هيئة الأدب والنشر والترجمة: صناعة التحول في المشهد الثقافي السعودي
تعرف على دور هيئة الأدب والنشر والترجمة في إحداث نقلة نوعية في المشهد الثقافي السعودي من خلال مبادرات نوعية تدعم الكاتب والقارئ وصناعة النشر.
8 September 2025 · 8 دقائق قراءة · 0 مشاهدة
ترصد تقارير اتحاد الناشرين العرب نموًا كبيرًا في السوق الثقافي السعودي خلال السنوات القليلة الماضية، إذ شهد القطاع نموًا في عدد الإصدارات منذ جائحة كورونا، كما زادت دور النشر، وتعددت العناوين، ما يجعله سوقًا ثقافيًّا واعدًا.
ومن المؤسسات الرئيسة التي تقود التحول في المشهد الثقافي هيئة الأدب والنشر والترجمة، وفي هذا المقال نتعرف على الهيئة وأنشطتها في المجال الثقافي داخل السعودية.
تأسيس هيئة الأدب والنشر والترجمة
تأسست الهيئة عام 1441هـ الموافق 2020م لتكون الهيئة المسؤولة عن تنظيم الأدب والنشر والترجمة في المملكة. وقامت الهيئة بتحديد أهدافها على مستويات؛ المستوى الأول هو المواطن مؤلفًا وقارئًا، فأطلقت من أجله العديد من المبادرات مثل قافلة الفل، وبابا طاهر. أما المستوى الثاني فهو الناشر ودعمه بعدد من المبادرات مثل ملتقى الترجمة، والشريك الأدبي، ومُسرِّعة أعمال النشر، وبرنامج النشر الرقمي وغيرها.
وفي إطار رؤية المملكة 2030م فإن الثقافة أحد المجالات التي تعول عليها المملكة؛ فعلى الصعيد المحلي تسعى المملكة لمزج الثقافة بالحياة، وجعلها أحد المقومات التي ترتكز عليها حياة المواطن السعودي، وذلك بتيسير سبل الحصول على الكتب سواء بتوفير منافذ متعددة تتيح الكتب الورقية، أم بإتاحة أنواع أخرى من الإصدارات مثل الكتب الرقمية والصوتية، وتنويع الإصدارات، وتحسين جودة الكتب المترجمة، وزيادة عناوينها.
بالإضافة إلى مساعدة القائمين على صناعة النشر بتوفير التقنيات اللازمة لهم، وتقديم الدعم المادي والفني اللازم. وعلى الصعيد الدولي فإن المملكة ترغب في أن تساهم الثقافة في رفع مكانتها دوليًّا وإقليميًّا، وهو ما بدا واضحًا خلال السنوات الماضية إذ بدأت المملكة تحصد ثمار ما بدأته هيئة الأدب والنشر والترجمة.
فعاليات وأنشطة هيئة الأدب والنشر والترجمة
1. قافلة الورد لنشر المحتوى الأدبي
الجزيرة العربية هي موطن الشعر ومستقره، فيتذوق المواطن السعودي الشعر بمختلف اتجاهاته وألوانه. لذا نظمت الهيئة قافلة الورد، يطوف فيها عدد من الشعراء مثل: عيضة السفياني وأحمد الهلالي وأمين العصري ووفاء خنكار ولطيفة العصيمي ومحمد أبو نمال، بين مدن المملكة؛ الرياض والقصيم وحائل والجوف. ويمكن للجمهور حضور هذه الفعاليات بمجرد تسجيل الرغبة في الحضور.
2. مبادرة الشريك الأدبي
«من المقاهي إلى المجتمع؛ نمهد للأدب طريقًا».
في إطار نشر الثقافة في المجتمع السعودي، وجعلها جزءًا أساسيًّا من حياة الفرد ومصدرًا للمعرفة، أطلقت الهيئة مبادرة «الشريك الأدبي»، بالتعاون مع المقاهي من أجل الترويج للأعمال الأدبية، وهي فكرة مبتكرة وفعالة إلى حد بعيد، وتهدف كسابقتها قافلة الورد إلى أن تذهب الثقافة إلى المواطن، في هذه المرة ستكون الثقافة على المقاهي.
وحددت الهيئة أهداف المبادرة، فهي ترنو لجعل الثقافة أسلوب حياة، وتعزيز قيمة الأدب في حياة الفرد، وإلهام الأفراد للإنتاج الأدبي والثقافي، ودعم انتشار الكتاب السعودي، وتعزيز دور مؤسسات القطاع الخاص في النهوض بالقطاع الثقافي.
تشهد كل نسخة تطورًا في أعداد المشاركين، حيث وصل عدد المشاركين في النسخة الثالثة الحالية إلى 80 مقهًى، ما يفوق النسخة الثانية التي شارك فيها 43 مقهًى فقط. وهذا يؤكد أنَّ المبادرة تحظى باهتمام كبير من عامٍ إلى آخر، ويجعلنا نتوقع زيادة في الأرقام التي تحققت في النسخة الثانية، التي بلغت عدد فاعلياتها 1475 فاعلية، وتنوعت بين مناقشة الكتب ونوادي القراءة وركن لأدب الطفل. وبلغ إجمالي الزوار 54,416 زائرًا، وبلغ عدد الضيوف من الكتاب والأدباء 1492 ضيفًا.
وساهمت الهيئة بدعم الأدباء السعوديين بالدعاية لهم بطرق وأساليب مبتكرة، كما روجت للمبادرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهيأت المقاهي لاستقبال الفعاليات، هذا بالإضافة إلى تقديم جوائز لكل فئة من المقاهي باعتبارها أفضل شريك أدبي والتي بلغت:
- الفئة (أ): 250 ألف ريال للفائز الأول، و180 ألف ريال للفائز الثاني، و130 ألفًا للفائز الثالث.
- الفئة (ب): فتبلغ جوائزها 120 ألفًا للأول، و90 ألفًا للثاني، 60 ألفًا للثالث.
- الفئة (ج): 50 ألفًا للأول، ثم 30 ألفًا ثم 20 ألفًا للمركزين الثاني والثالث تتابعًا.
فضلًا عن عددٍ من الجوائز الخاصة.
اعرف أكثر عن مبادة الشريك الأدبي على مدونة سماوي
3. مبادرة الأدب في كل مكان
نظمت الهيئة مبادرة «الأدب في كل مكان» للتسويق للكتاب والمؤلف، وتتيح الهيئة للمؤلفين والناشرين والمنتجين إتاحة إنتاجهم مجانًا للمستفيد السعودي في مقابل الدعاية والتسويق اللذين تقوم بهما الهيئة. وتتضمن المبادرة مسارين؛ الأول «ق. ق.» وهو يحتوي على عدد من القصص القصيرة سهلة التناول في أي مكان. أما المسار الثاني فهو «سحابة أدب» ويوفر محتوى مسموعًا باللغتين الإنجليزية والعربية، في مدة لا تقل عن 15 دقيقة.
يتيح المشروع منصة مكتبة إلكترونية تحتوي على مجموعة كبيرة من القصص القصيرة في الأماكن العامة، وجعلها في متناول الجميع عن طريق رمز استجابة مرتبط بالمنصة. ويمكن لأي شخص الولوج إلى القصص ليقرأها إلكترونيًّا أو يسمع ما يختاره من خلال أجهزة متاحة في عدد من محطات القطار، فيقوم بمسح رمز الاستجابة السريع (QR Code) على هاتفه، ليحصل على ما يريد، فيستغل بذلك وقت انتظاره ليقرأ أو يسمع. وهكذا يستفيد كلٌّ من المواطن بالحصول على شيء مفيد يقرؤه أو يسمعه مجانًا، بينما يحصل الناشر، أو المنتج للملف الصوتي، أو المؤلف على دعاية مجانية لمنتجه.
4. مبادرة الكتاب للجميع
«الكتاب للجميع» واحدة من أهم المبادرات التي أطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة، لتعزيز قيمة القراءة وجعلها نمطًا صحيًّا يوميًّا للمجتمع السعودي. تعمل المبادرة على تسهيل اقتناء الكتب، حيث توفر الهيئة عددًا من ماكينات بيع الكتب، يمكنك من خلالها اختيار الكتاب الذي تريده، ثم شراؤه فورًا. تتوفر ماكينات بيع الكتب في عدد من المحطات، ويشارك فيها عدد من كبار الناشرين مثل جرير والعبيكان ومدارك.
أما المسار الثاني فهو تطبيق «ولاء ون»، والذي يقدم للقارئ باقة مميزة من العروض والخصومات يمكنك استخدامها في معارض الكتب وشراء أجهزة القارئ الإلكتروني، وقسائم شرائية لدور النشر والمكتبات التجارية.
5. مبادرة بابا طاهر
وفي إطار تشجيع كُتَّاب الأطفال على الإبداع، ومن أجل تنمية مواهبهم؛ أطلقت الهيئة مبادرة «بابا طاهر» تخليدًا لاسم رائد أدب الطفل ومؤسس أول مجلة أطفال في المملكة «طاهر زمخشري»، وتهدف هذه المبادرة إلى إثراء مكتبة الطفل العربي بمنتجات أدبية محلية مميزة، وكذا تقوية العلاقة بين الطفل والكتاب ليكون لدينا «طفل يقرأ»، وذلك من خلال ثلاثة مسارات هي:
- مسار القصة وجائزتها 60 ألف ريال.
- مسار الرواية القصيرة وجائزتها 70 ألف ريال.
- مسار القصص المصورة (المانجا) وجائزتها 60 ألف ريال.
وفي سياق تدريب الأطفال على فن المانجا أطلقت الهيئة بالتعاون مع شركة مانجا للإنتاج البرنامج التدريبي (صناعة المانجا) للأطفال واليافعين والموهوبين في فن المانجا باستخدام التقنيات اليابانية للتعليم.
كما دعمت الهيئة الاهتمام بتحويل بعض قصص الأدب السعودي إلى المانجا، وفي هذا الإطار تعاونت مع شركة «مانجا» العربية التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» في مشروع لتحويل أربع قصصٍ من الأدب السعودي إلى المانجا في معرض الرياض عام 2023.
اقرأ أيضًا: هل يقضي الذكاء الاصطناعي على حرفة الترجمة؟
6. معارض ومؤتمرات هيئة الأدب والنشر والترجمة
اهتمت الهيئة بإقامة عدد من المعارض والمؤتمرات، يأتي على رأسها «مؤتمر الرياض الدولي للفلسفة» الذي يعقد سنويًّا، والذي جاء عنوان نسخته لعام 2023 «القيم العابرة للثقافات والتحديات الأخلاقية في العصر التواصلي». ويهدف المؤتمر إلى ترسيخ أسس الفلسفة وأساليبها التمكينية وأدواتها بين المملكة والعالم. كما يعقد عددًا من المحاضرات والحلقات النقاشية والحوارات الفكرية وورش العمل، فضلًا عن اهتمامه بتعزيز الفكر الفلسفي للأجيال الناشئة بفعاليات متعددة لتزويدهم بالمهارات والمعارف الفلسفية.
ولمعارض الكتب أيضًا اهتمام خاص، فهي التقاء بين الناشر والقارئ، وإثراء للحياة الأدبية والثقافية في المملكة، وتعزيز لدورها ومكانتها على المستويين العربي والدولي، لذلك تولي هيئة الأدب والنشر والترجمة المعارض اهتمامًا خاصًّا.
وفي سبيل ذلك تقام ثلاثة معارض دولية للكتاب بالمملكة في مدن الرياض وجدة والمدينة المنورة، وتجتذب المعارض عددًا كبيرًا من دور النشر المحلية والعربية والإقليمية، كما تشارك بعض دور النشر الدولية. ووصل عدد المشاركين في معرض جدة للكتاب في دورته عام 2023 إلى 400 دار نشر محلية ودولية.
7. مبادرات الترجمة وفعالياتها
وعلى نطاق محور الترجمة فإن الهيئة تولي الترجمة اهتمامًا كبيرًا، لا سيما أنها الوسيلة التي يطَّلع بها أبناء المملكة والعرب على المعارف التي توصَّل الغرب إليها، فتعمل على نقل معارفهم وآدابهم للغة العربية. وفي سبيل ذلك يقام سنويًّا «ملتقى الترجمة» للتأكيد على دور المترجم في التواصل الحضاري بين العوالم المختلفة، ونقل الأفكار والرؤى في تبادل ثقافي يساعد على بناء الحضارات.
ويسلط الملتقى الضوء على الترجمة ومهنة المترجم وواقعها ومستقبلها، وكيفية النهوض بها في المملكة، وتشجيع المترجمين على الاستفادة من التقنيات الحديثة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ورفع الوعي الشعبي بأهمية الترجمة ودورها.
يشمل الملتقى عددًا من الفعاليات، منها مناقشة أهم القضايا المستجدة في مجالات الترجمة، وورش عمل لنقل الخبرات والتواصل بين المترجمين، ومعرض للجهات الدولية والمحلية في قطاع الترجمة.
وفي إطار تقنين الترجمة والنهوض بها، أصدرت المملكة «الدليل المهني للمترجم» الذي يمكن اعتباره مرشدًا للمترجم يمكنه الاعتماد عليه.
كما تبنت المملكة مبادرة «ترجم» التي تشجع المترجمين السعوديين على الترجمة، وذلك في مساري منح الترجمة والدوريات الأكاديمية. إذ تقدم الأولى لدور النشر السعودية والمترجم السعودي فقط من أجل دعم حركة التأليف والنشر في السعودية، وتمكين المترجمين السعوديين من إنتاج مواد مترجمة ذات قيمة معرفية عالية لإثراء المحتوى العربي بالمواد.
ولا تشمل المنحة: الكتب السياسية؛ الكتب الدراسية؛ المعاجم؛ المجلات؛ الدوريات؛ الكتب الإرشادية؛ أطروحات الدكتوراه؛ المؤلفات الأكاديمية. ومن الكتب التي تبنتها المبادرة: أبعد من البيت؛ أربع فرضيات للمستقبل: حياة ما بعد الرأسمالية؛ أطول جبل من الكتب في العالم.
8. مبادرات النشر وفعالياته
1. برنامج التحول الرقمي
أطلقت هيئة الأدب والنشر والترجمة هذا البرنامج من أجل تنويع إصدارات الناشرين، وإثراء المكتبات الرقمية بالمحتوى العربي، ودعم وتسهيل وصول القارئ للكتب الإلكترونية بما يتوافق مع قوانين الملكية الفكرية. وللمبادرة ثلاثة مسارات؛ الأول للكتب الرقمية، والثاني للكتب الصوتية، والأخير لكتب الأطفال.
حيث تقوم دور النشر أو المؤلفون الراغبون في تحويل إنتاجاتهم رقميًّا بالتقدم بالطلب لمنصة مبادرة النشر الرقمي، ويتم الإرسال إذا ما تمت الموافقة عليه خلال ثلاثين يومًا. وتشترط الهيئة وضع شعارها على الكتاب وكذلك مشاركتها بيانات البيع خلال ستة أشهر بعد التحويل.
2. دار النشر السعودية
قامت الهيئة بتأسيسها لتقدم خدماتها لقطاع النشر السعودي، والتركيز على: دعم دور النشر الناشئة والصغيرة والمطابع المحلية والممارسين السعوديين والمؤسسات المتخصصة في مجالات النشر والتأليف والاستثمار في التقنيات الحديثة للنشر؛ وذلك للعمل على دعم صناعة النشر وتطويرها، وإثراء المشهد الثقافي، ودعم الناشرين والممارسين والهيئات الثقافية والجهات ذات العلاقة في قطاع النشر، وتوزيع الكتاب السعودي محليًّا وعالميًّا.
وختامًا، فإن جهود هيئة الأدب والنشر والترجمة تسعى بخطى ثابتة نحو المزيد من التقدم في المجتمع السعودي ثقافيًّا، وتصنع للمملكة السعودية والمحتوى العربي موقعًا ثقافيًّا عظيمًا بين الأمم.
