سماوي Samawy Blog
الرئيسيةحواراتأحمد دسوقي
حوار العدد

قبل الرحيل: حوار حصري مع محمد جبريل عن الإسكندرية وحياة الكتابة

في هذا الحوار الشيق، يتحدث الأديب المصري محمد جبريل عن مسيرته الأدبية وتأثير الإسكندرية في أعماله، وعن علاقته بالأدباء من جيله، وكيف يتعامل مع حبسة الكاتب. كما يتناول وجهة نظره حول المشهد…

أجرت الحوار: أحمد دسوقي · 8 March 2026 · 6 دقائق قراءة
أحمد دسوقي

في هذا الحوار الشيق، يتحدث الأديب المصري محمد جبريل عن مسيرته الأدبية وتأثير الإسكندرية في أعماله، وعن علاقته بالأدباء من جيله، وكيف يتعامل مع حبسة الكاتب. كما يتناول وجهة نظره حول المشهد…

محمد جبريل، كاتبٌ وروائي وصحفي مصري، ولد عام 1938م في محافظة الإسكندرية، بدأ الكتابة في سن مبكرة، ونشر أولى قصصه في عمر الرابعة عشر، اتسمت أعماله بطابع محلي خاص، بل لعلَّه الكاتب الأول الذي تمحورت أغلب أعماله حول مدينة الإسكندرية، إذ يؤرخ لها في كتاباته، فيروي حكايته في أروقتها وحاراتها وحول شاطئها وبجوار مساجدها. فالإسكندرية هي حياته التي أبى أن يتركها، فتعلَّق بها وعلقت به.

الأستاذ محمد جبريل، ماذا تعني الإسكندرية لك؟

وُلِدت في مدينة الإسكندرية، وتحديدًا في منطقة بحري، وأحتفظ هنا بخريطة المدينة (وأشار إلى مكان في مدخل الشقة، حيث توجد خريطة قديمة).

الكتابة مهنة اخترتها أم سُقت إليها؟

تعلَّقتُ بالكتابة منذ الطفولة، وكنت أستعير الكتب من أحد الباعة في الإسكندرية، كان هذا البائع يعير الكتب مقابل مبلغ بسيط من المال، كما استفدت من مكتبة والدي الذي عمل مترجمًا، فاستمررتُ بالقراءة وتثقيف الذات، حتى إن والدي خشي عليَّ من أن تفسدني القراءة التي تعمَّقت فيها واستحوذت عليَّ.

حضرتْ الإسكندرية في مجمل أعمالك تقريبًا، فما هو السبب؟ وماذا لو بقيت في الإسكندرية، هل كنت ستفقد حنينك المستمر لها؟ 

غادرتُ مدينة الإسكندرية في عمر الحادية والعشرين، ولا أعرف بالتحديد تأثير إمكانية بقائي فيها في رغبتي بالكتابة عنها، لكن في الواقع حنيني إلى بحري هو الذي يدفعني إلى مزيد من الكتابة عن تفاصيله؛ عن الصيادين وحياتهم والمدينة بتفاصيلها، وبسبب حبي لمدينة الإسكندرية فكَّرت في كتابة عمل كبير عنها، وكان تصوري عن هذا العمل روايةً تحكي عنها، فإذا بها رواية من أربعة أجزاء «رباعية بحري». أحاول أحيانًا الكتابة بعيدًا عن الإسكندرية، وعلى الرّغم من ذلك تبقى هي وجهتي الأولى.

عاصرتَ جيل الستينيات والسبعينيات، فإلى أي جيل أدبي تنتمي؟

بدأتُ الكتابة في الستينيات، فأنا من الناحية النظرية أنتمي إلى جيل الستينيات، ولكن من الناحية الفعلية، أنا من جيل السبعينيات. فقد كنت بدأت الكتابة في فترة الستينيات، ولكني انقطعت عنها فترة من الزمن جعلتني أبتعد عن هذا الجيل من الكتَّاب، حتى لامني أحد الكتَّاب –بعد ما أشاد بي- لأنِّي ابتعدت عن الساحة الأدبية. 

أنا إذن من جيل السبعينيات، وما زلت على تواصل مع أدباء جيلي، وآخر من تواصلت معه الأستاذ «صنع الله إبراهيم» الذي كان يبدي بعض ملاحظات على إحدى رواياتي.

أنت تلميذ لنجيب محفوظ، فهل تأثرتَ به في مشروعك الروائي؟

نعم، أنا من محبي الأستاذ نجيب محفوظ، وأنا تلميذه الذي لم أستفد من علاقتي به، كنت الأقرب للأستاذ من أي شخص آخر، أما عن الخط الفكري لرواياتي، فلا أعتقد أنِّي تأثرتُ بالخط الفكري لروايات نجيب محفوظ، فالإسكندرية حاضرة دومًا في كتاباتي ورواياتي.

«مصر في قصص كتَّابها المعاصرين» عملٌ موسوعيٌّ ضخم، حدثنا عنه قليلًا.

كنتُ أعتقد أنَّ إعداد هذا الكتاب سيأخذ مني ستة أشهر فقط، لكنِّي فوجئتُ بأن إعداده استغرق سبع سنوات كاملة، أرَّختُ فيه لتاريخ مصر من وجهة نظر الأدباء. وقد أبعدني إعداد هذا العمل سبع سنوات عن عالم الأدب والرواية.

للكتابة طريقان؛ طريق التقديس وطريق الصنعة، فبعض الكتَّاب يعتبرونها عملًا مقدسًا، ويُعِدون له أجواءً خاصة، تتناسب مع الفعل السحري الذي يقومون به. بينما يذهب فريقٌ آخر إلى اعتبارها حرفة لا سرَّ فيها إلا إتقان الصنعة، والإتقان يأتي بالممارسة والتدريب. ونحن هنا لا نحاول إثبات أحد الأسلوبين أو نفيه في الكتابة، بل نسعى للتعرُّف على طريقة الكتابة، لعلَّنا نصل إلى مبتغانا. فإن كانت الكتابة حرفةً فلنتعرف منكم أستاذنا على قواعدها وأساليبها وطريق العمل فيها، وإن كانت إلهامًا -كما يحبُّ أن يسميه بعضهم- فأدخلنا محرابك وعرِّفنا بطقوسك التي جعلت أعمالك تربو على مئة كتاب.

الكتابة عندي هي امتزاج الوحي مع استدعاء الواقع. فالوحي هو فكرة تأتي من حيث لا نحتسب، وتظلُّ تنمو حتى يكتمل العمل. ولكن الفكرة تولد من القراءة أولًا، فأنا وقد انتصف عقدي الثامن ما زلتُ أواظب على القراءة يوميًّا، فالقراءة هي التي تولِّد الأفكار.  

الكتابة قطارٌ لا يعرف أين يتوقف ومتى. أمارسُ الكتابة بلا أي طقوس، فلا مجال للموسيقى أو أي خصوصية، اللهم إلا صوت التلفاز المرتفع، فيما يشبه ضوضاء خفيفة، وإن كانت تشتتني أحيانًا وتتداخل مع النص، فتترك صداها في كلمة أو معنى، ولكنها تبقى لازمةً لا غنى عنها في الكتابة.

وحينما تبدأ الكتابة لا شيء يمكن أن يُتوقع، فكلُّ شخصية تصنع مصيرها بنفسها، فأحيانًا أرى في شخصيةٍ ما صورةً بعينها، ولكن أمام زخم الكتابة يتغير كلُّ شيء؛ فالمجرم يتوب، والمستقيم يقتل، والإسقاطات المجتمعية والسياسية تفرض نفسها على النص. ولعلَّ ذلك ما كان في كتاب «من أوراق أبي الطيب المتنبي» الذي خُطط لأن يكون في سبع أوراق لا أكثر، فإذا به رواية كاملة. 

والكاتب الذي يقرر ما سيكتب هو واعظٌ وإمام مسجد، بينما الأديب يترك العمل يكتب نفسه بنفسه، فيختار لأبطاله النهاية التي يستحقونها دونما تدخل منه «فلو تعمدتَ الكتابة فلن تكتب شيئًا».

اقرأ أيضًا: 10 تقنيات مهمة لتطوير مهارة الكتابة

«حبسة الكاتب» والتعامل معها

تُعرَّف «حبسة الكاتب» أو «بلوك الكتابة» لدى المشتغلين والمهتمين بها بأنَّها: عدم القدرة على الاستمرار في الكتابة، سواءٌ نتيجة غياب الأفكار الرئيسية أم الفرعية، ففي بعض الأحيان يجد الكاتب نفسه مأزومًا، وتختلف فترة الحبسة من كاتب لآخر، فقد تكون بضع ساعات وقد تمتد لتصل إلى سنة أو سنوات. فكيف يتعامل معها جبريل؟

لي رؤية خاصة في التعامل مع البلوك. إذ لا ألح على استمرار الكتابة في عمل ما، فإن تمنَّع عني استكمال العمل، تركته واتجهت نحو القراءة، وربما أبدأ في عمل آخر، وقد يظلُّ العمل معلقًا شهورًا حتى تأتي نهايته دون أي سعي لها، وهذا ما حدث في «قاضي البهار ينزل البحر». ولعلَّ هذا يعود إلى طبيعة عملي بين الصحافة والأدب، وقدرتي على الكتابة في أكثر من عمل في وقت واحد.

هل لك روتين معين بعد ما تنتهي من عملك؟

بعد الانتهاء من العمل أراجعه عدَّة مرات قبل الدفع به إلى المطبعة، فكلُّ كلمة، بل وكلُّ علامة ترقيم لها دورها في النص، وليس هنالك حاجة لمحرر أدبي، فلا أحد يتدخل في نصي، وما أن يأتي إليَّ الكتاب مطبوعًا حتى أعكف عليه قراءةً ومراجعةً، كما أحرص على أن تكون لديَّ نسخة من كلِّ كتاب أنشره. 

نعلم أن الكتابة عندك طقس لا تمله أو تنقطع عنه، فما هي أحدث أعمالك؟

أنا لم ألقِ القلم حتى يومنا هذا، فأنا عنيد كعناد الأمواج، لا أملُّ من أن أضرب بموجي الشاطئ حتى يتحقق ما أريد! فكلُّ يوم أكتب، وحينما أترك الكتابة فأنا أقرأ؛ أقرأ لأكتب، ولديَّ حتى الآن عشرة أعمال لم تُنشر بعد. أما ما أكتبه الآن فهو «تاريخ فتوات الإسكندرية»، فقد اهتم الكثير من الأدباء بفتوات القاهرة، أما الإسكندرية فهي بحاجة لمن يكتب عنها.

لا يفوتك: زاد القارئ الجاد: أدوات وتقنيات

كيف يرى جبريل المشهد الأدبي المصري

هناك عددٌ من أدباء جيلي لم ينالوا نصيبهم من الشهرة والمكانة على الرّغم من موهبتهم، ومنهم صلاح عبد السيد الذي غاب عن الأضواء، وضياء الشرقاوي الذي لم يمهله العمر وقتًا ليحقق ذاته، إذ توفي عام 1977م قبل أن يكمل عامه التاسع والثلاثين. أما الجيل الجديد، فأثني على «شيرين فتحي» التي فازت مؤخرًا بجائزة الدولة التشجيعية، والكاتب «محمد علَّام».

لكني أوصي بتهذيب النقد، فعلى الناقد أن يذكر الإيجابيات أولًا ويتلطف في السلبيات، حتى لا يقتل مشروع موهبة قد تكون ذات شأن في يوم ما. وقد كنتُ يومًا في ندوة لمناقشة أحد أعمالي، وبدأ الناقد في ذكر تعليقاته عن العمل، فساءني ذلك، ولهذا أنصح بتهذيب النقد.

أين أنت من الساحة الأدبية الآن؟

لستُ من حاملي الحقائب الذين يرتحلون ويسوِّقون لأنفسهم في كلِّ مكان، فأنا أعتز بنفسي وشخصيتي قبل كلِّ شيء.

لماذا لم تُدعَ إلى معرض الإسكندرية للكتاب هذا العام على الرغم من أنك أحد أهم وأكثر من كتب عنها؟

تفسيري أنَّه ليس تجاهلًا من القائمين على المعرض، فأنا أكِنُّ لهم كلَّ احترام وتقدير، وهم يبادلونني المشاعر نفسها، لكن قد يكون عدم تيقنهم من قدرتي على الذهاب هو ما جعلهم يمتنعون عن الدعوة.

* * *

وحينما أردتُ أن ألملم أوراقي وأذهب سألته عن رفيقة عمره، الدكتورة «زينب العسَّال»، فضحك وأكد أنَّها القائمة على حياته كلها، فقد تفرغ للكتابة وتحملت هي من أجله الكثير والكثير. وحينما أُصيبتْ الدكتورة بحادثٍ منذ شهرين قال «إن حياته كادت تضيع منه». 

فما أجمل أن تبدع في أدبك، وتخلص في حبك، ويخلص لك من تحب. فتحيةً لأديب يرفض أن يكون طيَّ النسيان، فيكتب ويراجع ويتعمق في أدبه ويصدر جديدًا كل يوم.

تعرَّف إلى: المحرر: الجندي المجهول في عملية الكتابة

أ
أحمد دسوقي
ضيف الحوار