سماوي Samawy Blog
الرئيسيةحواراتأحمد دسوقي
حوار العدد

حديث السياسة والأدب: حفيد طه حسين يتذكر

في هذا الحوار الشيق، يتذكر حسن الزيات، حفيد طه حسين، ذكرياته مع جده ويتحدث عن تأثير طه حسين على الأدب والسياسة. كما يروي تفاصيل حياته الشخصية وتجربته في النشر الإلكتروني والتراث الثقافي…

أجرت الحوار: أحمد دسوقي · 26 March 2026 · 9 دقائق قراءة
أحمد دسوقي

في هذا الحوار الشيق، يتذكر حسن الزيات، حفيد طه حسين، ذكرياته مع جده ويتحدث عن تأثير طه حسين على الأدب والسياسة. كما يروي تفاصيل حياته الشخصية وتجربته في النشر الإلكتروني والتراث الثقافي…

«طه حسين»، حديث لا ينقطع، فعلى الرَّغم من مرور خمسين عامًا على وفاته (1889-1973)، فإن الرأي العام في العالمين العربي والغربي لا يزال يتذكر جولاته في الأدب والثقافة والسياسة؛ فقد خاض عميد الأدب العربي عددًا من الصراعات داخل أروقة الجامعة التي تشرفت برئاسته، وكذا صراعه الشهير مع مؤسسة الأزهر عقب نشره كتاب «في الشعر الجاهلي».

في هذا اللقاء نحاور السيد الأستاذ «حسن محمد حسن الزيات»، حفيد الدكتور طه حسين، حول الأدب والسياسة، فنستنطق ذاكرته بما تحفظه عن جده لأمه.

نريد أن يتعرف الناس عليك، فأنت حفيد طه حسين عميد الأدب العربي، وابن محمد الزيات وزير الخارجية ومستشار رئيس الجمهورية والأمين العام للحزب الوطني في محافظة دمياط. حدثنا عن طفولتك وشبابك.

من حُسن حظي أنَّ والدي كان يعمل في السلك الدبلوماسي، فقضيت طفولتي ما بين إيران والصومال وأمريكا. وللأسف، فإنَّ هذا التنقل المستمر من بلد لآخر لم يسمح لي بقضاء وقت أطول مع جدي، ولكنه في الوقت نفسه أتاح لي ما لم يُتح لغيري، إذ قضيت طفولتي في الصومال التي كانت جنة للأطفال.

قاطعته متعجبًا ومتسائلًا بعقلية شاب لم ير في الصومال إلا الحرب والإرهاب: الصومال جنة الأطفال؟!​

كان هذا في آواخر خمسينيات القرن الماضي، وتحديدًا خلال الفترة الممتدة من 1957إلى 1960، كانت الصومال مستعمرة إيطالية، وعندما خسرت إيطاليا الحرب العالمية الثانية، انتقلت إدارة الصومال إلى مجلس وصاية، فيه ممثلون من الفلبين وكولومبيا ومصر، وأصبح والدي ممثل الجانب المصري، بعدما اغتيل ممثل مصر. كانت الصومال حينذاك بلدًا هادئًا وآمنًا إلى حدٍّ بعيدٍ. وقد قدَّر الصوماليون دور مصر في دعمهم؛ حيث أرسلت مصر مدرِّسين وأطباء وشيدت مدارس اللغة العربية. أما الجنة التي أتحدث عنها فتمثلت في بيتنا الذي كان يطل على المحيط الهندي مباشرة، ولم يكن هناك سيارات كثيرة، وكنا نستخدم الدراجات. أتذكر جارًا لنا كان يصطاد الحيوانات لصالح حدائق الحيوان في أوروبا، وكان لديه أسد في الحديقة، وكنا في الإجازة نذهب إلى أفجوي Afgooye وهي مثل حلوان بالنسبة للقاهرة، وكان فيها نمور صغيرة. كانت ثلاثة أعوام لا يحلم بها طفل.

درست الثانوية العامة في مصر في كلية فيكتوريا، ثم دخلت كلية الهندسة في جامعة القاهرة. وللأسف، كانت الدراسة في الهندسة باللغة العربية، بينما كانت دراستي باللغة الإنجليزية، فوجدت صعوبة في بعض المواد، مثل الطبيعة والكيمياء، فرسبت؛ فطلب مني والدي زيارة جارنا الدكتور أحمد العريان واستشارته في مشكلة رسوبي، فشرحت له المشكلة، فاقترح عليَّ الذهاب لعميد الكلية لنأخذ النصح منه، فروينا له القصة فإذا به ينادي على الفرَّاش: «يا عبده النتيجة اتعلقت ولا لسه؟». فأخبره بنعم، فقال: «يوووووه، لماذا لم تقل؟ كنا وضعناك في سيكشن 5».

لم أفهم ما المقصود بسيكشن 5، حتى شرح لي الدكتور العريان أنَّ سيكشن 5 يدرس فيه خالد جمال عبد الناصر ولا أحد يرسب فيه.

حينها أخبرت والدي أنَّني لن أستكمل دراستي في جامعة عميدها يسمح بذلك، وطلبت منه أن أبدأ الدراسة في الجامعة الأمريكية. وعلى الرَّغم من اعتراضه، لأنَّ الجامعة كانت تحت الحراسة آنذاك ومن غير المعروف إن كانت ستستمر في العمل أم لا، إلا أنه وافق. لم يكن في الجامعة كلية للهندسة، فدرست الكيمياء والطبيعة، ثم افتتحوا قسمًا لهندسة المواد فالتحقت به، غير أنني لم أستكمل دراستي فيها، وانتقلت مع والدي إلى الولايات المتحدة، وحصلت على بكالوريوس هندسة المواد من جامعة كولومبيا.

وماذا عن حياتك المهنية؟

بدأت العمل في الجامعة العربية (في الإدارة الاقتصادية قسم البترول)، وفيها اكتشفت أنَّ الموظف المصري يعتبر المعلومة سرًّا لا بدَّ من الحفاظ عليه. إذ كان الموظفون يتسابقون للحصول على التقارير والكتب والمجلات التي تأتي من الخارج، ثم يحتفظون بها في مكاتبهم ولا يُطلعون أحدًا عليها. حينها عرفت أنني لن أستطيع الاستمرار في العمل الحكومي.

ثم سافرت إلى بنسلفانيا وحصلت على الماجستير، وحينها بدأت علاقتي بالكمبيوتر، وجمعت كمبيوترًا شخصيًّا لي وذلك قبل بداية إتاحة الحاسب الشخصي (PC) في الأسواق، عُدت إلى مصر وبدأت العمل في المجال الجديد حتى أواخر التسعينيات. غير أن الروتين في الجمارك جعلني أتوقف عن العمل.

كيف كانت علاقتك بوالدك؟

أراد والدي أن أكون رجلًا بمعنى الكلمة، ففي أثناء مظاهرات الخبز في سبتمبر 1979 قررت الذهاب مع أصدقائي إلى كلية الهندسة لمشاهدة المظاهرات، غير أنَّ الشرطة قبضت علينا وساقتنا إلى القسم، تمكن أحد أصدقائي من الجري وفرَّ هاربًا، وأخبر والدي بأنني محتجز في قسم الجيزة، فقال له: «طيب خليه للصبح يتعلم شوية»، لم يكن عند أبي أي مانع في أن يتركني، ولم يكن يتوقع أن أنال معاملة خاصة، لم يكن يقدِّر أي شخص يستغل سلطاته.

لم يكن لأبي لحظات ضعفٍ كثيرة؛ لكني أذكر ذات مرة تأخر عن دخول المنزل، وكانت سيارته بالخارج، خرجت لأطمئن عليه فوجدته يبكي، وهذه هي المرة الوحيدة الذي وجدته يبكي فيها، كان ذلك في 10 يونيو 1967.

لا يفوتك: كيف تجعل القراءة نمط حياة روتيني؟

ماذا تعرف عن إعفائه من وزارة الخارجية؟

كان والدي دبلوماسيًّا حتى معي، فكان يكره انتقاد النظام أو الحديث عنه بسلبية. أكبر نقد سمعته منه حينما قال «نحن بلد بلا أرشيف».

كان والدك وزير خارجية مصر أثناء حرب أكتوبر، فهل كان على علم بموعد الحرب؟

لم يقل لي ذلك صراحة، ولكن ما فهمته ضمنيًّا أنه كان يعلم موعد الحرب. فقد تهرب والدي من محاولات كيسينجر وزير الخارجية الأمريكي للقائه قبل الحرب، وظلَّ يتهرب منه حتى تم العبور.

كيف كانت علاقته بطه حسين؟​

كان والدي يحترمه احترامًا كبيرًا؛ فهو أستاذه ومعلمه وأبو زوجته، كان والدي قد طلب منا أن نقبل يده حينما ندخل المنزل، ولكن جدي رفض.

نشرتم تراث طه حسين إلكترونيًّا مع مؤسسة هنداوي، فكيف كانت التجربة؟

كنت تجربة النشر مع مؤسسة هنداوي رائعة، أشعر بالسعادة حينما أعلم أن أي طالب لا يملك ثمن الكتاب -ولا سيما مع ارتفاع أسعار الكتب بشكل مبالغ فيه- يمكنه أن يقرأه إلكترونيًّا.

ماذا تتمنى أن يحدث مع تراث طه حسين؟

قال طه حسين في المصور عام 1947 «إنَّ الشعب لا يكون حرًّا إلا إذا كان أفراده متعلمين، والحكومة التي لا تعلم شعبها لا تستحق أن يطيعها الشعب”. لذا لا بد من توافر كتبه في كل مكان، وأرغب بأن يُعاد نشرها في جهة مثل قصور الثقافة، فتبذل جهودًا في التوزيع، ولا يقتصر التوزيع في معارض الكتب، فالأمر بالتوزيع لا بمركزيته.

هل قرأت شيئًا لطه حسين أثناء حياته؟

لا، أشعر بنوع من الفصام بين جدي الذي قرأت له فيما بعد وجدِّي الذي أعرفه. ففي المرحلة الثانوية كنا ندرس عبقرية الصديق للعقاد، وفي إحدى المرات على الغداء سألني جدي ماذا تدرس في مادة اللغة العربية؟ فأخبرته عن عبقرية الصديق، وقلت له «العقاد ده معقد قوي» فقال لي: «الله يرحمه .. مات».

ما أقرب كتب طه حسين إلى قلبك؟

«الأيام»، أشعر أنه يتكلم فيه من قلبه وعن نفسه، بخلاف روايته أو تأريخه.

ما أغرب شيء اكتشفته عن طه حسين وأنت صغير؟

لفترة طويلة لم أكن أعلم أنه كفيف، كما لم أكن أعرف أنه مشهور.

كيف كان يتعامل معكم في الأعياد؟

كان جدي يعطينا ريال فضة، وكان يضع دومًا في جيوبه شكولاتة على شكل عملة ذهبية، كنا نبحث عنها في جيبه ومن يجدها يأخذها.

راج لدى بعضهم أن طه حسين كان يخاف من الحيوانات، هل ذلك صحيح؟

لا أعتقد ذلك، كان لدى والدتي كلب اسمه عنتر، ولدينا صورًا لجدي وهو يملس عليه.

كيف كانت علاقة سوزان بطه حسين؟

كانت دومًا قلقة عليه، حريصة على أن يتناول كامل طعامه، تحرص على تدفئته، تسأله أثناء تنزههما في الريف والجبل الإيطالي إن كان قد تعب من السير ليعودا.

هل تعلَّمَت اللغة العربية؟

لا، تعلمتْ كلمتين فقط للتفاهم مع الطباخ والجنايني.

كيف عاشت بعد وفاة طه حسين؟

ظلت في بيتها، وحتى حينما مرضت وتركت بيتها بعض الوقت، عادت مرة أخرى إليه.

حدثنا عن معركة الشعر الجاهلي؛ أكبر معارك طه حسين.

حتى يومنا هذا يتردد القول التالي: «كيف تروِّج الدولة لكتب هذا الكافر الذي كان يريد أن تكون مصر جزءًا من أوروبا، وتنصَّر على يد زوجته، وكتبَ يلعن القرآن في كتابه في الشعر الجاهلي؟» نحن متأذون حتى اليوم من هذه الصورة الذهنية عن طه حسين. افتح أي قناة تجد شيخًا يقول شيئًا من هذا القبيل، ألم يستطيعوا حذف «الأيام» من المناهج الدراسية؟!

هل منع هذا الأسرة من الاهتمام بتراث طه حسين؟

لا، ولم تكن مؤسسة الأزهر وحدها ضد مؤلفات طه حسين، لقد كان الإنجليز أيضًا غير راضين عنه، وكذلك القصر. غير أن هذا لم يمنعنا من الاهتمام بجدي، كان عمي عبده الزيات معجبًا جدًّا بجدي، وكان يقول عنه: إنه رجل عظيم. أما أختي فقد ترجمت بعض أعمال جدي إلى الإنجليزية ونشرتها، مثل: دعاء الكروان، والمعذبون في الأرض.

أين ذهب التراث المادي لطه حسين؟

كل شيء إما في المتحف أو أهدته جدتي إلى دار الكتب.

وأنت .. ماذا تحتفظ لديك من تراث طه حسين؟

ذكراه فقط. حينما توفيت جدتي كنَّا نريد أخذ بعض المقتنيات؛ كانت أختي تريد صورة لوالدتي، وأنا كنت أتمنى أن أنال الختم. غير أن والدي رفض، وقال لنا: لن يخرج أي شيء من البيت، فقد اتفقت مع فاروق حسني وزير الثقافة على أن تحصل الوزارة على كل شيء، لتصنع متحفًا كاملًا لطه حسين، فاشترت الوزارة البيت، وأهديناها ما فيه.

لكن، للأسف لم يجيدوا التعامل مع مكتبة جدي، فقد جلَّدوا كل الكتب تجليدًا فاخرًا، ما أخفى عناوينها وأغلفتها الأصلية، ففقدت جزءًا من رونقها. ووضعوا الكتب خلف أبواب زجاجية، ولم يسمحوا لأحد بالاطلاع عليها، فحُبست مكتبة جدي. كما كان مكتب جدي متصلًا بشرفة على الحديقة، يخرج إليها يستمع لصوت الطيور، ويشم الهواء، فضموها للمكتب وأصبحت جزءًا منه. أضف إلى ذلك أن غرفة مكتب جدي تحولت في بعض الأوقات إلى غرفة مدير المتحف، ولكنهم تراجعوا عن الأمر بعد ذلك.

وليس هذا فقط، بل كان هنالك تمثال لوالدتي من صنع عبد القادر رزق، ومكتوب عليه تمثال لفنان مجهول، فلما أخبرتهم عن الفنان الذي صنع التمثال، قالوا سنشكل لجنة تفحص الأمر، وكان هنالك صورة لوالدتي مكتوب عليها إنها صورة جدتي، فلما أخبرتهم بالأمر، شكلوا لجنة من متخصصين، أصدرت حكمها أن الصورة لجدتي وليست لأمي، فاللجنة تعرف أمي أكثر مني!

أضف إلى ذلك؛ كان لجدتي صليب تضعه دومًا فوق السرير، وحتى وفاتها كان الصليب معلقًا مكانه، حينما زرت المعرض فوجئت بأن الصليب غير موجود ووضعوا مكانه صورة جدتي، ولما تواصلت مع رئيس قطاع الفنون التشكيلية وأخبرته عن هذا الأمر، أشار إلى أحد الموظفين عن إمكانية صناعة صليب جديد دون البحث عن الصليب الأصلي.

لو أتيحت لك الفرصة لسؤال طه حسين سؤالًا، ماذا ستقول له؟

أقول له: «لماذا هنالك أناس يكرهون الحرية؟»، سأسأله هذا السؤال لأنَّه جابه هذا النمط من الناس.

اقرأ أيضًا: سِفر القهوة – هنا نصٌ يُرتشف

ماذا تقصد بالحرية؟

كلُّ الحريات تأتي من حرية التفكير؛ فأنا حرٌّ حينما أفكر في أي شيء دون أن يكون هنالك أية عواقب لهذا التفكير.

هناك كثيرون يكتبون عن طه حسين، من منهم يتحدث إليكم قبل النشر؟

قليل جدًّا، منهم د. حسام أحمد.

هناك أناس كتبوا عن طه حسين ولا أعرف إذا كان ما كتبوه صحيحًا أم لا. السكرتير الذي عرفته هو فريد شحاتة ولم يكتب.

ختامًا، كيف نفهم طه حسين؟

كان طه حسين عدَّة أشخاص في شخص واحد، فهو أديب، ومؤرخ، وصحفي، ومعلم، وأستاذ جامعي، ووزير، ورجل دولة، ومصلح اجتماعي. لذا، فمن يُرِدِ أن يعرف طه حسين فعليه الاطلاع على كتبه ورسائله ومقالاته كلها.

أ
أحمد دسوقي
ضيف الحوار