لماذا نستطيع أن نترجم؟
لماذا يستطيع البشر ترجمة اللغات؟ اكتشف الجذور البيولوجية والنفسية والثقافية التي تجعل الترجمة ممكنة لكل إنسان
12 September 2025 · 8 دقائق قراءة · 0 مشاهدة
«هناك عبارتان تنطبقان على البشر: الأولى أنهم جميعًا متشابهون، والثانية أنهم جميعًا مختلفون، وبين هاتين الحقيقتين تقف جميع أشكال الحكمة البشرية»
مارك فان دورين، الشاعر الأمريكي (1894-1972)
يضرب عالم اللغة الأمريكي نعوم تشومسكي مثالًا يفترض فيه أنه لو زار عالم فضائي كوكب الأرض، فإنه سوف يستنتج على الأحرى أن سكانه يتحدثون لغة واحدة إذا ما غضضنا الطرف عن اختلاف المفردات بين ستة آلاف لغة يتحدثها سكان هذا الكوكب.
إذ سينظر هذا الكائن إلى البشر، مثلما ينظر البشر إلى الضفادع، فجميعهم بالنسبة إلينا يصدر أصواتًا واحدة. وفي مقابل هذا المثال يروي الكتاب المقدس قصة برج بابل التوراتية المعروفة حول تفرُّق بني البشر بتعدد ألسنتهم. وبين مثال تشومسكي والقصة التوراتية تتشكل جميع الآراء والنظريات حول الترجمة.
هناك العديد من الآراء التي تناقش مسألة الاختلاف بين لغة المصدر التي يترجم منها، واللغة المستهدفة التي يترجم إليها.
ويتدرج الاختلاف ابتداءً من النظرة التقريبية، ومرورًا بالنظرة التواصلية، وانتهاءً بالنظرة الإبداعية، وثلاثتهم يقر بوجود الاختلاف بين نص المصدر والنص المترجم.
إلا أن الأولى تركز على التقاربات التي تحاول أن تصنعها الترجمة على تعدد مناهجها بين النصين، سواء من حيث السياق أم المعنى أم الغرض أم البنية أم غيرها من أجل تقليص فجوة الاختلاف.
والثانية تركز على الترجمة بوصفها فعلًا تواصليًّا الهدف منه التوسُّط بين ثقافتين، وبالتالي فالغرض ليس تقليص الاختلاف إنما هو استخدامه لأغراض تواصلية.
أما النظرة الثالثة فتنحاز لفرادة العمل المترجم، ولجانبه الإبداعي، ويكون الغرض من الإقرار بالاختلاف هنا التأكيد على الهوية الجديدة للنص المترجم رغم انبعاثه من النص المصدر.
لكننا نميل في هذا المقال إلى مناقشة الترجمة في إطار التشابه وليس الاختلاف أو في إطار المثال الذي ضربه تشومسكي، حيث يتناول هذا المقال الجذور التي تجعل من الترجمة عملًا ممكنًا من الأساس.
فمثل أن الترجمة نشاط إبداعي يبرز حجم الاختلافات بين اللغات، فهي أيضًا نشاط يؤكد على وحدة الجذور البيولوجية والنفسية والثقافية للغات البشر على تعددها.
اقرأ أيضًا: الحياة التي يمكنك إنقاذها
1. الترجمة والبيولوجيا
لنفترض أنك جالس أمام التلفاز، ممسكًا بجهاز التَّحكم عن بُعد، تقلِّب بين القنوات، ثم يستقر بك الحال فجأةً أمام نشرة للأخبار مقدمة بلغة لا تعرفها على الإطلاق، ولتكن الصينية.
بالتأكيد لن يكون بوسعك فهم كلمة مما تسمع، ولن يصلك أي معنىً، باستثناء شيء واحد فقط، وهو معرفتك بأن ما تنصت إليه هو «لغة» وليس مجرد «ضوضاء».
ربما يصل الأمر بك إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ يكفي في بعض الأحيان أن تكون لأُذنيك خبرة سابقة بموسيقى اللغة التي تستمع إليها، لتتمكن من تحديد ماهية هذه اللغة المسموعة إن كانت فرنسية أم إيطالية أم ألمانية أم عبرية.
يشير هذا المثال على بساطته إلى وجود سمات طبيعية في أي لغة بشرية تُسهل عملية التعرف إليها ولو بالحد الأدنى الذي يميز بينها وبين الضوضاء.
فمعرفتنا باللغة ليست أول ما يجعلنا ندرك أنها لغة، وإنما تعرُّف جهازنا السمعي إلى أصوات تحمل خصائص مقطعية وتركيبية معينة. فالدماغ البشري لديه استعداد طبيعي لاستقبال اللغة وتمييزها رغم حائل الفهم.
إن ما نعرفه عن اللغة ينفي أنها مجرد ابتكار تاريخي لجماعة ما نقلته بدورها إلى جماعات أخرى مثلما كان الأمر في الزراعة أو الكتابة.
فجميع المجتمعات الإنسانية بحسب الرحالة قديمًا والأنثروبولوجيين حديثًا تمتلك لغات؛ سواء في الماضي أم في الحاضر، وسواء في مراكز الحضارة أم على أطرافها.
ومن ناحية أخرى، لا تتفاوت اللغات لدى مختلف الجماعات الإنسانية من حيث تعقيد أنظمتها، فلا توجد علاقة ارتباطية بين التقدم التكنولوجي وتعقد الأنظمة اللغوية.
فالنظام اللغوي لدى القبائل البدائية يكافئ في تعقيده من حيث القواعد والتمثيلات أعتى المجتمعات الرأسمالية التكنولوجية.
أضف إلى ذلك أنه، وبغض النظر عن المستوى التعليمي أو المكانة الاجتماعية، أو مدى الذكاء الذي قد يتمتع به الأفراد، فإنهم من حيث القاعدة يتساوون في كفاءة استعمالهم للغة.
فالأشخاص غير المتقنين لمهارة القراءة والكتابة، أو الفقراء، أو متوسطو الذكاء لا يقلون براعة في استعمال اللغة عن نظرائهم من حملة الدكتوراة، أو الأغنياء أو العباقرة.
فعملية الإتقان التام للغة تكاد تكتمل ببلوغ أي إنسان سليم سن الرابعة تقريبًا. كذلك يكتسب الأطفال اللغة اكتسابًا فطريًّا، وبطرق تلقائية، دون أدنى احتياج إلى التعلم المنهجي والإرشادي.
وقد تتعطل بعض القدرات اللغوية لأشخاص كانوا يجيدون التعامل مع اللغة بطريقة طبيعية تمامًا نتيجة تعرضهم لإصابات بمناطق معينة في الدماغ، مثل:
الإصابة بحبسة في «منطقة بروكا» أو حبسة في «منطقة فيرنيكه»؛ وهما منطقتان في الدماغ مسئولتان عن إنتاج الكلام وفهمه. وترتبط أيضًا بعض الاضطرابات اللغوية في الدماغ بعوامل وراثية.
كل هذه الأمثلة وغيرها تعد مؤشرات على اعتبار اللغة بمثابة «غريزة» كما يقول ستيفن بينكر، أو «شبه غريزة» كما يقول تشومسكي، وهذه النشأة البيولوجية للغة هي القاعدة التي تنطلق منها الأطر الثقافية على اختلاف تمثيلاتها اللغوية.
2. الترجمة وعلم النفس
تقوم الترجمة في جانب من جوانبها على عمليات نفسية داخلية لا تتعلق فقط بالفهم بل بالإنتاج كذلك. فالمترجم يقوم بعملية تحويلية ينطلق فيها من النص المصدر نحو النص المستهدف.
وأثناء القيام بفعل الترجمة تختلج عمليات التفكير العقلي بمجموعة من المشاعر مثل الرغبة والغموض والتردد والحيرة والانفعال وغيرها، ولا تكتسب الترجمة في نهاية المطاف شحنتها الدلالية والتركيبية والصرفية بمنأى عن هذا التفاعل المركب بين التفكير والشعور.
من الواضح للغاية أن الشعور يحدث بداخلنا دون الحاجة إلى كلمات للتعرف إليه، فحين نشعر بالغموض أو الحيرة أو التردد فإننا ندرك ذلك تلقائيًّا، ودون بذل أدنى مجهود للتعرف إلى ذلك الشعور.
فعند الشعور بالتردد لن تكون في حاجة إلى ترديد الكلمة في ذهنك من أجل أن يتضح لك هذا الشعور.
لكن هل هذه هي الحال نفسها مع التفكير؟ هل ينبعث التفكير من الكلمات؟ أم تنبعث الكلمات من التفكير؟ أي منهما يطلق شرارة الآخر؟ هل تتحكم الكلمات بالفعل في طريقة تفكيرنا؟ أم أن التفكير يسبق اللغة ويولِّدها؟
تكشف الدراسات الحديثة حول الأطفال أن اللغة ليست شرطًا أساسيًّا لعمليات التفكير، وأن قدرتهم على التفكير المنطقي قد لا تعتمد فعليًّا على اللغة.
وتُظهر النتائج أن الرُّضع يمكنهم التفكير واتخاذ القرارات المنطقية واستنتاج المعاني من السياق المحيط بهم حتى قبل تعلمهم اللغة.
كما تُظهر ردود الأفعال على وجه الأطفال الرضع عند تعرضهم لمواقف غير متوقعة ما يدل على تفكيرهم في الحدث غير المتوقع.
ويشير التفاعل الإيجابي والسلبي للرُّضع مع الأشكال والألوان المختلفة إلى استيعابهم للمعلومات البصرية وتفسيرها.
لنفكر في الأمر، كم مرة حاولنا أن نكتب أو أن ننطق بكلمات أو جمل ثم توقفنا أو تراجعنا لأننا لم نجد في هذه الكلمات أو الجمل تعبيرًا دقيقًا عما نريد قوله؟
ويدل وجود مثل هذا التوقف أو التراجع على أن ثمة مسافة بين «ما قلناه بالفعل» و«ماذا نريد أن نقول»، أو بين اللغة والتفكير.
وكم مرة يجد المترجم فيها نفسه مضطرًّا إلى استخدام تقنيات مثل «النقحرة» Transliteration وهي النقل الحرفي الصوتي للكلمة الأجنبية في اللغة المستهدفة مثل كلمة «أيديولوجي».
أو «النحت» (وهو تقنية اختزالية تستحدث كلمة جديدة مكونة من كلمتين أو أكثر بغرض إيجاز التعبير، مثل كلمة «بَسملة» أو «حوقلة») من أجل التعبير عن شيء في لغة المصدر لا يجد في اللغة المستهدفة ما يكافئه أو حتى يقترب منه في المعنى
إن الإبداع الدلالي والتركيبي والصرفي الذي تحمله العملية التحويلية في الترجمة ينفصل عن لغة المصدر عند درجة عميقة الفهم والشعور متجهًا إلى مستويات أشد تجريدًا.
تبحث بدورها عن التمثيلات اللغوية المعبرة عن هذا الفهم والشعور في اللغة المستهدفة. يسمي بعض العلماء هذه المستويات المجردة بلغة الفكر Mentalese.
وهي فرضية تقول إن الفكر له بنية تركيبية شبيهة باللغة، وأن هذا التشابه هو ما يسمح للفكر المجرد بالالتقاء بالمستوى الملموس للغة المتجسد في الصوت (الكلام) والشكل (الكتابة) والحركة (عند الأطفال ومجتمعات الصم والبكم).
فإذا أعطينا على سبيل المثال عشرة مترجمين كتابًا واحدًا مكتوبًا بالإنجليزية، فإننا سنحصل على عشرة كتب مكتوبة بالعربية.
حيث لا تتماثل أبدًا الترجمات المتعددة للمصدر الواحد، إلا أن جميعها يصلح للمقارنة نظرًا لتولد عملياتها التحويلية من المصدر ذاته.
وتصبح هذه العمليات التحويلية لنشاط الترجمة ممكنة من الأصل، نتيجة لأن اللغات عند المستوى الأعلى من تجريدها تتكون من عناصر مشتركة على مستوى الصوت والدلالة والتركيب والصرف وغيرها.
حيث تتضمن جميع اللغات: فعلًا، وفاعلًا، ومفعولًا، وزمانًا، ومكانًا، وصيغًا للاستفهام، والنفي، وقواعد منطقية وتركيبية لبناء الجمل، وصوائت وصوامت، وحروفًا ساكنة وأخرى متحركة.
وبالتالي، فرغم تعدد التمثيلات اللغوية الناتجة عن العمليات التحويلية لنشاط الترجمة على السطح، التي تجعل من الترجمة أقرب إلى التأليف، إلا أنه تأليف مقيد في العمق بوجود لغة المصدر محدِّدًا خارجيًّا لعمليات التفكير الداخلية، وهو ما يجعل التمييز العملي بين ما نسميه «تأليفًا»، وما نسميه «ترجمة» تمييزًا ممكنًا.
لا تفوت قراءة: فن اختيار الكتب: عشر نصائح تساعدك في اختيار الكتاب المناسب
3. الترجمة والثقافة
يُعرِّف الأنثروبولوجيون الثقافة منذ القرن التاسع عشر على أنها ذلك المُركَّب الكلي الذي يتضمن المعرفة والمعتقدات والفن والقانون والأخلاق والعادات وأي قدرات أخرى يكتسبها الفرد بوصفه عضوًا في مجتمع.
وتنتقل الثقافة بالتنشئة والتعلم لا بالجينات، وتأخذ عملية الانتقال شكلًا رأسيًّا؛ من جيل إلى جيل، أو أفقيًّا؛ بين الأفراد والجماعات.
ويشهد هذا الانتقال درجة كبيرة من التطوير والتحريف والاختزال والتبديل والتعقيد يصعب معها البحث عن سمات عالمية أو شمولية لهذه الثقافات.
لذلك يميل معظم الباحثين في الأنثروبولوجيا الآن إلى التركيز على جوانب الاختلاف بين الثقافات أكثر من جوانب التشابه والتناظر.
لكنَّ ثمة عددًا من الكتابات يركز على هذه التشابهات، ككتابات الأنثروبولوجي الأمريكي دونالد براون Donald Brown الذي قدم كتابًا بعنوان «الكليات الإنسانية» Human Universals.
يتناول فيه عددًا من العناصر التي تشترك فيها جميع الثقافات البشرية تقريبًا، ووضعها في قائمة تشمل أكثر من ثلاثمئة (300) عنصر ثقافي.
فعلى النقيض من العديد من الأنثروبولوجيين الذين يركزون على آليات انتقال الثقافة وتحولاتها الزمنية، يركز دونالد براون على «محتوى الثقافة».
ومن أمثلة هذا المحتوى: الأدوات وصناعتها، وأنظمة القرابة، والرقص، والدين، والسحر، والتجارة، واللغة.
ويفترض براون أنه برغم قابلية المحتوى الثقافي عند البشر للانقسام والتعدد، وللتركيب والتعقيد أيضًا، إلا أن ثمة عناصر جوهرية للثقافات البشرية عمومًا يمكن رصدها خلف التنوع الكبير.
فعلى سبيل المثال؛ لا تعرف كل الثقافات البشرية استخدام الأدوات فحسب، بل إن جميعها أنتجت أنواعًا بعينها من هذه الأدوات مثل؛ الحاويات، وأدوات البناء، والأدوات القاطعة، والرماح، وأدوات النسج، وأدوات الربط.
وتعد اللغة عند البشر أهم أدوات الثقافة وأكثرها تعقيدًا، إذ تلعب ما يعرف بتأثير السُّقاطة Ratchet effect، حيث تساعد في بناء الثقافة وفي تعقدها وتمايزها بمرور الوقت بصورة لا رجعة فيها.
لكن اللغات على تنوعها تحمل في ثناياها الكثير من الكليات الثقافية، مثل:
مثل «أنظمة العد والحساب» التي يقوم أبسطها على مفهوم «الواحد» و«القليل» و«الكثير»، ونظام تسمية الأشياء، وتصنيفها في مجموعات، ومجموعات فرعية، وتصنيف الحالات الشعورية، والتصنيف العمري والجنسي والقرابي، كذلك تعد القصص من الكليات الثقافية التي تعرفها كافة المجتمعات.
وتندرج الترجمة ضمن قائمة براون باعتبارها إحدى الكليات الثقافية التي تتمتع بها كافة المجتمعات على اختلاف لغاتها.
وفي النهاية لا يمكننا تخيل العالم الحالي دون وجود الترجمة قاعدة أساسية يستند عليها تطور المجتمعات البشرية حول العالم.
نفهمها كونها غريزة أو شبه غريزة تنطلق وتحرر بفضل الجذور البيولوجية والنفسية والثقافية لقدراتنا اللغوية نحن البشر.
المراجع:
● ستيفن بينكر، الغريزة اللغوية: كيف يبدع العقل اللغة، تعريب: حمزة بن قبلان المزيني، الرياض: دار المريخ، 2000.
● Donald E. Brown. Human universals. McGraw-Hill. 1991.
