رواية محبوبة لا مقبولة
إن طرحنا سؤالًا مفاده: كيف أكتب روايةً يقبلها الناشر؟ تكون الإجابة: كل الروايات مقبولة، لكن ليست كل الروايات محبوبة. إذ طالما أن الرواية تحتوي على شخصيات، وصراع، وحبكة، وتسبقها مقدمة…
17 September 2025 · 6 دقائق قراءة · 0 مشاهدة
إن طرحنا سؤالًا مفاده: كيف أكتب روايةً يقبلها الناشر؟
تكون الإجابة: كل الروايات مقبولة، لكن ليست كل الروايات محبوبة. إذ طالما أن الرواية تحتوي على شخصيات، وصراع، وحبكة، وتسبقها مقدمة سخية تعرض تفاصيل كل شيء بلغة وصفية دقيقة، ولها نهاية تستند إلى تطور أحداثها استنادًا واضحًا؛ فهي بلا شك رواية متكاملة العناصر. ولن يصعب على أي كاتب متمرس أن يقدم رواية متماسكة لناشر فيقبلها. وفي هذا العصر الذي بدأ الذكاء الاصطناعي فيه بالتوغل في المجالات كافة لم يَعُد من الصعب أن تكتب أمرًا وتنتظر بضع ساعات فتحصل على رواية متكاملة العناصر قد يقبلها الناشر عند تقديمها له، بل أيضًا قد تصبح ضمن الروايات الأكثر مبيعًا في عامها. لكنها حتمًا ستكون خالية من المعنى وهو ما لا يجعل من الرواية أكثر من مجرد رواية مقبولة لدى الناشر، لكن ليست بالضرورة رواية محبوبة، أو مؤثرة، أو صامدة أمام الزمن. وبذكر المعنى تظهر بعض الأسئلة مثل ما هو المعنى؟ وكيف يمكن إضافته إلى الرواية؟ وما أثر المعنى في الرواية تجاريًّا وفنيًّا؟
دعونا نُجِبْ عن كل سؤال بالتفصيل ودون تعقيد.
«المعنى» لفظٌ مطاطي جدًا، فلكل منَّا تعريفه الخاص للمعنى. فالمعنى بالنسبة لي قد لا يعني أي شيء بالنسبة لك، وهذا ما يجعلني أقرأ روايات مختلفة عن تلك التي تقرؤها أنت. لكن في النهاية كل منَّا يبحث عن معنى محدد في قراءاته. وقد يظهر المعنى في روايات الأطفال وصغار القراء إما على هيئة درس مستفاد مستتر بين الكلمات في حكايات رمزية مثل كليلة ودمنة، أو على هيئة حكمة مكتوبة في آخر سطر من القصة مثلما نقرأ في قصص «إيسوب». لكن الأمر يختلف في روايات الكبار حيث يكون هذا المعنى عبارة عن معضلة أخلاقية، أو قضية اجتماعية، أو تأمل في الطبيعة البشرية. يتناول الكاتب واحدةً منها وينسجها مع نسيج الرواية حتى يخف ثقلها الفكري وتضيف إلى الرواية بعض القيمة.
عادةً ما تناقش الروايات المعضلات الأخلاقية التي تظهر من حين إلى آخر في المجتمعات المختلفة في إطار روائي بدلًا من سرد الحقائق المجردة، ما يسمح لنا بالتفكير في عواقب الأفعال وتحديد القيمة الأخلاقية الناتجة عنها. وتختلف المعضلات الأخلاقية عن الصراع بين الخير المجرد والشر المجرد الذي نقرؤه في قصص الأطفال، فهو يمتد من الأخلاقيات العامة إلى مفاهيم عملاقة مثل الحرب، والقتل الرحيم، والانتقام، والعدالة، والأعمق من ذلك والأكثر إثارة للجدل منه. فمثلًا، من أشهر الروايات العربية التي تناقش أحد الأخلاقيات أو السلوكيات البشرية الناتجة في الأساس عن معضلة أخلاقية هي «أرض النفاق» ليوسف السباعي، و«اللص والكلاب» لنجيب محفوظ التي تعرض المعضلة الأخلاقية الخاصة بالانتقام وتحقيق العدالة. ومن الروايات الغربية التي تناقش معضلة قد لا تتردد على أذهاننا كثيرًا لكنها تستدعي الكثير من التفكير هي «Me Before You» التي تطرح من خلالها «جوجو مويز» القتل الرحيم.
أما القضايا الاجتماعية فقد تتمثل في الصراع الطبقي، والهوية، والتمييز على أساس العرق، أو الدين، أو النوع. وتناقش الروايات هذا النوع من القضايا عن طريق عرض جانبي القضية؛ أي المتسبب فيها بسلوكه، والمتأثر بها. ومن خلال عرض الأثر الواقع بالتفصيل، تسهم تلك الروايات في تغيير مسار تلك القضايا أو الحد من الضرر الواقع بسببها على الأقل. ومن أشهر الروايات التي تعرض الصراع الطبقي هي رائعة «تشارلز ديكنز» الخالدة «قصة مدينتين». ولا يسعني ذكر الهوية دون ذكر أهم القضايا والرواية التي تناقشها، ألا وهي «الطنطورية» للكاتبة رضوى عاشور التي تناقش قضية الهوية والهجرة واللجوء في فلسطين ولبنان.
أما عن التمييز على أساس العرق، فالأدب الأمريكي مليء بمثل تلك الروايات وأشهرها رواية «هاربر لي» بعنوان «To Kill a Mockingbird». وفي قضايا المرأة باختلافها نجد الكثير من الروايات مثل «أريد رجلًا» لنور عبد المجيد و«أنا حرة» لإحسان عبد القدوس.
اقرأ أيضًا: 10 تقنيات مهمة لتطوير الكتابة
لا يقتصر التأمل في الطبيعة البشرية على تأمل السلوكيات بنظرة سطحية، بل إن الرواية عادةً ما تبحث في داخل النفس البشرية أو في الفكر الفلسفي الذي قد يتبناه المرء. غالبًا ما تميل تلك الروايات إلى الكآبة والغرابة. ومن ضمن الأفكار التي تناقشها الروايات من هذا النوع هي العدمية والوجودية. وبذكر العدمية، لا يفوتني أن أذكر إحدى رواياتي المفضلة «الغريب» للروائي «ألبير كامو». ومن العدمية إلى البحث عن الذات لدى «باولو كويلو» في روايته الشهيرة «الخيميائي». ومن الأدب المصري، نجد رائعة نجيب محفوظ «الحرافيش» التي تناقش فلسفة الحكم بلمحة وجودية. كما تتجلى كل من النفعية والعدمية في إحدى أشهر الروايات في العالم «الجريمة والعقاب» للروائي الروسي «دوستويفسكي». وأخيرًا، تناقش رواية 1984 لـ«جورج أورويل» تجريم الفردية والتفكير الحر.
الخلطة السرية
الآن بعد أن ألقينا نظرة على المفاهيم المختلفة للمعنى وعلى أمثلة للروايات ذات المعنى، لا بد أن نتساءل الآن عن الخلطة السحرية التي تضيف المعنى إلى الرواية.
اختر مما سبق شيئًا مثيرًا للاهتمام بالنسبة لك وتناوله في روايتك من خلال شخصياتك. لكن احرص أن تفعل ذلك في قالب من الواقعية. نعم، الرواية عمل أدبي خيالي، لكن الكثير من الخيال لن يساعد القارئ على إيجاد وجه الشبه بين الرواية وحياته. وبذكر الواقعية، لا بد أن تدرك أن الخير المطلق صفة ملائكية وأن الشر المطلق صفة شيطانية، ولم يُخلَق الإنسان ليتصف بأيهما. فلا أنا، ولا أنت، ولا أي شخص آخر في تاريخ البشرية على سطح القارات السبع يشبه الملائكة أو الشياطين في طباعهم، بل إن جميعنا شخصيات معقدة لها جوانب خيرة وأخرى شريرة تشكلها النشأة، وظروف المعيشة، والأحداث. كما قد تتغير ردود أفعالنا باختلاف المواقف وبغض النظر عن الجوانب الجيدة أو السيئة بداخلنا. ولذلك، ليس من المنطقي أن تتسم شخصية في روايتك بالخير المطلق أو أن تتسم أخرى بالشر المطلق، بل عليك أن تراعي كتابة شخصيات تشبه البشر في مزاياهم وعيوبهم الخُلُقية. ولا تنسَ أيضًا أن الجمال نسبي فالتنوع في الصفات الجسدية مطلوب، خاصةً إن كانت روايتك قائمة على هدم مفهوم مقاييس الجمال. ومن هنا تستنج ما ذكرته «سوزان ديفريتاس» في أحد مقالاتها أنه لا بد لشخصية البطل ألا تخلو من العيوب الشديدة التي قد لا يتنازل القارئ عن وجودها حتى مع الصفات المميزة للبطل. والعكس صحيح. فشخصية الشرير يجب أن تحاط بدوافع للشر تقنع الشخصية نفسها بها وتؤمن أنها في دور البطولة.
منافع تجارية وفنية
أخيرًا، بعد أن فهمنا المعنى وعرفنا كيف نضيف المعنى إلى الرواية، نستحق أن نعلم كم النفع الذي سيعود على الرواية من الجانبين التجاري والفني.
تجاريًّا، قد لا يؤثر وجود المعنى في مبيعات الرواية. فكما تدلنا المؤشرات في بعض الأعوام عن الكتب الأكثر مبيعًا، لا يبحث الجميع عن روايات تنطوي على رسالة أو تناقش قضية. فقد يبحث بعض القراء عن روايات ترفيهية مرحة لكسر نمط الحياة المتكرر. وبالنسبة للنشر، فكما ذكرت من قبل، لن يكون من الصعب على أي كاتب أن يقدم رواية لناشر فيقبلها وذلك طالما أنها متماسكة. لكن تذكر أنك لست بحاجة إلى دخول مسابقة في عقل الناشر يفاضل فيها بين الروايات فيقبل بعضها ويرفض بعضها الآخر. فإن كانت روايتك ذات قيمة معنوية كبيرة، فستصبح فوق أي مسابقة يختلقها عقل الناشر ليقرر مصير الروايات المُقدَّمة له. أما فنيًّا، فبالتأكيد سيضيف المعنى إلى الرواية وزنًا وقيمةً لا مثيل لهما. فكما رأينا في الأعلى، غالبًا ما تظل الروايات ذات المعنى خالدة وصامدة أمام الزمن على عكس الروايات التي تهدف إلى التسلية التي تلمع فترةً ثم تختفي من جديد. وبالتالي، يتأثر اسمك باسم روايتك التي تمس القراء بدلًا من أن تسليهم.
حان الوقت لتكتب روايتك الآن وتضيف إليها بعض المعنى. وإن كنت متحيرًا ولا تعرف أي قضية أو أي معضلة أخلاقية تختار لروايتك القادمة، دعني أنصحك بما تعلمته من «ألبير كامو» في روايته «الغريب». قد لا تنطوي الحياة في حد ذاتها على أي معنى، لكن علينا نحن أن نجعل لحياتنا معنى. ابحث عن المعنى الذي جعلته لحياتك وناقشه من خلال الأدب. قدمه من خلال شخصية وقدم وجهة نظر معاكسة له من خلال شخصية أخرى. أو ابحث داخل طيات أفكارك عن قضية تكترث لأمرها. ناقش الحقوق، والهوية، والسلوك. دافع عن الأفكار التي تؤمن بها في روايتك. وصمم شخصيات تشبهك وتشبه أصدقاءك وتشبه الشعب الذي توجه له رسالته وروايتك.
وإن لم تتمكن من كل ذلك في المسودة الأولى، فلا بأس! يمكنك التعديل أكثر من مرة حتى يسيطر المعنى على روايتك وتصبح الشخصيات مفعمة بالحياة. اجعل روايتك محبوبة، لا مقبولة فحسب.
لا تفوت قراءة: التدقيق اللغوي .. كيف أصبح مدققًا لغويًا؟
