المعارك الأدبية: نعمة ونقمة
رحلة بين أشهر المعارك الأدبية التي شكلت مسار الأدب العربي بين الدفاع عن التراث ودعوات الحداثة
14 September 2025 · 9 دقائق قراءة · 0 مشاهدة
شهدت الحياة الأدبية العربية في العصر الحديث صراعات كثيرة وطويلة، استغرق بعضها أكثر من عقد. تبارى فيها الأدباء كلٌّ منهم يذود عن أدبه وفنه وقامته، يدافع بشموخ عن كرامته الأدبية، ومكانته الثقافية، ويثأر لشخصه مما ناله من أقرانه.
فظلوا يقاتلون بالأقلام على صفحات الكتب والصحف والمجلات حتى الرمق الأخير من حياتهم دونما استسلام؛ فأبدع فيها كلٌّ بأسلوبه، وأضفى عليها شيئًا من روحه. فجاء السجل الأدبي للمعارك الأدبية مميزًا وفريدًا، تنوعت أسبابها ولكنها طوَّرت من مسار الأدب، وأنضجته، سُطِّرَ فيها مئات الصفحات، وبعضها لم يزل غبارها يطفو في الجو، ولا يجد استقرارًا.
لقد كانت هذه المعارك الأدبية معارك حامية الوطيس لا تقل حدة عن المعارك التي استُخدِم فيها السيف والحربة، لها ضحاياها كما لها مكاسبها. معركةٌ السلاحُ فيها قلم، والدرع فيها لغة، والنصر فيها مكانة أدبية مرموقة، دارت جولاتها في كل مكان شعرًا ونثرًا في النوادي الأدبية، وعلى صفحات الجرائد والمجلات، بل أنتجت كتبًا دفاعًا أو هجومًا عن هذا الموقف أو ذاك.
تنوعت الأسباب التي دارت لأجلها المعارك الأدبية، فمنها المعارك ذات الأهداف السياسية، حيث استغل الخصوم السياسيون الأدب فأقحموه في خلافاتهم، أو استغلَّ الأدباء السياسةَ ليصفُّوا خصومهم الفكريين، ولعل الشطر الثاني من معركة الشعر الجاهلي مثال شاهد على ذلك، فقد استغل خصوم طه حسين سقوط الوزارة ليعلنوا الحرب عليه، وتُعاد مناقشة الكتاب في البرلمان، واستغلوا حماسة الشباب لإخراج المظاهرات ضد طه حسين.
أما النوع الثاني من أسباب المعارك الأدبية فهو الخصومات الشخصية التي ظهرت جلية في المعارك الأدبية، ولعل معارك الرافعي مع عميد الأدب العربي تُعدُّ مثالًا شاهدًا على تلك الخصومة، فقد كان الرافعي يطمع في أن يكون أستاذًا للأدب العربي بدلًا من طه حسين، فشغل صراعهم الأدبي صفحات الأدب. وللسبب نفسه دخل زكي مبارك في معركة مع طه حسين حينما فصله الأخير من الجامعة.
أهم المعارك الأدبية
دارت المعارك الأدبية الكبرى بين دعاة التجديد والحداثة في مواجهة دعاة الإحياء والبعث المتمسكين بالتراث، وعند المدرسة الرومانسية التي حاولت الفكاك من سيطرة نظيرتها الكلاسيكية. وتلك المعارك لم تهدأ يومًا وإن بلغت أوجها في القرن العشرين، حيث دخل الأدباء في تحالفات وصراعات واختلافات كلٌّ منهم يدافع عن رأيه، ويدعو إليه.
وإن كانت الجرائد ومقدمات الكتب وبطونها قد حفلت بتفاصيل هذه المعارك إلا أننا في العصر الحديث لا نجد أثرًا لهذه المعارك بين أدبائنا، فأين اختفت المعارك الأدبية منذ ستينيات القرن العشرين؟
لم يبق من أثر معاركنا الأدبية سوى أخلاق الخصومات من فجور في الخصومة، ونزعة حاقدة، وعداء سافر بين بعضهم وبعض، يحمل فريق على آخر، فيخرج من الأدب إلى حياته الخاصة يطعنه فيها ويتجنى عليه بما فيه وبما يدعيه، فلم نعد نشهد جدالًا فكريًّا كما كان من قبل.
وربما يمكننا أن نعزو ذلك لتغير الخريطة الثقافية وانتقال مركز الأدب من الشام والعراق ومصر إلى الخليج العربي بصفة خاصة وشمال أفريقيا (وإن كان أقل من الخليج)، فخفت حدة المعارك بشكل كبير، وشغل الشعر الجزء الأكبر منها، أضف إلى ذلك التغير الكبير في المشهد الأدبي واستقرار الحداثة والتطوير الأدبي، فقد خَفَتَ كثيرًا تيار الأصالة والمحافظة على التراث، فلا جدال ولا معارك طاحنة.
وكذلك أدت «مؤسسية الأدب» التي تعني انتقال إنتاج وإدارة النتاج الأدبيِّ إلى هيئات ومؤسسات تضم كبار الأدباء سواء بوصفهم أعضاء أم منتسبين فيها، أم مرتبطين بمصالح معها، بسبب التزامهم بمبادئ تلك المؤسسات التي لا تفضل الدخول في صراعات مع نظيراتها؛ إلى خفوت حالة المعارك الأدبية التي اتسمَ بها القرن العشرون.
وبكل الأحوال فقد افتقدنا أهم ما تميز به الأدب في القرن السابق، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نقتفي أثره ونبحث عنه، في الكتب والدراسات، ومنها ما ضمنه أنور الجندي في كتابه «المعارك الأدبية». فضلًا عن عشرات الدراسات والأبحاث، ومئات المقالات. ومن أشهر المعارك الأدبية تلك التي كان عميد الأدب العربي طرفًا فيها، فدارت معركته مع العقاد، وأخرى مع زكي مبارك وأحمد أمين. كما لدينا معارك الرافعي مع خصومه في النقاش حول كتابه «أوراق الورد».
أم المعارك: المعركة بين الفصحى والعامية
هذه هي أشهر المعارك الأدبية وأكبرها وأطولها على الإطلاق. معركة دارت رحاها في كل مكان، في المسرح، وفي الأندية والصالونات الأدبية، وانتقلت من الجرائد إلى الكتب، وأدلى الأدباء فيها برأيهم: اللغة بين المقدس والتطور.
فالفريق الأول أضفى على اللغة قداسة باعتبارها لغة القرآن، ولغة العرب، أما الفريق الثاني فاللغة لديه لغة حية تنمو وتتطوَّر بالممارسة تبعًا للتحولات السياسية والثقافية والتغيرات الاجتماعية، فلا يمكن أن تظل جامدة على لغة العرب في الجاهلية وصدر الإسلام. تلك المعركة التي كان من أطرافها طه حسين والعقاد، ومحمد تيمور، وسلامة موسى، وعبد العزيز باشا فهمي، ولويس عوض، ومحمود محمد شاكر.
بدأ الاختلاف بين الأدباء حول طريقة الكتابة في القصة والأداء المسرحي، فبينما تمسك الطرف الأول بالكتابة بالعربية الفصحى ووصف الدعوة للكتابة بالعامية بـــ«المتطرفة الخطرة»، نادى الفريق الثاني بالكتابة بالعامية، بل ودعا أن تكون الكتابة المسرحية كتابة عامية، فهي كتابة للشعب، ويجب أن يخاطبوا الشعب بلغته.
فيما حاول فريق ثالث وعلى رأسهم سلامة موسى التوفيق بين الطرفين أو التسوية بإيجاد لغة ثالثة أطلق عليها لغة التلغراف وذلك في كتابه «البلاغة العصرية واللغة العربية». وهو ما جعله طرفًا في المعركة الأدبية فوصفه العقاد بأنه «يكتب ليحقد، ويحقد ليكتب». وضمَّت المعركة طرفين آخرَين هما محمود محمد شاكر ولويس عوض؛ فوصف شاكر لويس عوض بأنه «أجاكس عوض» وأجاكس هو شخصية أسطورية في ملحمة هوميروس تميز بالبطش والبأس، ورد عليه عوض ونعته بــ«مجاهد بن الشماخ» نسبة إلى الشماخ بن ضرار الذبياني.
وكانت ذروة الاختلاف ونقطة منتهاه هي دعوة عبد العزيز فهمي عام 1944 لكتابة اللغة العربية بحروف لاتينية في كتابه «الحروف اللاتينية لكتابة العربية» والتي رُصِد ثلاثةٌ وعشرون ردًّا عليه وعلى توجهه قبل طباعة الكتاب، فيما ازدادت المعارك بعد نشر الكتاب. ووصفها محمود شاكر بأنها «دعوة خرقاء لا محل لها من الممارسة الاجتماعية قبل التعبير اللغوي ذاته».
الآن بعد أكثر من ثمانية عقود ما زال الموضوع مطروحًا على المائدة نقدًا ودرسًا وتحليلًا، فتحققت دعوة عبد العزيز باشا فهمي وبات الناس يكتبون اللغة العربية على مواقع التواصل الاجتماعي وفي رسائلهم بالحروف اللاتينية، فهل كان آباؤنا وأجدادنا يتوقعون هذا؟
لا تفوت قراءة: أربعة أركان للتسويق الإلكتروني للكتب
معركة الشعر الجاهلي
شهد عام 1926 صدور الكتاب الأشهر في حياة الأديب المصري طه حسين، فقد أسس كتاب «في الشعر الجاهلي» لمعركة أدبية طويلة استمرت حتى عام 1933. قال طه حسين في كتابه بعدم شرعية بنوة «الشعر الجاهلي» إلى عصره، وأنه منتحل في عصر صدر الإسلام، مؤكدًا أن المنهج الديكارتي في الشك لا يقبل بجاهلية الشعر الجاهلي.
إلا أن هذا لم يرق لمعاصريه. بدأ المعركة شكيب أرسلان حينما قال «التاريخ لا يكون بالافتراس ولا بالتحكم»، وكتب الرافعي كتابه الشهير «تحت راية القرآن: الرد على الشعر الجاهلي» وكتب يقول «ما رأيتُ فئة يأكل الدليل الواحد أداتها جميعًا كهؤلاء المجددين في العربية.
فهم عند أنفسهم كالجمرة المتوقدة لا يشبعها حطب الدنيا». أما محمد لطفي جمعة فقال: «هذا المؤلف لم يترك فضيلة للعرب في علومهم وتاريخهم وآدابهم وعقائدهم دون أن يحاول هدمها بشدة وتهكم واستهزاء لم يعد له مثيل في كتب العلماء فيخيل للقارئ أن المؤلف يلعب ويلهو بأشرف الأشخاص وأسمى المبادئ التي خلفتها المدنية العربية الإسلامية منذ أربعة عشر قرنًا».
ودخل الأزهر على خط المواجهة فكتب عبد المتعال الصعيدي، وإسماعيل حسن، ومحمد أحمد العدوي، ويوسف الدجوي معترضين على المهزلة التي جرت في الجامعة المصرية من أستاذ الأدب فيها، وبلغت حد وصفه بمعاداة الدين والإلحاد. ولم تكن السياسة بعيدة عن الصراع فدخلت أروقة مجلس النواب، وقال فيها سعد زغلول «إن مسألة كهذه لا يمكن أن تؤثر في هذه الأمة المتمسكة بدينها.
هَبُوا أن رجلًا مجنونًا يهذي في الطريق، فهل يضير العقلاء شيء من ذلك. إن هذا الدين متعين وليس الذي شك فيه زعيمًا ولا إمامًا حتى تخشى من شكه على العامة، فليشكَّ ما شاء، ماذا علينا إذا لم يفهم البقر؟». ودعا بعض الأعضاء إلى إبادة الكتاب، وإحالة مؤلفه إلى النيابة، وعزله عن منصبه، أما الشارع فثار ضد عميد الأدب العربي. وتجددت المعركة مرة أخرى عام 1932 لأسباب سياسية محضة، وهو ما أدى إلى فصل عميد الأدب من منصبه.
أما القانون فكان حكمه تاريخيًّا، حيث قدم النائب عبد الحميد البنان بلاغه للنيابة العامة يطلب فيها التحقيق مع طه حسين متهمًا إياه بالطعن في الدين الإسلامي، وتكذيب القرآن، والطعن في نسب النبي صلى الله عليه وسلم، وتهم أخرى. أنكر العميد ما نُسِب إليه من تهم. فحفظت النيابة القضية واستبدل العميد بكتابه كتابُ «في الأدب الجاهلي» وحذف منه ما أثار حفيظة معاصريه. وهكذا أُسدِل الستار على القضية التي شغلت الرأي العام العربي حينذاك.
أوراق الورد
أصدر مصطفى صادق الرافعي كتابه «أوراق الورد» والذي وصفه بأنه «لون جديد من أدب الحب في الأدب العربي لم يُكتَب من قبل»، مؤكدًا بأنه أسلوب جديد في الأدب العربي المعاصر. غير أن الكتاب كان موضع هجوم ودارت حوله معركة أُفرِدَتْ لها صفحات من الجرائد؛ فقال لطفي جمعة مادحًا له: «قد وجدنا الأستاذ قد قطع شوطًا بعيدًا في التجديد من حيث لا يدري، ولعله بذلك أن يعجمهم بممارسة كافة أنواع الأدب بين دفتي هذا الكتاب حتى الشعر المنثور الذي ليس موزونًا ولا مقفى».
فيما نقد إبراهيم المصري اتجاه الرافعي نحو عذوبة اللفظ وتجاهل المعنى فوصفه بأنه «ولوع بالأدب العربي وطريقة التأليف العربية تستهويه بالجملة المتماسكة والعبارة المصقولة واللفظ السليم فيشتغل بالعَرَض عن الجوهر ويصيب من بلاغة القول أضعاف ما يصيب من بلاغة الحياة. وهو غني بالألفاظ غنى يُحسَد عليه، لا يحفل بالفكرة وتناسبها وعمقها قدر احتفاله بصياغة اللفظ وحلاوته وحسن رنينه.
ومن هذه الناحية فهو فنان، فنان مغرم بالشكل الظاهري وتطربك أهازيج أسلوبه، ولكنها لا تنفذ إلى قرارة نفسك ولا تستطيع أن تؤثر في مجرى تفكيرك على أن الرجل يحاول أن يفكر». بينما لم يهاجم زكي مبارك الاتجاه الجديد في أدب رسائل الحب الذي قال الرافعي إنه منشئه، ولكنه رفض أن يسلم بريادته في هذا الأمر، مؤكدًا أنه فن عربي قديم: «لقد قرأت كتاب أوراق الورد واستجدته، وفي رأيي أن المؤلف لا غضاضة عليه في أن يتنازل عن الأولية في كتابه رسائل الحب، فقد كانت للناس أقلام وقلوب منذ مئات السنين».
وردَّ الرافعي بهجوم على المصري فقال له: «أنا أعرف أن الأستاذ المصري مأخوذ بآراء ديستويفنسكي فهو من أجل ذلك ومن وجهة نظره نظر تقليد ينتقد الحب في أوراق الورد بأنه مجرد فكرة فلسفية أفلاطونية تحلق في سماوات الخيال … نعم يا صاحبي أنت لا تجد في أوراق الورد قلمًا مرسلًا بالرفث والنخاسة والتعهر … كلا يا هذا لا تيس ولا مخمور، التيس هذا ونحوه عند صاحبك ديستويفنسكي».
المعارك الأدبية، نعمة أم نقمة؟
شغلت المعارك الأدبية مرحلة مهمة في تاريخ الثقافة العربية، وكانت إحدى العلامات الرئيسية في الأدب العربي خلال القرن التاسع عشر وحتى ما بعد النصف الثاني من القرن العشرين. معركة أفاد منها كل من شارك فيها؛ إذ سطر اسمه في معركة لم يخسر فيها أحد، فالنصر فيها ينتقل من طرف إلى آخر تبعًا لقدراته الأدبية، ومقدرته على جذب القراء إليه.
أما القارئ فكان المستفيد الأكبر منها، فقرأ لكلا الفريقين وتعرف على المدارس الأدبية والشعرية المختلفة، سواء تلك التي تبنت الحداثة أم التي دعت للتمسك بالأصالة والتراث. ولكن هل نحن الآن بحاجة إلى مثل هذه المعارك الأدبية؟ أو هل اختفت المعارك الأدبية في عصرنا الحالي أم اتخذت شكلًا جديدًا يناسب العصر الجديد ويتكيف معه؟
