سماوي Samawy Blog
الرئيسيةمقالات
كلُّ ما يهمك معرفته عن صناعة النشر
مقالات

كلُّ ما يهمك معرفته عن صناعة النشر

«القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ» هذا ما قاله عميد الأدب العربي طه حسين في ستينيات القرن الماضي، حينما أراد نقل صورة بانورامية عن حالة التكامل الثقافي آنذاك؛ إذ أدرك…

آ
آلاء سلامة · كاتب/ة
3 March 2026 · 6 دقائق قراءة · 0 مشاهدة

«القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ» هذا ما قاله عميد الأدب العربي طه حسين في ستينيات القرن الماضي، حينما أراد نقل صورة بانورامية عن حالة التكامل الثقافي آنذاك؛ إذ أدرك الكتَّاب منذ فترة طويلة قيمة النشر الذي كان وما زال وثيقة ميلاد وشرطًا للحيازة. وأصبحت عبارة «انشر أو يموت» عنوانًا بارزًا يميز الحاجة الملحة إلى النشر. وسنتتبع في مقالي هذا صناعة النشر في العالم العربي، محاولين تقديم صورة متكاملة عنها ومبسَّطةٍ قدر الإمكان

تاريخ النشر

مرَّت صناعة النشر بمراحل مختلفة حتى أصبحت على ما هي عليه الآن، نستعرض معًا مراحل التطور تبعًا للعصور المختلفة:

العصر الجاهلي

لم يكن للعرب في العصر الجاهلي أدب أو علم أو فن مكتوب، إذ كانت الأخبار، والتواريخ، والعلوم، والأمثال، والحكم تتوارد بالنقل الشفاهي. والنصوص الوحيدة المكتوبة في تلك الفترة، هي: المعلقات، ومكاتبات العبيد، وبعض النقوش الحجرية.

العصر الإسلامي

إنَّ القرآن الكريم أول كتاب مُدوَّن في فجر الإسلام، أما الأحاديث النبوية فلم تُدون إلا مع نهاية القرن الأول الهجري (السابع الميلادي). وفي العصر الأموي لم تكن صناعة النشر ذات شأن يُذكر، إذ بدأت هذه الصناعة في العصر العباسي في منتصف القرن الثاني الهجري، وكانت تُعرف آنذاك بالوراقة، وازدهرت على مدى خمسة قرون نتيجة عوامل عدَّة:

1- التدوين: كتابة وتدوين العلوم التي كانت تنتقل شفاهيًّا بين الناس.

2- الترجمة: (النقل) كما كانت تُدعى، والقائم بها يُسمى (الناقل). اهتمت الدولة العباسية بترجمة الكتب اليونانية واللاتينية والفارسية والمصرية القديمة والسريانية إلى اللغة العربية.

3- التأليف: استخلص المسلمون ما في العلوم الأجنبية وألَّفوا فيها، إلى جانب التأليف الأصيل في العلوم العربية والإسلامية.

استنادًا إلى هذه الركائز الثلاث، ظهر النشر في العصر الإسلامي وازدهر، وبدأت تبرز مراكز النشر في مواقع مختلفة في العواصم والمدن الكبرى.

العصر الحديث

اخترع جوتنبيرج الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، بيد أنَّها لم تدخل إلى الساحة العربية إلا بعد ثلاثة قرون على الأقل، حيث نشأت أول مطبعة في حلب عام 1706، ثم في جبل شوير بلبنان عام 1733. ومع قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798، أُنشِئت المطبعة الرسمية للحملة الفرنسية، ثم أُنشِئت مطبعة بولاق عام 1820 على يد محمد علي، ونُشِر العديد من المؤلفات والكتب المترجمة باللغة العربية والتركية، والتي عُرفت فيما بعد باسم المطابع الأميرية.

تقدمت صناعة النشر خاصة في لبنان ومصر والعراق وسوريا، وبعدها في باقي الوطن العربي. وانتشرت دور النشر الخاصة والحكومية بشكل أوسع، وإن كان عدد العناوين والكميات المطبوعة ما زالت ضئيلة مقارنة بالدول المتقدمة.

ومما سبق، نجد أنَّ هناك فارقًا زمنيًّا في بدايات النشر بين العالم العربي والعالم الغربي؛ أدى إلى وجود قواعد ثابتة ومنظمة للعلاقات بين أطراف صناعة النشر لدى الغرب على وجه الخصوص، وانعدامها في العالم العربي.

اقرأ أيضًا: آفاق المستقبل في صناعة النشر: حوار مع الكاتب والناشر «محمد الفريح»

مفهوم النشر

عُرِّف النشر في الموسوعة العربية بأنَّه: «عملية إعداد وتصنيع وتسويق الكتب والمجلات أو أية مطبوعات أخرى، أما نشر الكتب فهو صناعة صغيرة نسبيًّا ذات أهمية بالغة في الحياة التعليمية والثقافية». ويُعدُّ النشر نشاطًا يتيح المعلومات والكتابات الأدبية وغيرها للجمهور للبيع أو مجانًا، ويمثل عملية إنتاج ونشر المعلومات بأشكال مختلفة، ويشير المصطلح إلى إنشاء وتوزيع الأعمال المطبوعة مثل الكتب والصحف والمجلات، ومع ظهور التكنولوجيا الرقمية ونظم المعلومات والإنترنت في مجال صناعة النشر توسعت لتشمل الموارد الإلكترونية من الكتب والدوريات والمواقع الإلكترونية.

من هو الناشر

من الممكن أن يكون الناشر شخصًا بمفرده أو مؤسسة –دار النشر- ويُعرَّف الناشر –أو دار النشر- بأنَّه: «مؤسسة أو شخص يقوم بإصدار وطبع وتوزيع الكتب أو المجلات والصحف، ويتحمل مسئولية التمويل المالي إلى جانب مخاطر النشر»، كما يعرف الناشر بأنه: «الذي يدير عملية النشر بين المؤلف والطابع والموزع بماله وجهده ووقته حتى يصل إلى القارئ». فالناشر هو المسؤول عن التحضير والمعالجة والطباعة والتوزيع وليس عن النسخ فقط.

أنواع النشر

  • النشر الطبي: يختص بالأوراق الطبية من مستندات وتقارير ومقالات، وتنشر الدوريات الطبية التابعة للمستشفيات حول حالة طبية جديدة أو عملية نادرة، فتُكتب التقارير الطبية وتُنشر ليُستفاد منها، وعند انتشار مرض في فترة معينة تُكتب تقارير ومقالات للوقاية من هذه الأمراض، أو حتى في حالة التحذير من أدوية ما.
  • النشر الأدبى: يتمحور حول تبادل وتناقل الأعمال الأدبية المكتوبة التي تعبر عن مشاعر الأديب وأفكاره، وتُعدُّ القصص والروايات الأدبية والأشعار والنثريات المنقولة عبر دور النشر نشرًا أدبيًّا.
  • النشر العلمي: يعْمد هذا النوع إلى نقل المحتويات الأكاديمية، ويهتم به بالدرجة الأولى الجامعات وطلابها، وتكون لها جهات مختصة مسئولة عن النشر
  • النشر الإعلامي: شاع النشر الإعلامي شيوعًا كبيرًا بعد الثورة التلفزيونية، وتعددت وسائل النشر: الراديو، والتلفاز، والجرائد، والإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي.
  • النشر القانوني: يهتم بنشر التفاصيل القانونية حول بعض القضايا والحالات والقوانين، لتفسير الوضع القانوني لمن يهمه الأمر وبغرض نفع القضاة والمحامين.
  • النشر الهندسي: يهتم بنشر طرز التصميم ومكونات البناء وأي متعلقات هندسية.

وسائل النشر

  • النشر الإلكتروني؛ إنتاج سريع وعالٍ لكم هائل من الوثائق والمعلومات، مع إمكانية التعديل والتحديث بعد نشرها
  • النشر الورقي؛ إنتاج كلِّ ما هو ورقي، حيث تتطور خلاله المعلومات ببطء قد تستغرق شهورًا وربما سنوات، ويصعب تعديل محتواه وتحديثه بعد نشره.

حلقات النشر

الشائع أن النشر يتضمن ثلاث حلقات يشترك فيها أربعة أطراف، وهي على التوالي

  • الحلقة الأولى (التأليف): هو المبدع المسؤول عن المادة العلمية، سواء أكانت مُؤَلفًا معنويًّا أم طبيعيًّا.
  • الحلقة الثانية (الطباعة أو التصنيع): في هذه المرحلة، تُحوَّل المادة العلمية إلى منتج نهائي، يمكن تداوله بين الناس عن طريق إنتاج عدة نسخ منه.
  • الحلقة الثالثة (التوزيع): هنا تأتي مرحلة إيصال هذه النسخ للناس عن طريق السوق المتاح المختص، وهذا ما يقوم به الموزع أو بائع الكتب بواسطة المكتبات أو الأفراد.

تتكامل الحلقات الثلاث لتشكل ما يُعرف بصناعة النشر، ولكننا تحدثنا سابقًا عن وجود أربعة أطراف، فما هو الطرف الرابع؟ إنَّه الناشر؛ الوسيط المسؤول عن إدارة المشروع كاملًا، وهو من يتفق مع المؤلف ليحصل على المادة العلمية لنشرها مقابل مبلغ مادي، فيحول هذه المادة العلمية إلى كتب على نفقته، ويجهز العدد المطلوب من النسخ، وأخيرًا يدفع بها إلى بائع الكتب أو الموزع، ومن ثم يحصل على رأس المال والربح بعد خصم نسبة ربح الموزع.

مهام يقوم بها الناشر

1- يتولى الناشر تكوين فريق عمل من المستشارين، والمحررين، والمصممين، والفنانين، والمراجعين الذين يحولون المسودة الأولى إلى كتاب يتلقاه القارئ بعد تحريره، ومراجعته، وتنسيقه، وإخراجه.

2- يختار الناشر الموضوعات التي تهم المجتمع والقريبة منه، نتيجة احتكاكه بالقراء في المكتبات، وأيضًا يحدد الكميات المطبوعة وعدد الطبعات.

3- يتحمل الناشر مسئولية التمويل إلى جانب تحمله مخاطر النشر.

4- ينظم العلاقة بين أطراف النشر الثلاثة ويديرها ببذل ماله وجهده ووقته، حتى يصل المنتج العلمي إلى القارئ.

5- تقع على عاتق الناشر مسؤولية ثقة القارئ لا على عاتق المؤلف فحسب، لأن لديه الفريق والخبراء لتمييز الكتاب الجيد من الرديء وتقديمه للقارئ.

تعرَّف إلى: زوار معارض الكتب

تحديات تواجه الناشر

على الرغم من النجاحات التي تحيط بعالم النشر والطباعة، بيد أنَّ هنالك عددًا من التحديات التي تقع على عاتق الناشر، سأذكر بعضًا منها في السطور التالية

  • قلة الموارد المغذية لصناعة النشر مثل الورق وغيرها بسبب الكوارث الطبيعية أو الوضع السياسي والاقتصادي للبلاد وبالتالي ارتفاع تكلفة إنتاج الكتب.
  • التزوير والقرصنة؛ تفشي ظاهرة التقليد وطباعة الكتب في مطابع غير مرخصة بجودة أقل وبالتالي عرضها للجمهور بسعر أقل، أو إتاحتها إلكترونيًّا دون مقابل، ما يؤدي إلى كساد سوق النشر الأصلي، وهو ما يمثل اعتداءً سافرًا على حقوق الملكية الفكرية للمؤلف والناشر
  • عدم إتاحة الفرصة أمام المؤلف والناشر لطباعة الكتب المدرسية ونشرها، كما هو معمول به في البلدان المتقدمة، واحتكار بعض المطابع الرسمية لهذه الصناعة
  • ضعف الميزانيات المخصصة لشراء الكتب في المكتبات المدرسية والجامعية والعامة، والمراكز الثقافية التابعة للوزارات المعنية.
  • الارتفاع المتواصل في أسعار الدعاية والإعلان بوسائل الإعلام الحكومية والخاصة.
  • ارتفاع تكاليف إيجار المعارض العربية، والتي أصبحت من أهم منافذ توزيع الناشر العربي بل يكاد يكون الوحيد لدى بعضهم.
  • اقتصار المثقفين على القراءة المتخصصة حسب التوجه الفكري.
  • تراجع الاهتمام بالقراءة، وعدم الاهتمام بالكتاب بوصفه مصدرًا من مصادر المعرفة والاعتماد على ثقافة العناوين.
  • ضعف القدرة الشرائية لدى المواطن.

ختامًا؛ تُعد صناعة النشر ذات أهمية بالغة في إيصال العلوم في مختلف المجالات إلى القُرَّاء ورواد المعرفة، وأهمية دور النشر تتعدى الطبع، والنشر، والتوزيع إلى كونها السبيل إلى التعرف على المعلومات القيمة والمفيدة وأفكار الأدباء والمفكرين ونشر العلم والمعرفة. وتتجلى أهمية صناعة النشر أيضًا في مسيرة التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية عالميًّا، بما لها من قدرة كبيرة على التكيُّف والتطور على الرغم من تعرضها للكثير من التحديات والأزمات.

أعجبك المقال؟ شاركه: تويتر فيسبوك واتساب نسخ الرابط
آ
آلاء سلامة
كاتب/ة في مدوّنة سماوي

مقالات أخرى لـ آلاء سلامة

مقالات ذات صلة

أضف تعليقًا