مبادرة الشريك الأدبي: كيف أصبحت المقاهي ملجأً ثقافيًّا؟
كيف تحولت المقاهي إلى مراكز للثقافة والأدب في السعودية؟ اكتشف سر مبادرة الشريك الأدبي ونجاحها اللافت
15 September 2025 · 8 دقائق قراءة · 0 مشاهدة
إنَّ التحفيز على القراءة وتشجيع الأدب عنصران جوهريان من عناصر تطوير المجتمعات وتنمية الثقافة العامة، فالقراءة ليست هواية فحسب، بل هي -أيضًا- أداة من أدوات توسيع آفاق الفرد وتعزيز مهاراته اللغوية والتعبيرية.
زد على ذلك، أنَّها تمنحنا فرصة اكتشاف العوالم المختلفة والتعلُّم من تجارب الآخرين. ولأهمية القراءة والأدب، أخذت الدول العربية تكثف جهودها لتشجيع مواطنيها على التثقف من خلال مبادرات متنوعة.
تتحلى هذه المبادرات الساعية لتعزيز التحفيز على القراءة وتشجيع الأدب بأهمية كبيرة، إذ تعمل على إنشاء بيئات جاذبة للأفراد للمشاركة في القراءة والتفاعل الأدبي، وذلك من خلال توفير الوصول إلى مجموعة متنوعة من الكتب والمواد الأدبية وتنظيم فعاليات ثقافية، مثل: الندوات، والمحاضرات، والمسابقات.
مبادرة الشريك الأدبي السعودية مبادرة مهمَّة في هذا السياق، حيث تعمل على تحويل المقاهي إلى أماكن لنشر الأدب والثقافة بعرضها أمام عموم الناس، وذلك من خلال إقامة شراكات مع المقاهي.
زد على ذلك، أنَّ هذه المبادرة تكرم المقاهي المتميزة بجوائز، بلغت مليون ريال عام 2023، لتشجعها على تقديم تجربة أدبية مميزة للزوار، وبذلك تساهم في تعزيز ثقافة القراءة والأدب في المجتمع.
ونسعى في هذا المقال لتقديم المزيد من التفاصيل حول هذه المبادرة الهادفة، التي من شأنها إلهام الدول المختلفة للسير على نهجها أو التعديل فيه بما يتناسب مع أفراد هذه المجتمعات.
ما مبادرة الشريك الأدبي؟ وكيف بدأت؟
تبلورت مبادرة الشريك الأدبي على يد هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في عام 2021. وهي مبادرة على مستوى المملكة، تهدف إلى عقد شراكات أدبية مع مختلف المقاهي، لتصبح بمثابة مجالس أدبية.
وفي هذه المبادرة، تتنافس المقاهي، أي الشركاء الأدبيون، لتقديم أفضل الفعاليات والأنشطة الأدبية، فتتحول هذه المقاهي إلى أماكن تجمع عشاق الأدب والقراءة، ومساحات لاستعراض الأدب، حيث يتمكن الزوار من الاستمتاع بقراءة الكتب والمجلات بينما يستمتعون بأجواء القهوة والضيافة.
وتمر المبادرة في كل نسخة لها بأربع مراحل:
المرحلة الأولى: هي مرحلة التسجيل، حيث تبدأ المقاهي الراغبة في المشاركة بالتسجيل على موقع المبادرة.
المرحلة الثانية: وهي مرحلة فرز المقاهي واختيارها وترشيحها.
وقد حدد القائمون على المبادرة بعض المعايير التي يُختار على أساسها المقهى الذي سيشارك في المبادرة، وهي:
– أن يكون حجم المقهى ملائمًا لاستيعاب فاعليات المبادرة.
– أن تُختار المقاهي من شتى أنحاء المملكة.
– أن يكون لدي المقهى خطة عمل مفصلة، يوضح من خلالها آليات إدارة المبادرة.
– أن يكون لدى المقهى ما يكفي من العمالة المحترفة لاستيعاب الجماهير وتنظيم الفعاليات.
– أن يتمتع المقهى بأساليب إدارة احترافية، تمكنه من عقد شراكات مع المؤسسات الأدبية والأدباء الذين سيستعين المقهى بهم في الفعاليات.
المرحلة الثالثة: مرحلة الإعلان عن الشركاء الأدبيين وبدء فعاليات المبادرة، التي تستمر حوالي عشرة أشهر.
المرحلة الرابعة والأخيرة: وهي مرحلة الإعلان عن الفائزين.
ولضمان العدل بين المقاهي الكبيرة والصغيرة، تقسم المبادرة المشاركين فيها إلى ثلاث فئات. ويكون التصنيف بناءً على عدد الفعاليات التي تقيمها المقاهي، وكلما شارك المقهى في فئة أعلى حصل على مزايا أكثر.
أبرزها ضمان الأولوية في المشاركة في النشاطات التابعة لهيئة الأدب والنشر والترجمة، والفوز بأماكن في الرحلات التي تُنظم إلى المعارض والمؤتمرات الأدبية لزيادة فرص إقامة الشراكات. والميزتان متاحتان فقط للفئة الأولى، والتي يُنتظر منها إقامة أكثر من ثماني فعاليات.
ومن أهم نقاط القوة للمبادرة، اهتمامها بالترويج عبر منصات التواصل الاجتماعي، حتى جعلت منه شرطًا للشريك الأدبي. فعلى الشركاء كلِّهم توثيق فعالياتهم بالصور ومقاطع الفيديو ونشرها على منصات التواصل الاجتماعي، وذلك لضمان انتشار المبادرة ووصولها إلى أكبر عدد من الجمهور.
لا تفوت قراءة: بثينة العيسى.. كاتبةٌ مسكونة بالأسئلة
فعاليات المبادرة
تطرح المبادرة أنشطة أدبية عدة يستطيع المقهى الاختيار من بينها ومن أبرز هذه الأنشطة الآتي:
1. إقامة مناقشات للكتب ونوادي القراءة
إنَّ هذه المناقشات فرصة لتجمُّع القرَّاء ومناقشة الكتب التي طالعوها معًا، وتوفر المقاهي المشاركة منصة لإقامة هذه المناقشات واستضافة نوادي القراءة، حيث يُحدد كتاب للمناقشة، يطلع عليه القرَّاء، ويتجمعون في النادي لمناقشة أفكاره وإبداء آرائهم حوله.
2. تقديم أنشطة أدبية للأطفال
تهدف المبادرة -أيضًا- إلى تشجيع الأطفال على القراءة وتعزيز حبهم للأدب، فتنظم المقاهي أنشطة، مثل ركن الأديب الصغير، وتنظم فعاليات قراءة قصص الأطفال، حيث يتفق المقهى مع معلمين أو متطوعين لقراءة القصص لمجموعة من الأطفال في وقت محدد،
كما تُنظم ورش الكتابة، ومجالس القراءة المشتركة. فتسعى هذه الأنشطة كلُّها إلى خلق بيئة مرحة وتعليمية، تحفز الأطفال على استكشاف عالم الكتب وتطوير مهاراتهم القرائية.
3. الاحتفال بالأعياد الثقافية
تعمل المقاهي المشاركة في المبادرة على إحياء الأعياد الثقافية المختلفة وتنظيم فعاليات خاصة بها، يُسلَّط من خلالها الضوء على الأدب والثقافة المرتبطة بتلك الأعياد.
4. دعم الكُتَّاب السعوديين
تعمل المقاهي المشاركة على دعم الكتَّاب السعوديين وإبراز أعمالهم، فتوفر منصة للكتَّاب السعوديين لعرض كتبهم وتوقيعها، وتنظم جلسات توقيع الكتب، وجلسات مناقشة بين الكاتب والقراء.
بذلك، يتعرف القرَّاء على الكتاب المحليين فيشتهرون، ما يعزز الصناعة الأدبية المحلية ويشجع على إنتاج المزيد من الأعمال الأدبية.
5. الابتكار في الترويج للقراءة
تسعى المقاهي المشاركة إلى تبني أساليب إبداعية للترويج للقراءة وجذب القرَّاء. قد يشمل ذلك تزيين المقهى بزينة مستلهمة من الكتب أو بطباعة فواصل كتب عليها اسم المقهى وتوزيعها على الزوار مثلًا.
ويمكن أن تنظم المقاهي أيضًا فعاليات مميزة مثل مسابقات القراءة، وعروض الأداء المسرحي المستوحاة من الكتب، وعروض إلقاء الشعر، وتوفير مساحات للقراءة الهادئة والمريحة في المقهى.
هذه الأفكار الابتكارية تهدف إلى جعل القراءة تجربة ممتعة وجذابة للجميع.
جوائز المبادرة
تتميز مبادرة الشريك الأدبي بتقديمها جوائز مالية للمقاهي الفائزة في مختلف الفئات. تلك الجوائز تعتبر حافزًا قويًّا لتشجيع المقاهي على توفير بيئة مريحة وملهمة لعشاق الأدب. وتصنف الجوائز حسب الفئة كالآتي:
1. الفئة الأولى
تُطالب مقاهي الفئة الأولى بالقيام بأكبر عدد من الفعاليات، ولذلك يحصل المقهى الفائز فيها على الجائزة الأكبر، ويتراوح حجم الجائزة من 250 ألف ريال للفائز الأول في الفئة، و180 ألف ريال للفائز الثاني، و130 ألف ريال للفائز الثالث.
2. الفئة الثانية
يحصل الفائز الأول في الفئة الثانية على 120 ألف ريال، بينما يحصل الفائز الثاني على 90 ألف ريال، ويحصل الثالث على 60 ألف ريال. وتُطالب مقاهي هذه الفئة بالقيام بست إلى ثماني فعاليات في المبادرة.
3. الفئة الثالثة
من المفترض أن تقوم مقاهي هذه الفئة بأربع مساهمات أو خمس. وفي المقابل، يحصل الفائز الأول في الفئة على 50 ألف ريال، ويحصل الفائز الثاني على 30 ألف ريال، أما الثالث فيحصل على 20 ألف ريال.
وبجانب الجوائز التي تُعطى للمقاهي الفائزة، هناك ثلاث جوائز جانبية، مقدار كل منها 30 ألف ريال. وأولى هذه الجوائز تُعطى للمقهى الأكثر ابتكارًا في مساهماته. ويحصل على الجائزة الثانية المقهى الذي مثَّل ثقافة منطقته أفضل تمثيل.
أما الجائزة الثالثة فتُعطى للمقهى صاحب أفضل ظهور إعلامي، سواءٌ على منصات التواصل الاجتماعي أم غيرها.
أهداف المبادرة
إنَّ الهدف الجوهري للمبادرة هو: “نشر الثقافة والتحفيز على القراءة”، وإلى جانب هذا الهدف هناك عدَّة أهداف أخرى معلنة، لا بدَّ من أن نعرفها لنعي المبادرة أكثر.
1. جعل الثقافة أسلوب حياة
تحقق المبادرة هذا الهدف السامي من خلال توفير بيئة مشجعة على القراءة ومحفزة على المشاركة في الأنشطة الأدبية.
كما تقدم المقاهي فرصًا للمجتمع للتواصل والتفاعل مع الكتب والأدباء والقرَّاء الآخرين، ما يشجع على الاستمرار في التعلم والاستكشاف الثقافي ويخلق مجتمعات أدبية.
2. تعزيز قيمة الأدب في حياة الفرد
تجعل المبادرة الثقافة جزءًا من الحياة اليومية عن طريق إثراء ثقافة الأفراد، وتوسيع آفاقهم الأدبية، وتحبيبهم في القراءة والاطلاع.
بل من خلال المناقشات ونوادي القراءة والفعاليات الأدبية، ما يُنمى روح الإبداع والتفكير النقدي لدى الأفراد.
3. دعم انتشار الكتاب السعودي محليًّا وعالميًّا
تدعم المبادرة انتشار الكتاب السعودي محليًّا وعالميًّا، وذلك من خلال دعم الكتاب السعوديين وتسليط الضوء على إنتاجهم.
فبتوفير منصات لعرض الكتب وتوقيعها وتنظيم فعاليات ترويجية في المقاهي العامة، يشتهر الكتاب السعوديون ويزداد وعي الجمهور بأعمالهم، ما يساهم في تعزيز مكانتهم وانتشار أعمالهم في السوق الأدبي.
4. تعزيز دور مؤسسات القطاع الخاص والثالث في النهوض بالقطاع الثقافي
تعزز المبادرة دور مؤسسات القطاع الخاص والثالث في النهوض بالقطاع الثقافي، وذلك من خلال التعاون والشراكة مع المقاهي والمؤسسات الأدبية والثقافية الأخرى، التي لها تأثير قوي في الجمهور.
فبالربط بين هذه المؤسسات والأدب يُعزز الدور الثقافي للقطاع الخاص والثالث في المجتمع ويصبحان من أدوات نشر الثقافة.
5. إلهام الأفراد للإنتاج الأدبي والثقافي
تشجع المبادرة الأفراد على المشاركة في الأنشطة الأدبية والثقافية، وتقدم منصات لعرض أعمالهم الأدبية الخاصة، ما يحفزهم على التعبير عن أفكارهم وإبداعاتهم الأدبية والثقافية.
اقرأ أيضًا: الحكايات – الجزء الثالث من سلسلة أدب الرحلات
النتائج التي أحرزتها المبادرة فيما سبق
حققت مبادرة الشريك الأدبي نجاحًا باهرًا في نسختيها السابقتين، ويزداد النجاح عامًا بعد عام. ففي 2022، جذبت المبادرة 43 شريكًا أدبيًّا من 13 منطقة إدارية حول المملكة، وقام الشركاء بما يزيد عن 1700 فعالية ومساهمة.
والأهم من ذلك أنها استطاعت جذب أكثر من 54 ألف زائر من مختلف أرجاء المملكة وروجت لأكثر من 1400 كاتب وأديب من خلال استضافتهم في الفعاليات.
وبالنظر إلى هذه الأرقام، نستطيع قول إن المبادرة استطاعت إحداث تأثير قوي وفعال على مجتمع ابتعدت القراءة والتثقف عن قائمة أولوياته منذ فترةٍ طويلة، بعد عامين فقط من بدئها، ما يبشر بنجاحات أكثر في المستقبل.
أين وصلت المبادرة في نسختها لعام 2023؟
تواصل المبادرة نجاحها في نسختها الثالثة في عام 2023، بل يمكن القول: إنَّ عدد الشركاء الأدبيين تضاعف عن عام 2022 حتى وصل إلى أكثر من 80 شريكًا أدبيًّا.
وقد اكتملت المرحلة الثالثة من المبادرة، إذ أُعلن عن المشاركين في الأول من سبتمبر، وبهذا انطلقت الفعاليات. وستستمر هذه المساهمات والفعاليات حتى يوم الإعلان عن الفائزين والمحدد بتاريخ 15 يوليو من عام 2024.
ولا يزال باستطاعتك المشاركة في المبادرة إذا كنت أديبًا أو ناشطًا أدبيًّا مستقلًّا، أو تابعًا لنادي قراءة، أو تابعًا لأية جهة مهتمة بالأنشطة الأدبية من خلال التسجيل في موقع المبادرة.
تمثِّل مبادرة الشريك الأدبي السعودية فرصة رائعة لتعزيز ثقافة القراءة والأدب في البلاد، وتحويل المقاهي إلى مراكز ثقافية مهمة. فهذه المبادرة توفر بيئة مشوقة ومحفزة للقراءة والتفاعل الأدبي.
كما تساهم في تقديم الدعم والتشجيع لأصحاب المقاهي للابتكار وتطوير أعمالهم في مجال الأدب والثقافة.
لذلك، علينا نحن الجمهور دعم المبادرة والمقاهي من خلال حضور الفعاليات والترويج لها على منصات التواصل الاجتماعي، حتى تستمر المبادرة في الانتشار وتعم الثقافة.
