سماوي Samawy Blog
الرئيسيةمقالات
أول كتاب عرفته البشرية
مقالات

أول كتاب عرفته البشرية

هل تظن أن أول كتابٍ عرفته البشرية كان على هيئته المعروفة الآن: مجموعةٌ من الأوراق مجموعة بين دفتين، أو ما يُطلق عليه (السِّفْر – Codex)؟ لم يكن الأمر كذلك ألبتة.…

م
منة حمدي · كاتب/ة
29 March 2026 · 8 دقائق قراءة · 0 مشاهدة

هل تظن أن أول كتابٍ عرفته البشرية كان على هيئته المعروفة الآن: مجموعةٌ من الأوراق مجموعة بين دفتين، أو ما يُطلق عليه (السِّفْر – Codex)؟ لم يكن الأمر كذلك ألبتة. فلم تكن هيئة الكتب الأولى التي عرفتها البشرية على هيئة السِفر التي تُجمع بداخله الأوراق (مُكَرَّسَةَ) كما هو الحال الآن. بل كانت الكتب -بل والمكتوبات عامةً- تُصنع على هيئة أفقية، أو ما يُطلق عليه «الطومار – Scroll / Book Roll»!

يشير الكثير من الباحثين -وعلى رأسهم عالم البرديات والمخطوطات البريطاني إريك تيرنر في كتابه «تصنيف السِّفر الأول»- إلى أن أول ظهور لكتاب مُكَرَّسٍ كان في القرن الأول الميلادي، قبل أن ينتشر هذا النمط من الكتب في القرن الثاني، وكانت أول الأعمال التي ظهرت في القرن الثالث هي أعمال هوميروس وشيشرون.

ويطلق على هذا النوع الذي نتحدث عنه «السِّفْر» بكسر السين. وأما الكتاب الذي كان منتشرًا قبل معرفة العالم لهذه الهيئة هو الكتاب الملفوف المسمى بـ «الطومار».

طومار قديم

سِفر يجمع كتاب كيلز أو كولومبا الإنجيلي

ربما سمعت بهذه الكلمة (السِفر) من قبل. وقد يكون أول ما يخطر على بالك عند سماعها هي أسفار المسيحية. إذ يغلب استعمال لفظ الأسفار على كتب العهد القديم عند المسيحيين، وقد وردت في القرآن بمعنى الكتاب «كمثل الحمار يحمل أسفارًا» [سورة الجمعة – 5]. وقد كان مسيحيو القرن الثاني في بلاد الروم هم أكثر من روَّج لاسم السِفر، فأصبح مقترنًا بهم. لكن هل كان المسيحيون هم من اخترعوا الكتب على هذه الهيئة المُكسَّرة التي عُرفت بالسِفر؟ وما كان شكل الكتب -أو بمصطلح أدق: المخطوطات- السابقة من الأسفار، ولماذا حلت الأسفار محلها؟

ما السِّفر؟

يقول الباحث في تاريخ الكتب والدراسات الكلاسيكية بنجامين هارنيت: «إن السِفر ببساطة هو اللقب الذي أطلقه الروم على الكتاب. وهو النموذج الذي تظهر فيه الصفحات المطوية طية واحدة، فيُكتب في الوجه الأمامي والوجه الخلفي للصفحة. ويكون للسِفر غلاف أمامي وخلفي يغلف صفحاته»(1).

لقد كان المسيحيون الرومان أكثر من رحب بفكرة السِفر، فجعلوا يدونون فيه معتقداتهم وخاصةً الإنجيل. وبفضل ذلك انتشر الكتاب المكتوب على هيئة الأسفار انتشارًا واسعًا، لكنه لم يقتصر استخدامه على الأغراض الدينية فحسب، بل أصبح وسيلةً لتدوين الآداب والعلوم والفنون وسائر أنواع المعارف، حتى غدا هذا النموذج من الكتب جزءًا من الحياة اليومية، وهو ما سيُطلق عليه لاحقًا اسم الكتاب.

يصف الباحث في تاريخ الكتب والطباعة جاري فروست كتابة السِفر فيقول: «كان الكاتب يُملي نصه على مجموعة من المستملين، ثم يأخذ النسَّاخ هذه النسخ المُملاة ويحولونها إلى نسخ قريبة قدر الإمكان إلى نسخة الكاتب الأصلية»(2). ويضيف بنجامين إن أغلب هؤلاء النساخ كانوا من العبيد الذين يعملون تحت ظروف قاسية لإحداث نقلة ثقافية.

اكتشف: المثقفون الكبار يحكون عن قراءاتهم: مختارات من كتب سيرة القراءة

ما الفرق بين السِفر والطومار؟

الطومار هو نموذج المخطوطات والمكتوبات الذي سبق السِفر. وعلى عكس السِفر، لم يكن الطومار قائمًا على مطوية واحدة، بل كان عبارة عن عدة صفحات تُلصق بعضها ببعض فتكوِّن صفحة واحدة طويلة. ثم يُكتب على وجه واحد من هذه الصفحة وتُلف، ليفتحها القارئ شيئًا فشيئًا عند قرائتها. وإن كان كتابًا، فتُلصق الصفحات تباعًا ثم تُلف.

كان كلٌ من الطومار والسِفر يُصنعان من الورق البردي والرق، وكان الرق الأكثر استخدامًا في بعض الفترات لاعتبارات كثيرة، فقد كان المسيحيون لا ينظرون إلى الكتب التي تضم النصوص المقدسة كمادة قابلة للاستهلاك، بل يلزم أن تكتب النصوص على مادة متينة تصمد مع تغير الأزمان.

وتذكر بعض المصادر أن قسطنطين أوصى بعض الأساقفة في قيسارية على خمسين نسخة من الإنجيل لكنائس القسطنطينية مع الإصرار على أن تكون النسخ من الرق. وذكروا أن روما حين أدركت أفضلية الرق على ورق البردي بدأت تنسخ النصوص من ورق البردي إلى الرقوق، وهذا كله خلال القرن الثالث الميلادي.

استخدم الطومار والسِفر للغاية نفسها، ألا وهي التدوين، لكن الفروقات بينهما جعلت الأفضلية للسِفر، فقد كان اقتصاديًا يسهل حمله وتناقله، وكان من السهل إضافة أوراق عدة للسِفر دون التأثير على سهولة قرائته، على عكس الطومار الذي كانت آلية قرائته في حد ذاتها معقدة، ويزيد من تعقيدها أن كتابة عمل أدبي واحد فحسب يتطلب عادةً أكثر من طومارٍ واحد، وهو ما كان يشكل معضلةً كبيرةً للقارئ.

متى وأين بدأ استخدام السِفر؟

يقول بنجامين هارنيت إنه ليس هناك دليل قاطع يوضح من الذي اخترع السِفر وكيف بدأ استخدامه، إلا أن الكثير من الأدلة تُشير إلى أنه كان قيد الاستخدام قبل تبني المسيحيون الرومان له. ويضيف: «كل نص مسيحي قديم كان سِفرًا، لكن ليس كل سِفر قديم نصًا مسيحيًا». ويستعين في إثبات ذلك بخطابات بلينيوس الأصغر، وهو محامٍ وشاعر عاش في القرن الأول الميلادي، وذكر في كتاباته قصةً عن الشاعر مارتياليس المعاصر له، وروى عنه إعجابه الشديد بفكرة الأسفار، حتى إنه (أي مارتياليس) ذكر في إحدى قصائده توجيهًا لبائع كتب عن كيفية صنع الأسفار محددًا الميزة العظمى فيه قائلًا: «يمكنك حمله بيدٍ واحدة!».

ويشير بنجامين إلى أمثلةٍ أخرى ربما تدل على تواجد السِفر قبل توظيف المسيحية له في القرن الثاني، مثل منحوتة مصرية تصور بائع كتب يبيع الطومار مع السِفر، وجزء من سِفر لاتيني قديم، واكتشافٍ حديث وجد أن الطبيب جالينوس الإغريقي ذكر أسفارًا من ضمن ممتلكات فقدها إثر حريق.

ويدعم جاري فروست رؤية بنجامين، إذ يقول إنه ظهرت في مصر نماذجَ أوليةً من السِفر، وأن انطلاقة السِفر للعالم كانت من أفريقيا، وأن السِفر الأفريقي كان يصنع بجمع حوالي ثلاثة أمتار من البردي في لفافة، ثم تُقص هذه اللفافات على شكل مربعات، فتنتج صحفًا تُطوى لتشكل صفحات السِفر المستطيلة التي نعرفها. ويضيف جاري أن الأفارقة صنعوا السِفر بطريقتين. أولاهما كانت باستخدام رزمة واحدة، أي أن الصفحة الأولى والأخيرة من السِفر عبارة عن ورقة واحدة مطوية من المنتصف، تتبعها الصفحة الثانية مع الصفحة قبل الأخيرة، وهكذا؛ حتى تكون أول ورقة في الكتاب بمثابة غلاف للأوراق الباقية، وهو ما يشبه إلى حدٍ كبير طباعة الكتيبات الصغيرة (البوكليت – Booklet) في عصرنا الحالي.

أما الطريقة الأخرى فكانت باستخدام عدة رزم، إذ يأتون بورقة واحدة يطوونها إلى أربع قطع ثم يقصونها لتصبح صفحات، كما هو موضح في الصورة، ويعيدوا الكرة بأوراق أخرى ثم يخيطوا جميع هذه الرزم بعضها ببعض.

السِفر وانتشار المسيحية

ربما لم يخترع المسيحيون الرومان السِفر، لكن فضل انتشاره الواسع يعود إليهم. فاليهودية بطريقة أو بأخرى فرضت على المسيحيين إيجاد طريقة أخرى لتدوين معتقداتهم، إذ احتفظوا هم بالطومار رمزًا للمخطوطات اليدوية. كذلك وجد المسيحيون الرومان حاجة لجمع الأناجيل في كتب كاملة يسهل قرائتها وتداولها وتختلف عن المخطوطات الأخرى سواءً الدينية منها أو السياسية. وتلك كانت الميزة التنافسية للسِفر، فاختاره المسيحيون.

وبمرور الوقت، أصبحت الأسفار مقترنة بالمسيحية، بل أصبحت رمزًا لها، وقدَّسها المسيحيون. فنجد بنجامين يروي قصة اعتناق سان أوغسطين المسيحية، إذ أثناء جلوسه في حديقته سمع طفلًا يصيح: «خذه واقرأ!» فالتقط أوغسطين كتابه وفتح صفحة عشوائية، فوقعت عيناه على الخطابات التي وجهها بولس الرسول إلى الرومان، وكانت العبارات التي قرأها هي سر اعتناقه المسيحية. ويضيف بنجامين إن كثيرًا من كتب أوغسطين كانت طوامير ولم تكن مسيحية، لكن هذا الكتاب كان سِفرًا وكان مسيحيًا. فنستشف من هذه القصة مدى تعلق المسيحين بالأسفار ونظرهم إليها سبيلًا لنقل التعاليم الدينية وانتشار المسيحية في العالم.

كيف انتشر السِفْر واندثر الطومار؟

أوضحنا فيما سبق أن السِفر جاء حلًا لسلبيات الطومار التي كان أهمها صعوبة استخدامه للقراءات اليومية وصعوبة تداوله. لكن في المقابل، كان للسِفر العديد من الإيجابيات والميزات الذي جعلت انتشاره سهلًا بين الناس.

1.   السِفر حلًّا اقتصاديًّا

كان السِفر وسيلة اقتصادية للتدوين. وبرز ذلك خصوصًا في الحالات التي أراد فيها الكاتب إنتاج كتابٍ كبير. فباستخدام الطومار، كان يجب عليه جمع عدة صفحات ولفها بعضها ببعض، إلا أن الصفحة الخارجية لا يسعها احتواء سوى عدد معين من الصفحات، ما كان يشكل عائقًا كبيرًا عند إنتاج الكتب كبيرة الحجم. أما السِفر فحل هذه المشكلة بقابليته على احتواء عدد هائل من الصفحات في مجلد واحد.

2.   إتاحة ميزة التحكم في النص

كان للسِفر ميزات تقنية عديدة في عصر محدود التقنيات. فسواءً باستخدام الطومار أو السِفر، لم يستطع الكتَّاب آنذاك التحكم في المسافات بين الكلمات، أو الفصل بين الصفحات، أو الترقيم. لكن السِفر أتاح بعض ميزات التحكم في الصفحات، مثل التحكم في عرض الصور مع النص، إذ أمكن عرض الأيقونات في حقول منفصلة عن النص لعرض أكثر سلاسة للصفحة. وكذلك إمكانية ترقيم الصفحات والإحالة عليها، التي كانت ميزة من الميزات العظمى في السِفر، حيث أصبح من الممكن صنع الفهارس والإحالة على صفحات معينة داخل السِفر نفسه.

3.   سهولة تناقله

إن إحدى أهم ميزات السِفر سهولة تداوله بين أعضاء الطوائف المسيحية المختلفة. فقد واجهت الطوائف صعوبة في تناقل النصوص مع ما كانت تواجهه من قمعٍ وثني. لكن مع تطور آليات الإنتاج استطاع المسيحيون إنتاج الأسفار بسهولة، فلم يتطلب الأمر سوى شخص لديه مهارات تدوين كافية لنسخ النصوص المتداولة. وفرض السِفر أيضًا عملية صناعة وتوزيع واحدة مستقرة. إذ قبل ذلك كان من المستحيل تتبع الزلات التي يقع فيها الناسخون أو التحريفات التي يتعمدون إضافتها عند نسخ النصوص الدينية، ناهيك عن تلك التي كانت تحدث عند ترجمتها إلى لغات مختلفة. أما السِفر فأتاح منهجيةً في إنتاج وتوزيع النصوص مع الاعتماد على نسخة واحدة شاملة لها.

4.   سهولة قراءته

أتاح السِفر ميزة سهولة القراءة التي افتقر الطومار إليها. فكان من السهل التنقل عبر صفحات السِفر على عكس الطومار الذي كان على القارئ فتح طياته بينما يقرأ، ما جعله غير عملي في القراءات اليومية. كما أتاحت سهولة التصفح الوصول إلى فقرة معينة في السِفر بسهولة، على عكس الطومار الذي كنت تحتاج للنظر في النص بأكمله حتى تجد الفقرة التي تريدها.

تعرَّف إلى: فوائت الحياة: في مدح حياة لم نعشها

السِفر القديم والكتاب الرقمي – أي تشابه؟

ا شك أن اختراع السِفر وانتشاره قدَّم للعالم هدية ثمينة وساهم بقدر كبير في الانتشار الواسع للمسيحية ومن بعدها انتشار جميع الثقافات حين توسع استخدام فكرة السِفر لكتابة كل أنواع الفنون والعلوم. وفي عصرنا الحالي يمر الكتاب بنقلة شبيهة بالنقلة التي مر بها في القرن الثاني الميلادي، إذ يتجه العالم نحو الكتب الرقمية لسهولة الحصول عليها والتنقل بها، لكن ذلك يحتاج إلى مقالٍ آخر.

أعجبك المقال؟ شاركه: تويتر فيسبوك واتساب نسخ الرابط
م
منة حمدي
كاتب/ة في مدوّنة سماوي
10 مقالاً·كل المقالات ←

مقالات أخرى لـ منة حمدي

مقالات ذات صلة

أضف تعليقًا