سماوي Samawy Blog
الرئيسيةمقالات
أو كلَّما اشتهيتَ اشتريتَ؟!
مقالات

أو كلَّما اشتهيتَ اشتريتَ؟!

«أو كلما اشتهيت اشتريت» ليست دعوة للبخل أو رفضًا لتلبية احتياجات الأسرة والأطفال، بل هي دعوة للتعقل، في زمن أصبح التسوق أقرب إلينا من أي وقت مضى

أ
أحمد دسوقي · كاتب/ة
13 July 2025 · 5 دقائق قراءة · 0 مشاهدة

«أو كلما اشتهيت اشتريت» ليست دعوة للبخل أو رفضًا لتلبية احتياجات الأسرة والأطفال، بل هي دعوة للتعقل، في زمن أصبح التسوق أقرب إلينا من أي وقت مضى، فبضغطة زر واحدة يمكنك أن تتسوق من طرف العالم وأنت في طرفه الآخر. ولم يعد توفر المال اللازم للشراء أمرًا عسيرًا، إذ يمكنك الشراء بالمديونية من خلال الكروت البنكية (Credit Card)، وأصبحت دعوات الاقتراض وتيسير الحصول عليها أيسر في إجراءاتها من استخراج رخصة قيادة. فكيف نظر السلف لدعوات الإسراف وإدارة شؤونهم المالية؟

«أو كلما اشتهيت اشتريت» نصيحة وصرخة ضد الاستهلاك، أطلقها ثاني الخلفاء الراشدين، الصحابي الجليل والأمير العادل «عمر بن الخطاب» رضي الله عنه يرويها لنا طرفها الثاني «جابر بن عبد الله» فيقول:

رأى عمر بن الخطاب لحمًا معلقًا بيدي، فقال: ما هذا يا جابر؟
قلت: اشتهيت لحمًا فاشتريته.
فقال: أو كلما اشتهيتَ اشتريتَ يا جابر! أما تخاف هذه الآية: «أَذْهَبتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا» (الأحقاف: 20).

هكذا حدد الخليفة دستور التعامل مع الاحتياجات، فزيادة الالتزامات وخلق الحاجات، مع قدرة شرائية عالية وتوفر الموارد في السوق، يفضي إلى أزمة في إدارة الميزانية الأسرية. فأين الحل؟ الحل في تغيير التفكير المؤدي إلى تغيير السلوك والعادات. إننا نجد في «أو كلما اشتهيت اشتريت» لمؤلفه محمد عمر الجعيدي، والصادر عن دار ملهمون للنشر والتوزيع في عام 2019، دعوةً لإحكام العقل، ومراجعة الحسابات، وتحديد الأولويات.

حدد أولوياتك

لم تعد الحياة كما كانت من قبل، فخلال عقود مضت كانت الأسرة تحدد أولوياتها ببساطة وفاعلية. أما الآن، ومع التطورات الكثيرة والسريعة، بات كل شيء مختلفًا، فالأسرة اليوم يتوجب عليها ترتيب أولوياتها، وتحديد مصروفاتها، لتستمر الحياة دون ضغوط.

ما بين ماضٍ مزدحم بالديون والاقتراض، وحاضر علينا تلبية احتياجاته اليومية والضرورية، ومستقبل نسعى إليه من أجل تحسين وضعنا المالي بشراء أو ادخار؛ كيف لنا أن نحدد أولوياتنا؟

تختلف الأولويات من شخص إلى آخر، بل ومن فترة لأخرى، فلكل شخص أولوياته تبعًا لاحتياجاته الشخصية والأسرية، بل ما هو ضروري ومهم الآن، قد يكون غدًا ضروريًّا وغير مهم، وربما يتحول مستقبلًا إلى غير ضروري وغير مهم. الهدف من ترتيب الأولويات هو الحفاظ على أكبر قدر ممكن من النقود في محفظتنا، ومعرفة ما يتسرب منها.

مصفوفة إدارة الأولويات

استلهم الجعيدي مصفوفة إدارة الأولويات من الفصل الثالث من كتاب «العادات السبع للناس الأكثر فاعلية» تأليف ستيفن آر كوفي والذي جاء بعنوان «ابدأ بالأهم قبل المهم». تركز المصفوفة على التفريق بين العاجل والمهم؛ فالعاجل هو أمر لا يقبل التأجيل، ويجب تنفيذه فورًا، وإلا فستكون العواقب غير مناسبة، ومن هذه الأمور «الفواتير»؛ كالهاتف، والإيجار، وفواتير الكهرباء والغاز، وكل ما هو ضروري للحياة. أما المهم فهي أمور يجب أن توضع في الاهتمام، وتأخذ حقها في التفكر والتدبر، ولكنها ليست عاجلة، أي ليس هناك حاجة ملحة لها أو تأثير سلبي في الحياة في حال عدم تنفيذها، ومنها: الادخار، والاشتراك بنادٍ. وقد تتحول الأشياء المهمة غير العاجلة إلى أشياء عاجلة إذا ما أهملناها.

وتحدد المصفوفة الأولويات كالتالي:
1. مهم وعاجل: وهي إدارة الأزمات التي تُركت دونما حل حتى أصبحت مهمة وعاجلة، وفي حال الاعتناء بها والعمل على حلها، ستنتهي هذه المصفوفة، وتتحول إلى غير مهم وغير عاجل.
2. عاجل وغير مهم: وتتمثل بتلبية احتياجات الغير، فهي أمور لا قيمة لها، ولكنها عاجلة يجب القيام بها فورًا.
3. مهم وغير عاجل: هذه المصفوفة يجب الاعتناء بها والتركيز عليها، لأنها تمثل المستقبل، مثل: الادخار والاستثمار.
4. غير مهم وغير عاجل: وهي أمور يجب الاستغناء عنها، فهي بلا أهمية وليست عاجلة، مثل التسوق دونما هدف، فحينها تشتري أشياء قد لا تكون بحاجة لها الآن

الدخل والاحتياجات: علاقة معقدة

سؤال يطرح نفسه، هل زيادة مستوى الدخل تؤدي إلى زيادة الاحتياجات؟ للوهلة الأولى نعتقد أنَّ الإجابة نعم. ولكن، لمَ؟ ما العلاقة بين زيادة الدخل وزيادة الاحتياجات؟ لا علاقة. تلك هي الإجابة بمنتهى البساطة، إذ على الإنسان أن يدرك الفرق بين الاحتياجات والرغبات، فالأخيرة يمكن الاستغناء عنها وهي غير ضرورية، وهي التي تطالعنا دومًا في حال زيادة الدخل، بينما تظل الاحتياجات الضرورية كما هي.

اقرأ أيضًا: اسرق مثل فنان

حدد هدفك

أهو هدف أم أمنية؟ الهدف هو مجموعة من الخطوات التي تتخذها للوصول لما تريد، أما الأمنية فهي الرغبة في الحصول على الشيء دونما السعي إليه، وتلك بعيدة عن اهتماماتنا، فنحن نخطط لنصل لما نريد من أهداف. وكلما كان الهدف واضحًا ومحددًا، نجح الإنسان في تحديد إجراءات الوصول إليه، فمن يسير بلا هدف كمن يسير في فلاة بلا دليل. ولكي تحدد هدفًا ذكيًّا، يجب أن تتوفر فيه معايير خمسة، هي:

1. محدد: فبتحديد الهدف يصبح تركيزك عليه أكبر، كما يسرِّع وصولك إليه.
2. قابل للقياس: لا بد من أن تكون الأهداف قابلة للقياس، وذلك لتعرف ما أنجزته وما قصرت فيه.
3. قابل للوصول: الأهداف المنطقية يمكن الوصول إليها، أما الأهداف الخيالية فلا جدوى منها.
4. ذو صلة: فلا تختر هدفًا لست بحاجة إليه.
5. محدد بزمن: لا تحدد هدفًا دون أن تقيده زمنيًّا، فنحن نريد تحقيق أهدافنا في وقت محدد، لأنها مرتبطة بإشباع حاجاتنا.

تعلَّم قول «لا»

نحن مثقلون بالمصروفات، ولا يكاد راتبنا يكفي مصروفاتنا. لذا، إن كنت تريد ميزانية مضبوطة، فعليك تحديد مصاريفك أولًا. فالراتب لا يكفي الرغبات، لكنه يكفي الاحتياجات، ويمكننا تحديد نوعين من المصروفات؛ ثابتة متكررة، ومتغيرة موسمية. وفي حال كان الدخل أقل من المصروفات، فيجب تقليل المصروفات إلى الحد الذي يفي به الدخل، أما إذا كان الدخل مساويًا للمصروفات، فهذا جيد، ولكن يجب الأخذ في الاعتبار ضرورة تقليل المصروفات وادخار مبلغ من المال، حتى لا تنحدر إلى المرحلة الأقل من الدخل.

في الغالب، تتمزق الميزانية بين ثلاثة: أب يريد ادخار جزء منها للطوارئ والاستثمار والمصروفات الموسمية. وأم تريد تلبية احتياجاتها. وأطفال يلحون على تلبية رغباتهم من ترفيه وكماليات. وبالتالي، فن إدارة الأسرة هنا يتطلب المكاشفة والمصارحة؛ من أجل تحديد الأسرة لأولوياتها، وتربية جيل جديد قادر على إدارة ميزانيته الأسرية، بما يحقق مصلحة الأسرة وفائدة المجتمع.

فتعلَّم قول «لا» حينما يُطلب منك تلبية رغبات واحتياجات غير ضرورية، وقبل أن تقول «لا» للآخرين عليك أن تقولها لنفسك أولًا، فلا تسمح لنفسك بأن تهدر ميزانيتك في أشياء غير مهمة وغير عاجلة. إن قول «لا» ليس بالأمر الصعب أو المحال، ولا يتطلب أن تكون وقحًا أو غير مرغوب فيك. لكن عليك أن تتعلم متى تقول لا.

أو كلما اشتهيت اشتريت؟!

انتشرت الإعلانات في الآونة الأخيرة بطريقة مبالغة، ففي عام 2010 حُصر 5 ترليون إعلان في الولايات المتحدة، وعلى الرَّغم من ذلك، فإنَّ معدل السعادة انخفض انخفاضًا كبيرًا، فالسعادة لا ترتبط بالصرف، والإنفاق ليس دليلًا عليها. وختامًا، عزيزي القارئ لا تشترِ كل ما تشتهي، بل اشترِ ما تحتاجه فقط، فالغد لا يؤتمن، واليوم لن يمر دونما هدف أمامك، فاختر هدفك واسعَ إليه.

أعجبك المقال؟ شاركه: تويتر فيسبوك واتساب نسخ الرابط
أ
أحمد دسوقي
كاتب/ة في مدوّنة سماوي
32 مقالاً·كل المقالات ←

مقالات أخرى لـ أحمد دسوقي

مقالات ذات صلة

أضف تعليقًا