ما يشاء، كما أنَّ مواضيعها متنوعة، ولا تتسم لا بالإطالة ولا التفصيل الذي يكون عليه الكتب، لأن كتَّاب المجلات محكومون بضيق المساحة المخصصة لهم، على عكس الكتب، فكُتَّاب المجلات يعالجون الموضوعات على عجل، ويلقون الضوء على الأسئلة الأساسية والخلافات القائمة فيها ليستزيد من يريد حول هذه الموضوعات.
ولعل أكبر دليل على أهمية المجلات الأدبية العربية، هو اهتمام كبار الكُتاب بنشر أعمالهم فيها، فعلى سبيل المثال، لم يؤلف أحمد لطفي السيد غير كتاب «قصة حياتي»، وكل ما طبع له من كتب هو تجميع لمقالاته التي كان ينشرها في جريدته المسائية «الجريدة» التي صدرتْ عام 1907، فجمع له كتاب «المنتخبات» في أجزائه الثلاثة، و«تأملات في الفلسفة والأدب والسياسة والاجتماع»، و«مبادئ في السياسة والأدب والاجتماع»، و«صفحات مطوية من تاريخ الحركة الاستقلالية في مصر».
اقرأ أيضًا: أهم الإصدارات التاريخية في عام 2023 (10 إصدارات تناسب الجميع)
تاريخ المجلات الأدبية في العالم العربي
كانت مصر من أوائل الدول العربية التي بدأت فيها صناعة المجلات الأدبية، حيث حملت على عاتقها مهمة حمل مشعل النهضة، وتحقيق أفكار الاستنارة التي ظهرت مع أواخر القرن التاسع عشر، وفتحت الطريق لمعظم الأدباء على الساحة الأدبية، حيث بدأت المجلات الثقافية في مصر منذ عام 1870 حينما صدر العدد الأول من مجلة «روضة المدارس المصرية»، وفي أبريل من العام نفسه رأس تحريرها رفاعة الطهطاوي، وظلت المجلة تصدر نصف شهرية إلى أن توقفت عام 1877.
تلا ذلك صدور مجلة «أبو نظارة» التي بدأ صدورها عام 1876 لرائد المسرح المصري يعقوب صنوع. وفي يونيو من العام نفسه صدرت مجلة «التنكيت والتبكيت» لصاحبها عبد الله النديم. وأخيرًا شهد عام 1892 صدور مجلة «الأستاذ» لعبد الله النديم أيضًا وبعدها بيومين أصدر جُرجي زيدان أشهر مجلة ثقافية وأطولها عمرًا على الإطلاق «مجلة الهلال».
ويذكر د. علي شلش أنَّ عدد المجلات الأدبية التي صدرت في مصر خلال الفترة من عام 1939 وحتى 1952 هو حوالي ثماني عشرة مجلة، في بلد تعدادها حينها أقل من عشرين مليونًا وبنسبة أمية تُقدَّر بأكثر من 70%. وهي تنقسم إلى نوعين؛ مجلات أدبية عامة ويبلغ عددها ثماني مجلات، ومجلات أدبية متخصصة وهي عشر مجلات.
وفي بيروت تأسست مجلة «المشرق» في عام 1898، ومجلة «الزهراء» في عام 1906، ثم مجلة «العرفان» في مصر في عام 1909، ثم مجلة «العروبة» البيروتية في عام 1912، وبعدها مجلة «الرؤية» في عام 1917.
أما الأردن، فتأسست فيها جريدة «الحق يعلو» لتكون أول صحيفة في الأردن عام 1920 واختارت شعارها «عربية ثورية» واحتوت على مقالات متنوعة وخاصة فيما يتعلق بالأوضاع السياسية، بالإضافة إلى أخبار قصيرة عن أشخاص معروفين بنشاطاتهم وتحركاتهم الاجتماعية، ثم صدرت صحيفة «الشرق العربي» عام 1923. ثم شهدت الأردن صحوة في عدد الصحف فصدرت جرائد ومجلات «جزيرة العرب»، و«الشريعة»، و«صدى العرب»، و«الأردن».
وفي الكويت صدرت أول مجلة أدبية بعنوان مجلة «الكويت» عام 1928، أما السعودية فصدرتْ فيها مجلة «المكشوف» عام 1935، ومجلة «المنهل» السعودية في عام 1937. ثم واصلت المجلات الخليجية الصدور فصدرت مجلة «صوت البحرين» في عام 1950، ومجلة «العربي» في عام 1958.
وفي قطر صدرت مجلة «الدوحة» في نهاية عام 1969 وظلت تصدر حتى توقفت في عام 1986، ثم عاودت الصدور من عام 2007. وفي البحرين صدرت مجلة «البحرين» الفصلية منذ عام 1994، ومجلة «ثقافات» من عام 2002. وفي سلطنة عمان تصدر مجلة «نزوى» الفصلية منذ عام 1994. بينما شهدت الإمارات صدور مجلة «دبي الثقافية» في عام 2004 ثم توقفت عن الصدور في عام 2016، وصدرت مجلة «الشارقة» بديلًا عنها.
أما في الجزائر فصدرت مجلة «الإحياء» وهي أولى مجلاتها الأدبية في عام 1907 وصدرت منها سبعة أعداد، ونشر فيها الشاعر الجزائري حاج صالح، والكاتب علواني وغيرهما.
وفي فلسطين صدرت العديد من المجلات من أبرزها: «القدس»، و«الفجر»، و«الاتحاد»، و«الحقوق»، و«جريدة غزة»، و«الشعب»، و«الطليعة»، وكذلك مجلة «النفائس العصرية» التي أسسها خليل بيدس واهتمت بالشعر والقصة، وكان لها دور بارز في الحركة الأدبية، وأيضًا صحيفة «الكرمل» التي أسسها الشاعر الكبير محمود درويش عام 1981، وحدد شعارها بالآتي: «الثقافة هي حرية وفعل حرية. لا تنمو إلا في الحرية ولا تتأكد إلا حين تقاتل من أجل الحرية. والفعل كان البداية، وهو البداية التي نصنعها دائمًا أو نسقط ونموت. وفعل الحرية يعني إعلان القطيعة النهائية مع تلك العلاقة الملتبسة بين ثقافة السلطة وسلطة الثقافة. كأن المعارضة لا تنهض إلا على أرض السلطة، ولا تخاطب إلا الرقيب الذي يجلس في مواجهتها أو في داخلها».
مجلة الرسالة
ومن أشهر المجلات المصرية مجلة «الرسالة» وهي مجلة أسبوعية للآداب والعلوم والفنون، أسسها أحمد حسن الزيات. ويبدو أن الجو العام في مصر لم يكن مستعدًا لقبول هذه الفكرة، وهو ما اتضح في عدم تشجيع طه حسين لأحمد حسن الزيات حينما طلب رأيه في تأسيسها، كما عبر الزيات في افتتاحيته للمجلة من أنه تغلب على الخوار وقرر تدشين المجلة. يقول الزيات -عن الأسباب التي جعلته يفكر في تأسيسها- في افتتاحية العدد الأول: «غاية الرسالة أن تقاوم طغيان السياسة بصقل الطبع، وبهرجَ الأدب بتثقيف الذوق، وحيرةَ الأمة بتوضيح الطريق».
استمرت المجلة عشرين عامًا، وصدر فيها بدءًا من عام 1933 وحتى عام 1953 حوالي 1024 عددًا، وأثَّرت في الحياة الأدبية إلى حدٍ بعيد. اشترك في تحريرها طه حسين وأعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر. ونشر فيها نجيب محفوظ أول قصة له بعنوان «ثمن الزوجة». وعند توقف صدورها نعاها الأدباء والمثقفون وافتقدها القراء.
كانت الرسالة المجلة الأوسع انتشارًا في الأقطار العربية؛ حيث بلغت نسخها الموزَّعة في بعض الأحيان خمسين ألف نسخة، وصار يعرف اليوم الذي تصدر فيه الرسالة، وهو يوم الاثنين، بـ«يوم الرسالة» كما تقول وداد السكاكيني. وكانت الرسالة تهتم كثيرًا باللغة حتى إنها تعتذر عن الأخطاء المطبعية التي تقع فيها، بل وتصدر تصويبًا لها في العدد الذي يليه.
وبعد عشر سنوات من التوقف تولت هيئة الثقافة والإرشاد القومي إحياءها من جديد، فصدر عددها الأول في يوليو من عام 1963 حتى توقفت تمامًا في يوليو من عام 1965 بالعدد 1123.
لعبت الرسالة دورًا كبيرًا في اكتشاف المواهب الأدبية، وكان النشر فيها اعترافًا بقدرات الأديب وموهبته وشهادة ميلاد أدبية له. فقد صدقَ مؤسسها حين قال «استطاعت في مدى عشرين سنة أن تنشئ جيلًا من الكتاب والشعراء لهم أثرهم القوي، وأن تنشئ مدرسة في الأدب لها طابعها الخاص، وأن تعرِّف أدباء العرب بعضهم وبعض على انقطاع الأسباب وتباعد الديار، وأن تجمع القلوب على فكرة واحدة وغاية معلومة، وأن تكون سفيرًا روحيًّا لمصر في البلاد العربية والإسلامية».
ذاك نفسه ما يؤكده الأديب السوري عبد السلام العجيلي من أنه نشر أول قصة له في مجلة الرسالة المصرية عام 1936. وعدَّدَ الزيات الأساتذة الذين كتبوا في الرسالة فذكر العقاد، وطه حسين، والرافعي، وأحمد أمين، والمازني، وتوفيق الحكيم، وأحمد زكي، وأمين الخولي، ومعروف الرصافي، ومصطفى عبد الرازق، ومحمود شلتوت. كما أنها احتضنت عددًا من المواهب الشابة الذين تخرجوا في مدرستها ومنهم محمود الخفيف، وسعيد العريان، ومحمود الشرقاوي، ومحمود شاكر، وعلي محمود طه، ونجيب محفوظ، وأبو القاسم الشابي، ودريني خشبة، وصلاح الدين المنجد، وبشر فارس، ومحمود طه، وسهير القلماوي، وإسماعيل أدهم، وأنور المعداوي.
لا تفوِّت: جمعية الناشرين الإماراتيين: حوار مع الأستاذ عبد الله الكعبي
مجلة العربي
وفي الخليج العربي ومن الكويت صدرت مجلة «العربي»، المجلة الثقافية الأبرز على الساحة العربية. اتَّقدَت فكرة إنشاء المجلة في عام 1957 لدى مجموعة من الطلاب الكويتيين الذين درسوا في الجامعات المصرية، وبالفعل صدر أول عدد من المجلة في ديسمبر من العام التالي، وتولى رئاسة تحريرها الدكتور أحمد زكي (1958-1975). وكتب فيها كبار الأدباء العرب مثل عباس محمود العقاد ومحمد أبو زهرة ونزار قباني. صدرت المجلة بدعم من وزارة الإعلام الكويتية، ولم تكن غايتها الربح الماديَّ، فبيعت بمبلغ رمزي، مما أتاح توزيعها في معظم أرجاء العالم العربي. وبلغت المجلة ذروتها في عام 1986 إبان تولي الأكاديمي الكويتي الدكتور محمد غانم الرميحي رئاسة تحريرها، حيث بلغتْ نسخها الموزعة 320 ألف نسخة، مقارنة مع عدد النسخ المعتاد البالغ 250 ألف نسخة في جميع أرجاء الدول العربية.
استطاعت المجلة أن تتكيف مع التغيرات الإقليمية، حيث جاءت بداية إصداراتها مع ظهور المد القومي العربي وتعاليه، لا سيما أنها صدرت وكانت هناك دول تخضع للاحتلال، فكانت صوت العرب الناطق باسمهم ولهم. وتطورت مجلة العربي مع بدايات الألفية الثالثة فأطلقت موقعها الإلكتروني عام 2002، كما انتقل الإشراف عليها من وزارة الإعلام إلى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
لقد مثلت المجلات الأدبية مرحلةً مهمة في تاريخ الثقافة العربية، فكانت الثقافة كلمة، وكانت الكلمة مجلة أدبية. وعلى الرغم من تراجع دور المجلات الأدبية في العالم العربي، إلا أن بعض المجلات لا تزال تحظى بأهمية خاصة، ينتظرها القراء من المحيط إلى الخليج، ولأنَّ الثقافة استمرارية، لا ينقطع فيها النقاش ويبتدئ على غير مثال سابق، بل معظم الأسئلة المعاصرة الآن امتداد لأسئلة أقدم، والغالب من الجدالات الفكرية التي نخوضها ابتدأ منذ عصر المجلات الأدبية، فالرجوع إليها مهم لفهم مسار حركة الأفكار وتطورها، والتحولات التي طرأت على هذه الجدالات، وإلامَ انتهى الجدال وقتها؟ وإن كان هذا السجلُّ من أفكار المثقفين والأدباء هيمن كل هذه المدة، فلماذا اختفى وماذا كان مصيره؟
