أهم المسلسلات المقتبسة عن روايات عربية في الألفية الحالية
نستعرض في هذا المقال أبرز المسلسلات العربية المقتبسة من روايات ناجحة، مثل "حديث الصباح والمساء" و"ساق البامبو" و"ما وراء الطبيعة" وتأثيرها على الجمهور.
30 May 2026 · 7 دقائق قراءة · 3k مشاهدة
تُقتبس الأعمال الدرامية من الروايات باستمرار، حيث يجد صناع العمل في الرواية بناءً جاهزًا يمكن الاعتماد عليه، خاصة لو كانت الرواية مكتملة أدبيًّا من حيث القصة والحبكة الرئيسية والحبكات الفرعية وتطور الشخصيات الفني.
يُعرَّف ذلك الاقتباس على أنه عملية تسعى إلى نقل العمل الأدبي أو الروائي إلى جنس درامي، سواء على مستوى الشكل بنقل العمل بتفاصيله الأساسية، أم على المستوى الفكري بنقل فكرته الأساسية أو ثيمته فقط. وهي فكرة قديمة قِدم المسرح والدراما، ويعتمد كثير من المخرجين على اقتباس الأعمال الأدبية الشهيرة، لما في ذلك من سهولة التحرك في عالم معروف مسبقًا لدى الجمهور.
عالميًّا، نجحت كثير من الأعمال التي اقتبست من روايات شهيرة، ولعل أهمها كان سلسة أفلام هاري بوتر، التي باتت اليوم واحدة من أهم الأعمال المؤسسة لوعي الجمهور وتفاعلهم مع الأدب والسينما. أما على مستوى الدراما فقد أنتجت أعمال هامة ومحورية في تاريخ التلفزيون في الألفية الحالية، مثل مسلسل لعبة العروش من إنتاج HBO المقتبس عن سلسلة روايات «أغنية الجليد والنار» للكاتب الأمريكي جورج ر. مارتن، ومسلسل «الظلال والعظام» من إنتاج شبكة نيتفلكس عن رواية بنفس الاسم للكاتبة البريطانية لي باردو.
أما عربيًّا فقد أنتجت الدراما على مدى تاريخها مسلسلات ناجحة فنيًّا وجماهيريًّا ومقتبسة عن روايات عربية وعالمية. وإن كان الاقتباس الأدبي ما زال محاطًا ببعض الجدالات حول الحدود المسموحة للمخرج في التعديل على القصة الأصلية، ومدى الالتزام بحذافيرها، بما تفرضه عليه الإمكانيات الإنتاجية، ورؤيته الفنية الخاصة، باعتباره قارئًا في المقام الأول، ويحق له أن يتفاعل مع النص حسب قراءته الشخصية، لكن في النهاية يظل الحكم الأخير للمشاهدين، والمقارنة بين النص الأصلي والعمل الدرامي المأخوذ عنه.
وفي الألفية الجديدة، زادت وتيرة تحويل الأعمال الأدبية إلى أعمال درامية، لما يلقاه ذلك من استحسان عند الجمهور، ونتيجة لزيادة منصات الإنتاج التلفزيوني والمشاهدة عبر الإنترنت. في هذا المقال نتحدث عن ثلاثة مسلسلات عربية اقتُبستْ من الروايات في هذه الألفية.
حديث الصباح والمساء
أُنتِج المسلسل في عام 2001م، ويعد أحد أهم المسلسلات العربية وأنجحها في الألفية الجديدة، إن لم يكن الأنجح، ولا يزال مبثوثًا إلى اليوم باستمرار داخل مصر وخارجها. وقد بُني المسلسل على رواية بالاسم نفسه للأديب العالمي نجيب محفوظ نُشِرتْ في عام 1987، ويحكي فيها قصة تاريخية لعدة عائلات مصرية، والتغيرات التي طرأت على المجتمع في أواخر القرن الثامن عشر، مرورًا بالثورة العرابية، والمقاومة ضد المحتل الإنجليزي، ثم وصولًا إلى ثورة 1919، مرورًا بعدة أجيال مختلفة.
أسس محفوظ روايته على طريقة سردية جديدة وثورية آنذاك، إذ لم يسرد الرواية في خطٍ كلاسيكي من البداية إلى النهاية، وإنما قسَّمها إلى فصول متتابعة بأسماء الشخصيات، ومرتبة ترتيبًا أبجديًّا وليس زمنيًّا.
جاء المسلسل في ثلاثين حلقة من إخراج أحمد صقر، وضم كوكبة من أهم نجوم الدراما المصرية مثل ليلى علوي وعبلة كامل وأحمد خليل وخالد النبوي وغيرهم. كان التحدي في كيفية تحويل الرواية المعقدة والمتشابكة زمنيًّا ومكانيًّا إلى سيناريو يمكن تقديمه ببساطة للمشاهد العادي. فعكف السيناريست محسن زايد على الرواية حتى حوَّلها إلى سيناريو متماسك، يحكي عن ثلاثة أجيال متتابعة من ثلاث أسر مصرية هم المراكيبي والمصري والقليوبي. ركز زايد على ثلاث شخصيات رئيسية وتفرُّعِ أبنائها وأحفادها وتتابع صراعاتهم وأدوارهم الاجتماعية وعلاقاتهم الإنسانية، ومواقفهم المختلفة تجاه الحياة والوطن من خلال التأثيرات المباشرة للمصالح الاقتصادية على العلاقات. وهم الشيخ معاوية القليوبي الأزهري الوطني الذي يساهم في الثروة العرابية، وعزيز المصري ناظر سبيل بين القصرين الذي يعاني الفقر ويتطلع إلى ثروة والد زوجته، وعطا المراكيبي الذي أنجب على كبر ولدين من زوجته الثرية، ورغم الفروق الواضحة تتقارب العائلات الثلاث وتتصاهر معًا وتشترك في الطموحات والأحلام.
ورغم عدة انتقادات من محسن زايد أن المسلسل لم ينفَّذ بالطريقة التي ارتآها، وانتقادات أخرى للنقلات الزمنية المربكة أحيانًا، إلا أن المسلسل خلق حالة من التعلق به بين جمهوره وقدم شخصيات فذة لم تُمحَ من ذاكرة الدراما بعد.
اقرأ أيضًا: قراءة في رواية «في قلبي أنثى عبرية»
ساق البامبو: أن تحمل تهمتك في وجهك
في عام 2012 نشر الروائي الكويتي سعود السنعوسي روايته الثانية «ساق البامبو»، ثم بعدها بعام فاز بجائزة البوكر للرواية العربية. يطرح السنعوسي في كل أعماله تقريبًا سؤال الهوية المجتمعية، سواءً ما يربط أفراد المجتمع بعلاقات، أم الجذور التاريخية التي تمتد لها أصول الدولة الكويتية في محيطها الخليجي والعربي.
في روايته يحكي السنعوسي قصة «عيسى الطاروف» أو «هوسيه الطاروف»، وهو ولد لأب كويتي من عائلة عريقة وأم فلبينية، كانت تعمل خادمة لديهم. تنقسم الرواية مكانيًّا وزمانيًّا بين الفلبين والكويت، حيث يحاول عيسى استكشاف هويته الحقيقية، بين بلد أمه الفقيرة، وبلد أبيه، أو الجنة كما صورتها له أمه.
لكن يصطدم عيسى في الكويت بمشكلة أخرى، وهي خجل العائلة منه، لأنه يجد أباه قد فارق الحياة أثناء حرب الخليج بين الكويت والعراق، ويجد نفسه في عالم غريب مختلف جدًّا عما سبق. بالطبع رفضت جدته قدومه إلى منزلها، لكنها أخفت في أعماقها حبًّا جارفًا له لامتلاكه صوت أبيه ولأنه الرجل الوحيد الذي يحمل اسم العائلة «الطاروف».
عاملته جدته كأنه شاب فليبيني ورتبت له غرفة في ملحق البيت كالخدم، ثم اكتشف هوزيه أن له أختًا من أبيه اسمها «خولة» ليسعدا هما الاثنان بهذا النبأ. لكن هوزيه عانى من عدم اعتراف عائلته به؛ فلم يشاركوه في الأعياد ولم يخالطوه، ولم يعرف دينه بسبب فكرةٍ وصلته خطأً عن الإسلام والداعين له، ولم يعد الكويت وطنًا له، لأنهم لم يتخطوا شكل وجهه الفلبينيِّ.
في عام 2016 اقتُبِست الرواية في مسلسل يحمل الاسم نفسه، من إخراج محمد القفاص، وبطولة الفنانة سعاد عبد الله الميقات بدور الجدة، والممثل وون هوتشونج الكوري الجنوبي الذي يتقن العربية جيدًا وشارك من قبل في عدة أعمال عربية.
التزم المسلسل بعالم الرواية من حيث القصة والصراع الذي عاش فيه البطل، ولاقى قبولًا واسعًا في السوق الخليجي والعربي، ورغم بعض الانتقادات بأنه يشوه صورة الكويت، لكن الرواية والمسلسل معًا لامسا وترًا حساسًا لدى المجتمع الكويتي خصوصًا، والخليجي بصفة عامة، حيث اخترق فكرة العنصرية ضد الوافدين من شرق آسيا والمعاملة القاسية التي يتعرضون لها أحيانًا، وطرحا تساؤلًا هامًّا عن اندماجهم في المجتمع الخليجي، وإسهاماتهم فيه.
ما وراء الطبيعة: الخوف بداخلنا نحن
في الثاني من أبريل من عام 2018 انفجر الإنترنت المصري والعربي بخبر وفاة الدكتور أحمد خالد توفيق الذي قال عن نفسه إنه يكفيه فخرًا أنه جعل الشباب يقرأون. كان توفيق قد ابتكر سلسلة ما وراء الطبيعة عام 1992، ليصبح بها واحدًا من رواد أدب الرعب والفانتازيا العربي، ومن أهم المجددين في طريقة الكتابة الموجهة للشباب والنشء. وابتكر بعدها عدة سلاسل أخرى مثل فانتازيا، وسفاري، ودبليو دبليو دبليو، مع ترجماتٍ عدة لسلاسل من أدب الرعب الأجنبية.
خلق أحمد خالد توفيق حراكًا في منطقة كانت مهملة من الأدب، وصنع حالة عاطفية بينه وبين قرائه صغار السن، حتى شعروا يوم موته أنهم فقدوا أباهم الروحي. بُنيت تلك العلاقة على أسباب مختلفة، أهمها شخصية رفعت إسماعيل.
ابتكر أحمد خالد توفيق شخصية رفعت في الأعداد الأولى لسلسلة ما وراء الطبيعة، حيث لم تكن الشخصية ذات أبعاد واضحة في البداية، ثم تبلورت تبلورًا جذابًا وفريدًا. صار رفعت إسماعيل أيقونة لدى قرَّائه، فتمتع بخفة دم مصرية خالصة، يهزأ بكل شيء، ويضفي سخرية لاذعة على المواقف والشخصيات المختلفة، ولا يستثني من تلك السخرية أحدًا، حتى نفسه.
ومع قدرته الفائقة على ربط الأحداث بعضها ببعض وتحليلها، استطاع رفعت حل المعادلات والغرائبيات التي تعرَّض لها، وعلاقة حبه من طرف واحد لصديقته ماجي التي قال عنها واحدةً من أشهر جمل الغزل في الروايات العربية عندما وصفها بأنها «تمشي على العشب فلا تثني منه عودًا» من خفتها ورقتها. كل ذلك مع بعض اللوازم والعلامات المميزة، مثل نفثه دخان سيجارته كالقطار، وأنه يرتدي بذلةً كحلية تجعله فاتنًا، وكذلك الورود المستمر لجملته الأثيرة: «حتى تحترق النجوم وتفنى العوالم».
في عام 2020 حققت نيتفلكس حلم أحمد خالد توفيق بتحويل سلسلة ما وراء الطبيعة إلى عمل تلفزيوني. وكان ذلك حدثًا ضخمًا مرتقبًا من الجمهور، وخصوصًا قراءه الذين لم يعودوا نَشْأً لكنهم لم يتخلفوا عن المشاهدة. أخرج المسلسلَ المخرجُ المصري عمرو سلامة بالاشتراك مع ماجد الأنصاري، ومن بطولة الفنان المصري أحمد أمين في دور رفعت إسماعيل واللبنانية رزان جمال في دور ماجي ماكيلوب.
تصدر المسلسل وقت عرضه قوائم المشاهدة على نيتفلكس، ولاقى اهتمامًا واسعًا باعتباره الإنتاج المصري الأول للمنصة. وكان الموسم الأول من ست حلقات منفصلة متصلة، كل حلقة بعنوانٍ من عناوين أساطير السلسلة وهي بالترتيب: أسطورة البيت؛ أسطورة لعنة الفراعنة؛ أسطورة حارس الكهف؛ أسطورة النداهة؛ أسطورة الجاثوم؛ أسطورة البيت: العودة.
تميز المسلسل بأداء متقن من فريق التمثيل، فقد تلبس أحمد أمين شخصية الدكتور رفعت، ونقل لوازمه وسخريته اللاذعة إلى الشاشة بحرفية، وربما استفاد من خلفيته باعتباره فنانًا كوميديًّا، كما أتقن الباقي شخصياتهم بطريقة تحاكي بحرفية ما ورد في أعداد السلسلة المختلفة.
لكن رغم الاحتفاء الخرافي ونسب المشاهدة الهائلة التي قوبل بها المسلسل، إلا أنه تعرض لعدة انتقادات، خصوصًا من القراء المتيَّمين بالسلسلة، فقد كانت بعض الحلقات أقل من المتوقع مثل أسطورة الفراعنة، وأخرى لا يطابق الوحش فيها أوصافه في الرواية مثل أسطورة حارس الكهف، كما عاب بعضهم على المخرج عمرو سلامة إضافة لازمة على لسان رفعت لم تكن من لوازمه في الرواية مثل جملة «لو عقلك لاعبك؛ لاعبه»، التي اتُّهِمت بالسطحية ونشازها عن عالم أحمد خالد توفيق.
وعلى كلٍّ، خلق المسلسل حالة غير مسبوقة من المشاهدة وقراءة الروايات بالتوازي، وهي حالة صحية جدًّا، ربما يطمح لها كل كاتب يسعى أن تتحول رواياته إلى دراما يومًا ما.
وفي النهاية، تمنح المسلسلات المقتبسة عن الروايات قبلة الحياة لرواياتنا المفضلة، فتصير صورة وصوتًا وشخوصًا حية يزداد تعلقنا بها، وأتمنى أن تتسع الفرص لإنتاج مسلسلات مقتبسة أكثر في المستقبل، فنستمتع بعمق الروايات وجمال المشاهدة.
تعرَّف إلى: رواية الشاعر والملك لوليد سيف: حياةٌ تلوحُ كباقي الوشمِ في ظاهرِ اليَدِ
