الأدب الساخر
في عالمٍ يضج بالأخبار المؤلمة والكوارث القاهرة، قد يجد الإنسان في السخرية وسيلة لمواجهة ألم الحياة والتغلب عليه؛ إذ لا يمكن أخذ كلِّ شيء على محمل الجد، ولا سيما إذا…
24 March 2026 · 7 دقائق قراءة · 0 مشاهدة
في عالمٍ يضج بالأخبار المؤلمة والكوارث القاهرة، قد يجد الإنسان في السخرية وسيلة لمواجهة ألم الحياة والتغلب عليه؛ إذ لا يمكن أخذ كلِّ شيء على محمل الجد، ولا سيما إذا ما كنَّا غير قادرين على تغييره وتوجيهه حسب إرادتنا. ومن هذا المبدأ عينه ينطلق أدب السخرية؛ إذ يعمد إلى تحويل الآلام الإنسانية -سواءً أكانت ذات منبع سياسي أم اجتماعي- إلى نكتة مرحة، في سبيل تحقيرها والانقلاب عليها رمزيًّا.
ترتبط السخرية لغويًّا بمعنى التذليل؛ إذ جاء في لسان العرب، سخرته أي قهرته وذلَّلته. والسخرية صفة إنسانية أصيلة، وغريزة مركبة، يحاول الإنسان من خلالها التغلب على عدوه أو التحايل على مشاكله. ويُعرِّفها الطبيب النمساوي ألفريد أدلر على أنَّها: «خليط من انفعالين، هما: الغضب والاشمئزاز، فنحن إذ تثور فينا غريزة النفور نشمئز، فإذا اعتدى الشيء الذي أثار اشمئزازنا على صفاء عيشنا، من أية ناحية من النواحي، بُعثت فينا غريزة المقاتلة والانفعال المقترن بها، وهو الغضب، فيدفعان بنا إلى السخرية مما بعث اشمئزازنا أو ممن أثاره في نفوسنا».
يتموضع الأدب الساخر في المسافة القائمة بين الشعور بالاشمئزاز من حالة ما، والغضب من وضع عام. فهو لا ينظر نظرة سطحية وفكاهية للأمور -وإن بدا كذلك- وإنما يُشخِّص الخلل في المجتمع وينتقده نقدًا بنَّاءً من خلال الآلية المعتمدة على السخرية، فالأدب الساخر هو أدب فلسفي عميق، بعيد عن السذاجة والتهريج، يعتمد مبدأ نقد الواقع عن طريق السخرية منه، فيظهر تناقضاته ومواضع الإشكاليات فيه.
الأدب الساخر في التراث العربي
إن للسخرية أصول متجذرة في الأدب العربي؛ إذ نجدها في الهجاء، والمقامات، والنصوص النثرية على اختلاف أنماطها. وهذا أمر طبيعي، فهي حالة إنسانية عمومية، مارسها الإنسان منذ ظهوره على سطح الأرض، وترك آثارًا تدل عليها في نقوش المعابد القديمة وأوراق البردى، وما إلى ذلك من آثار.
وتبرز السخرية بروزًا واضحًا في شعر الهجاء؛ إذ كُرست في أشد حالاتها للتقليل من المهجو، حتى يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها مقاومة هذه السخرية المتموضعة شعريًّا، ومن أشهر أبيات الهجاء ما قاله جرير للراعي النميري:
فَغُضَّ الطَرفَ إِنَّكَ مِن نُمَيرٍ فَلا كعبًا بَلَغتَ وَلا كِلابا
مع تطوُّر الحضارة العربية، دخلت فنون كتابية جديدة إلى حقل النثر العربي، ومن هذه الفنون فن المقامة، وهو فن حكائي، ينهض على بطل يُعرف بذكائه ودهائه، فيستطيع من خلالهما تحقيق ما يرغب به. وتتنوع أنماط المقامات، ومن أبرز هذه الأنماط المقامة الساخرة، ونجدها عند بديع الزمان الهمذاني، إذ كتب مقامة ساخرة عنوانها المقامة المضيرية.
وتحفل المدونة التراثية العربية بكتب كاملة بُنيت على الحس الفكاهي والمفارقات الضاحكة، كأخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزي، والبخلاء للجاحظ، وأبواب كثيرة ومتعددة في العقد الفريد لابن عبد ربه، وعيون الأخبار لابن قتيبة.
وقد انطلق الأدباء العرب في تلك المؤلفات من منطلق تسجيلي نقدي؛ إذ عمدوا إلى تسجيل الظواهر الاجتماعية ونقدها فكاهيًّا في الوقت ذاته، وذلك رغبة منهم في إضفاء المرح على الحياة لأنَّه أساسها، أو كما يعبر الجاحظ عن ذلك في مقدمة البخلاء «وإن كنا قد أمللناك بالجد، فإنَّا سننشطك ببعض البطالات، وبذكر العلل الظريفة، والاحتجاجات الغريبة. وأنا أستظرف أمرين استظرافًا شديدًا؛ أحدهما استماع حديث الأعراب، والأمر الآخر احتجاج متنازعين في الكلام، وهما لا يحسنان منه شيئًا».
ومع اتساع رقعة الإمبراطورية الإسلامية مكانيًّا وزمانيًّا، برزت السخرية السياسية وزادت وتيرة الهجاء السياسي الموجه نحو الخصم لتصغيره، وتحقيره، ومقاومته، والنيل منه، بل قد يستخدم الشاعر الهجاء السياسي إذا ما تغير موقفه نحو الشخص أو لم يقبل بسلوكياته تجاهه، وهذا ما حدث بين المتنبي وكافور الإخشيدي حاكم مصر، عندما كان يطمع المتنبي في عطية كبيرة منه، لكن كافور أرجعه خالي الوفاض، فنظم المتنبي قصيدته اللاذعة، التي ندد فيها بأصل كافور بكل سخرية واستهزاء:
لا تشتَرِ العَبد إلا والعَصَا معه إِن العَبِيدَ لأنجاسٌ مَناكيد
وكذلك لم يسلم الخلفاء والأمراء من السخرية، إذ كانت وسيلة من وسائل مقاومتهم والتهرب من سلطانهم، فإذا ما قُرئت بعض قصص ألف ليلة وليلة من هذا المنطلق، فسنجد أنَّها كوميديا سوداء، خاصة القصص التي يقع فيها الخلفاء في مفارقات غريبة ومهازل تقلل من شأنهم.
ويشير الكاتب عزت القمحاوي إلى ذلك، في حوار له مع عمر طاهر في برنامج «وصفولي الصبر»، إذ يقول: إنَّ قصص ألف ليلة وليلة التي تثير الرعب في نفوس الأمراء، ما هي إلا حكايات ساخرة بالأساس من هيبتهم، وكأن الخيال الجمعي كان يأبى أن تحبسه السلطة في قمقم، فأصر على الاستهزاء بها ولو أدبيًّا.
تعرَّف إلى: منارات الأدب في العالم العربي
الأدب الساخر المعاصر في مصر
لكن الأدب الساخر تطوَّر وأضحى أكثر ثراءً، وتنوعت أشكاله؛ من مقالات وأقصوصات وكاريكاتير، وذلك مع دخول عصر النهضة بمفرزاته المتنوعة، مثل: المطبعة وظهور الجرائد.
لاقى الأدب الساخر في مصر رواجًا هائلًا، إذ ظهرت له مجلات وجرائد متخصصة، مثل «أبو نظارة» ليعقوب صنوع، و«التنكيت والتبكيت» لعبد الله النديم، و«البغبغان»، و«المسامير» و«اللطائف المصورة» وغيرها.
ولم تستمر هذه الصحف مُددًا طويلة، بل بعضها لم يصدر منه سوى عدد واحد، مثل جريدة المسلة التي أصدرها بيرم التونسي، وربما أطول هذه المجلات الساخرة عمرًا «البعكوكة» لصاحبها عبد الله أحمد عبد الله التي صدرت عام 1934 واستمرت إلى ما بعد ثورة يوليو بقليل، ثم اندثرت مع كثير من المجلات والصحف بسبب التأميم.
مع هذه الحرية الصحفية الهائلة، انتقل الأدب الساخر من مجرد تسجيل موقف أو نقد إلى فعل مجتمعي واعٍ وممنهج؛ إذ جعل هدفه السخرية من السياسات الظالمة، والفساد المتفشي في المجتمع، والفجوة الطبقية الرهيبة. وانتشر في تلك الصحف الزجل لقربه من البسطاء والفلاحين، وسخريته من الإقطاعيين والباشوات، وقدرته على الرواج بسهولة.
أفرز ذلك الزخم روادًا كثرًا من عباقرة السخرية الأدبية، أمثال: «عبد العزيز البشري» و«المازني» و«فكري أباظة» و«حسين شفيق المصري» و«بيرم التونسي» و«محمد مصطفى حمام» و«طه حراز» و«كامل الشناوي»، الذين كتبوا بأريحية، وحولوا كل شيء إلى مادة للسخرية الناقمة من الوضع العام، والهادفة إلى تغييره.
لكن بعد ثورة يوليو وتأميم الصحف، أُغلقت العديد من المجلات والجرائد الساخرة، ووجد كثير من الكتاب الساخرين صعوبة في انتقاد الأوضاع، أو ربما مُنعوا من الكتابة تمامًا. ومع هذا التضييق، ظهرت أصوات أخرى في الأدب الساخر، تتحايل على الرقابة، وتعمق من السخرية، جاعلةً منها طبقات مختلفة، لتشتد المفارقة وتغدو لاذعة أكثر، من هؤلاء «محمود السعدني»، الذي يُعدُّ واحدًا من أهم الأصوات الساخرة في النصف الثاني من القرن العشرين.
خاض السعدني سجالات سياسية كثيرة، وتعرَّض للسجن والنفي بسبب كتاباته الساخرة، ومع ذلك استطاع تقديم صوت جديد في الأدب الساخر، وتميز السعدني بكتابته في عدة فنون، مثل: السيرة الذاتية، والمقال، وأدب الرحلة، وربطها كلها بالأحداث الواقعية في عصره، وكذلك كانت سخريته تتأتى عن طبع فيه، لا تصنع، واعتمد أسلوبيًّا على التشبيهات الساخرة، ودقة الوصف، والصدق الفني، ووفرة الحكي والسرد، وصبَّ اهتمامه على العنوان الساخر، من باب إقناع القارئ بشمولية موضوعات كتابه، لخلق حالة كاملة من السخرية والبهجة، حتى لو كان يعالج موضوعات شديدة القتامة والسوداوية.
وفي التسعينيات ظهرت أصوات جديدة من الكتابة الساخرة، قدمت لونًا أبسط وأكثر تفاعلًا مع اليومي، ودمجت بين عدة أشكال من السخرية، كالمقال والكاريكاتير أو الرسومات الهزلية معًا، مثل تجربة «عمر طاهر».
قدَّم عمر طاهر تجربة ساخرة اجتماعيًّا في المقام الأول، حيث أصدر عدة كتب أو «ألبومات ساخرة» كما يحب أن يطلق عليها، يُفنِّد فيها الظواهر المجتمعية المتناقضة، ويسجل كثيرًا من عادات المجتمع المصري والعربي خصوصًا في الثمانينيات والتسعينيات، قبل ثورة التكنولوجيا. وتتخلل تلك الألبومات صورٌ وكوميكسات مجمعة من الجرائد أو معدلة بالفوتوشوب، تتضافر مع الكتابة، فتعمق فحوى السخرية إلى مستوى أكبر.
وما يميز الأدب الساخر في تلك المراحل كلِّها أنه لم يكن منفصلًا عن الواقع، ولا مبتذلًا، وإنما كان مشتبكًا دومًا مع الحياة، ويناطحها بالتقليل من شأنها، أو كما يقول عادل العوا في كتابه مواكب التحكم: «المواقف الساخرة هي الأليق بواقع الحياة وتناقضاتها».
لا تفوِّت: مختارات من أفضل ما صدر حديثًا من روايات اليافعين
الأدب الساخر بعد وسائل التواصل الاجتماعي
أتاحت منصات التواصل الاجتماعي الفرصة لظهور موجة كتابات ساخرة، ومتحررة، وغير مسبوقة على مستوى الوطن العربي، فقد تخلت عن الرقابة والمعايير التي تفرضها طرق النشر التقليدية في الصحف والمواقع، واستخدمت اللهجات المحلية بكثافة، فلاقت رواجًا لدى الشباب والمستخدمين الصغار.
ظهرت تلك الموجة -في البداية- عبر منشورات فيسبوك أو من خلال تدوينات تمبلر، أو عن طريق منشورات مؤثرين (إنفلونسرز) ساخرين، مثل: وجيه صبري، وأشرف سعد، وأحمد عاطف. وهذا الأخير أصدر كتابًا بعنوان «شورت وفانلة وتاب»، وحُوِّل إلى مسلسل «بالطو» عام 2023. وفي كتابه (٧) يسجل أحمد عاطف مرحلةً من مراحل حياته بوصفه طبيبًا بشريًا، فيصف ما تعرض له من مواقف هزلية ومفارقات غريبة أنتجت حالة من الكوميديا السوداء لواقع الطب في مصر.
ربما تغرق الكتابات الساخرة على مواقع التواصل بالعبثية والضحك الهزلي، الذي عادة ما يستخدم الغباء الصِرف بوصفه مادة دائمة للسخرية، لا تهتم بالاشتباك مع الواقع الصعب والمأساوي أحيانًا، ولا تستهدف سوى ترفيه المتلقي فحسب.
تغيرت نوعية الأدب الساخر على مدار عقود، وتبدلت نبرته، وتحولت طريقته في نقد الحياة.
