المجتمع العلمي.. هل ينمو العلم في الفراغ؟
هل يولد العباقرة من العدم؟ اكتشف كيف ينمو العلم داخل المجتمع وما الشروط التي تجعل الأمم قادرة على إنتاج المعرفة.
19 May 2026 · 10 دقائق قراءة · 0 مشاهدة
تنزع الثقافة العلمية الشعبية (pop-science) إلى تصوير العالِم على أنه ذاتٌ محايدة موضوعية، تبتغي الوصول إلى الحق صرفًا استنادًا على الأدلة المتوفرة؛ يعمل في معمله أو مكتبه ويقرأ ويجرب، ثم يتبع خطوات منطقية تصل به إلى نظريته العلمية التي عند توظيفها تسهل حياة الناس. وضمن هؤلاء العلماء نجد العباقرة الذين بحكم جدارتهم وذكائهم كانت نظرياتهم أصح من غيرهم وأذكى. وينزع بعض المهتمون بالثقافة إلى «شيء مشابه» فيما يتعلق بأشهر الكُتاب وإبداعاتهم، بأن يتصوروا الكاتب العبقري ذاتًا حساسة مبدعة استطاعت بمهارتها اللغوية وحسها الجمالي أن تخلق أدبًا يستولي على الألباب. كذلك يتصور بعض طلاب العلم الشرعي أن العبقرية العلمية الشرعية نشأت عند الأفراد الاستثنائيين في التاريخ الذين بذلوا جهدًا كبيرًا لمعرفة الحق وتطلبه، واجتمع ذلك إلى ذكاء فطري فأنتج ذلك عالمًا شامخًا.
حين أقول «شيء مشابه» قد تتساءل عزيزي القارئ ما التشابه في الحالات الثلاث التي ذكرتُها؟ تعالَ تخيل معي الآتي وستفهم ما أرمي إليه:
لنتخذ «نيوتن» نموذجًا لعبقري العلوم الطبيعية، و«ديستوفيسكي» نموذجًا للأديب العبقري، و«الإمام الشافعي» –رحمه الله- نموذجًا لعالم الشرع العبقري. ثلاثتهم لا يُشك في إمامتهم في الأبواب التي كتبوا فيها، فهم نماذج لا نزاعَ على عبقريتها بين العلماء ولا العامة.
الآن فلنأخذ نيوتن مكتمل الاستعداد العلمي الذي لم يقم بتجربة علمية بعدُ، ونجعله في بادية من بوادي كردفان في السودان مثلًا، وليكن متزوجًا ولديه عدد من الأبناء عليهم تستهل شؤونه، وعليهِ رعي البهائم وجلب الماء، ولا وجود لمعامل أو كتب –إلا القرآن الكريم- ثم لنتساءل بعد ذلك: هل كنا سنعرف بوجود نيوتن؟ هل كانت لتكون «قوانين نيوتن للحركة» حقيقة، وهل كانت العبقرية لتتفتقَ عن إنجازات تؤدي إلى تطور العلم؟ ولنقل المثل عن الشافعي رحمه الله، وليكن في بقعة حديثة عهد بالإسلام، بعيدة عن مراكز الإشعاع الحضري الإسلامي، بعيدًا عن التابعين وتابعيهم ممن أخذوا العلمَ كابرًا عن كابر، هل كانت لتكون «الرسالة» أو «الأم»، وهل كان علم أصول الفقه ليتخذ شكله الذي نعرفه به الآن؟
إن ديستويفسكي لو تقدم على زمانه الذي عاش فيه قليلًا، ولم تكن الصوالين الأدبية قد ازدهرت، ولم يكن التيار الثقافي والأدبي الروسي قد تبلور، ولم تدخل الجامعات والتعليم حياة الروس، ولم تظهر الإرهاصات الأدبية الروسية بعدُ من شعراء وأدباء، هل أبدع لنا «الجريمة والعقاب» أو «الإخوة كارامازوف»؟
إني لا أرمي بهذا الذي قلتُه غمطَ عبقرية أي من هؤلاء الرموز الثلاثة، فهم أنتجوا ما لا يمكن الشك في ريادته ومجاوزته الهائلة لما كان مستقرا قبلهم من مستويات الإبداع، ولكن أود الإشارة لحقيقة مهمة: لم يكن إبداعهم هذا ممكنًا إلا بوجود شروط ثقافية واجتماعية واقتصادية وعلمية سمحت لتلك العبقرية أن تزهر، وهي نفسها الشروط التي سمحت للعلم أن يتطور، وللأدب أن ينمو ويبدع. دون هذه الشروط لا يكون للعبقرية وحدها إمكانية التعبير عن نفسها. فما هي إذن هذه الشروط التي تسمح للعلم بالنمو والازدهار؟ دون كثيرِ تشويق، تلك الشروط مجتمعةً هي سياق المجتمع العلمي.
تعرَّف إلى: بول أوستر: بورتريه رجل يعيد هندسة العالم
المجتمع العلمي
ليس فقط إنتاج العلم، وإنما حتى تداوله ومناقشته، وصناعة النشر والطباعة، يتطلب كل ذلك وجودَ أفراد متعلمين لهم الحد الأدنى من القدرة على استيعاب غايات العلوم وأغراضها، وفهم قيمة مناهجها وأثرها على حياة الناس؛ أي وجود «مجتمع ونخبته»، هذا بالإضافة إلى نواة صلبة من الأفراد الذين لهم الاستعداد العلمي للقيام بالعلم نفسه وأداء تجاربه، أي «المجتمع العلمي»، ويجمع بين هذين المجموعتين تواطؤ ضمني في شكل اتفاق على قيمة العلم وأهميته بالنسبة للمجتمع واحترام أفراده وتصديق خلاصاتهم التي اتفقوا عليها، وهو ما يُسمى في المجتمع بـ«الثقافة العلمية».
للمجتمع العلمي خصائص مهمة تقف وراء نمو العلم وتطوره، وهو القواعد الضمنية التي تحكم هذا المجتمع وتحفظ إنتاجه من أن يطاله التزييف والتزوير، وتساهم في إتاحة المعلومات بين أفراده ليستفيد منها الجميع، ومن هذه القواعد الأخلاقية الآتي:
1. الموضوعية في تقييم الأفكار عبر معايير غير شخصية يتفق الجميع على عقلانيتها، واستبعاد الاعتبارات الشخصية مثل الدين والجنس والانتماء الاجتماعي عن تقييم البحوث والنظريات.
2. مشاع المعلومات، فكل ما ينتجه العالِم من أفكار، وكل ما يقوم به من تجارب، وكل ما يبلغه من بيانات فإنه ينشره ويبين طريقة وصوله إليه، ما يجعله متاحًا للجميع في الاستفادة منه، أو نقده، أو استنساخ تجربته وانتظار نتائجها، أو البناء على أفكاره ودراسة حالات أخص من التي درسها.
3. التجرد من المصلحة الشخصية، فما يكتبه ويقوله العالم يجب أن يكون الحقيقة العلمية ولا شيء غيرها، مهما تناقض ذلك مع مصلحته الشخصية. ومَن يثبت عليه تزوير أو كذب في العلم لأجل مصلحته الشخصية، فالمجتمع العلمي عبر مؤسساته يعاقبه، ويفقد مصداقيته فيه، ويهدد بفقدانه لمهنته بالكلية، وبذلك يضمن المجتمع العلمي سلامة العلم عن الاعتبارات غير العلمية.
4. النقد العلمي، إذ لا يكتفي المجتمع العلمي بادعاءات العالِم عما اكتشفه ووجده، وإنما تمر كل تجربة أو نظرية بسلسلة طويلة من جولات النقد على أيدي أقران العالِم، عبر استنساخ التجارب، ومساءلة أسس النظريات، ومطالبة النظرية بالتنبؤ بحدوث شيء لم يُرصَد بعد (novel prediction)، وغيرها من وسائل النقد العلمي الذي يؤدي بالعالم إلى تجويد عمله، ثم تطويره تطويرًا مستمرا، أو التخلي عنه في ظل وجود أدلة مناقضة أو نظرية بديلة أفضل تفسيرًا.
الظروف الاجتماعية والسياسية
لا ينشأ العلم في الفراغ، فهو يتطلب وجود مجتمع علمي راسخ، في مجتمع له ثقافة علمية تقدر العلم حق قدره، وتستفيد من نتائجه، وتمول العملية العلمية التي تتضمن أحيانًا سنينًا من التفرغ لتعلم أساسيات العلوم ومناهجها، ثم سنينَ أخرى من التفرغ للعمل المستمر. من سيقوم بشؤون هذا العالِم ليتفرغ لعمله، ومن سيعطيه مقابلَ عمله إذا أنجزه، وكيف إذًا سيستطيع تدبير شأن نفسه وأهله؟
إن النشاط العلمي يتطلب الكثير من المواد والأدوات –تتفاوت بتفاوت طبيعة العلم-، في حدها الأدنى تتضمن الكتب والدفاتر والأقلام، وفي حدها الأعلى المعامل والمصانع والمواد الكيميائية والكهربائية، فمن سيقوم بتوفيرها حتى يتمكن العالم من القيام بعمله؟ بدونِ هذا التمويل وهذا الاعتراف المجتمعي بالمؤسسة العلمية فلن يكون في الإمكان تعليم الطلاب ليغدوا علماء، ولا تفريغهم ليقوموا بأعمالهم براتب يُجرَى عليهم، ولا توفير لوازم العمل، والأهم من ذلك كله لن يكون هنالك إقرار أو اعتراف بنتائج هذا العلم، وعليهِ لا تطبيق له في أي جانب من حياة المجتمع، وعليهِ لا قيمةَ له ولا جدوى.
فإذا تأملنا التاريخ، وجدنا أن الغالب من نمو وتطور العلوم وجد أساسًا مجتمعيا من الاعتراف والتمويل المجتمعي، فقد كانت المساجد في الفترة المبكرة في الإسلام، ثم تمويل المجتمع للمدارس والزوايا في ما بعد عبر الأوقاف الخيرية، أساسًا لتطور العلم الشرعي، وكان تمويل المجتمع الأوروبي للجامعات منذ القرن الخامس عشر في الغرب أساسًا لحركة علمية واسعة من ترجمة واستيعاب ثم تأليف، ولن تخطئ العين حقيقة أن معظم العباقرة تاريخيا استطاعوا تمويل أنفسهم عبر مصدر خارجي، ويندر أن يفلح المرء في كل من العمل لكسب معيشته والعمل العلمي معًا، وكذلك الحال مع المجتمع العلمي الذي لا يستطيع إطلاق إمكانياته إلا وسط مجتمع داعم يقوم بواجب التمويل.
وكما أن مسيرة المجتمع ونمو احتياجاته وأدوات إنتاجه وعمله أساسية في تطور العلم، فكل القفزات الكبرى في العلم كانت مدفوعة بتحولات اجتماعية كبرى، فقد كان لاكتشاف الزراعة دور كبير في تطور التكنولوجيا -وهي رديفة العلم- ونشوء نمط من أنماط التجريب العلمي، يُستعمَل للوصول لنتائج تساهم في زيادة إنتاج المَزَارِع لتغطي احتياجات الإنسان، كما أن التوسع الاستعماري المعروف بالكشوف الجغرافية التي قام بها الأوروبيون أدت بهم إلى تطوير معارفهم بخصوص الملاحة والجغرافيا والفلك والرياضيات وغيرها من العلوم لمساعدتهم في هذه الرحلة وما ترتب عليها من توسع تجاري، ثم استعمار.
وقد حدثت ثاني أكبر القفزات العلمية في السياق الغربي إثر الثورة الصناعية، فمع زيادة ثروات الأوربيين وتنامي احتياجاتهم قاموا بالتوسع في الإنتاج، وبسبب الحافز المادي لهذا الوضع اجتهدت الشركات والمصانع في تطوير مقدراتها لزيادة الربح وتقليل التكلفة وتوفير منتجات تنافسية الجودة، فنشأت ابتكارات علمية وتكنولوجية عديدة في هذه الفترة، لم تفُقهَا كما سوى الاكتشافات التي نشأت مدفوعة بظروف الحربين العالميتين التي شهدت تطورًا غير مسبوق في البحث العلمي لخدمة الأغراض العسكرية والأمنية للمجتمعات.
البنية التحتية للتعليم: المدارس والكليات
وبما أننا اتفقنا حتى الآن أن العلم لا ينشأ في الفراغ، سيكون من البديهي أن نفكر في نقيض الفراغ؛ المكان. لم يكن ممكنًا قط أن ينشأ مجتمعٌ علمي واسع الإنتاج كالذي نعرفه الآن إلا بعد عدد من الاكتشافات المهمة، غيَّر كل منها وجه العلم في عصره.
أقل ما يحتاج المجتمع العلمي كما نعرفه الآن هو وجود لغة مكتوبة، فإذا تجاوزنا قضية اللغة وقلنا إن الإنسان لطالما كانت لديه لغة، فإن الكتابة ظاهرة حادثة في التاريخ البشري، إذ أتى على الناس دهرٌ لم تكن لهم كتابة، ولم يعرفوا الحروف، ما يعني أن وسيلة التواصل الوحيدة كانت المشافهة، أي لا تدوين للتاريخ، ولا لنتائج التجارب، ولا نظريات ذات تفاصيل كثيرة ولا نماذج نظرية معقدة.
فلما اخترع الإنسان الكتابة وأصبحت نخبة المجتمع تستعمل ذلك، احتاج المجتمع إلى ما يكتبون فيه، واستعملوا في ذلك مختلف الأشياء من ورق وجلود وحجارة وغير ذلك. بيدَ أن ما يحتاجه المجتمع العلمي ليرسخ أكثرُ بكثير من مجرد بِضعِ سطوحِ كتابة، ولم يُحَل ذلك حتى استطاع الإنسان إنتاج ورق البردي إنتاجًا واسعًا يكفي تغطية مساحة أوسع من العلم.
ومع كل اكتشاف كان النشاط العلمي وما يمكن تدوينه وبحثه بواسطة «المجتمع العلمي» يزداد. فأصبح الورق يكفي كل من يريد نسخَ كتاب اعتمادًا على قلمه، وبحسب سرعته يمكنه نسخ الكتاب إلى ورقه في مدة تقصر أو تطول، وقد تمتد شهورًا في حال كان الكتاب يصل لبضع مجلدات، ثم كانت المطبعة الاكتشافَ الأكبر الذي غيَّر وجه تاريخ البشرية في التعليم، إذ يسَّرت توفرَ الكتبِ وإنتاجها إنتاجًا واسعًا، وكسرت جزئيا احتكار علية القوم للوصول إلى الكتب، وسمحت لكل ما أتى بعدها من اتساع رقعة التعليم حتى يصبح حقًا للجميع بأن يغدو ممكنًا.
وخلال هذا التطور في أهم أدوات العلم، كان هناك تطورٌ في مكان العلم، ففي التاريخ الإسلامي ابتدأ الأمر بالمساجد، حيث كان العلماء يجعلون حلقاتٍ للناس يدرسون عندهم في إحدى زوايا الجامع، ثم تطور الأمر مع الزمن وأصبح مؤسسة كاملة منظَّمة أشبه بالجامعات الحديثة، إذ كان في المسجد زوايا عديدة مقسمة بحسب مواضيع الدروس أو مستويات الطلاب أو المذهب، ويختار الطالب الدروس التي يود حضورها، مع وجود حدٍ أدنى لا بد منه لينتقل من مجلس إلى آخر، وعلوم معينة لا مناصَ من الإلمام بها، واتسع الجامع وشمل سكنًا للطلاب وإدارة شؤونهم وغير ذلك، إضافةً للأشكال الأخرى من معاهد التعليم كالمدارس والمكتبات والمستشفيات وغيرها من دور العلم في التاريخ الإسلامي، ووصولًا إلى الشكل الغربي الحديث للجامعات التي انتشرت مع الاستعمار منذ قرنين، وبعدها نشأت المراكز البحثية والمعامل العلمية والجمعيات العلمية وغيرها من مؤسسات العلم الحديث، والتي تشكل -مع سابقتها- اليوم البنية التحتية للعلوم في البلدان العربية والإسلامية.
لا تفوِّت هذا الحوار: آفاق المستقبل في صناعة النشر: حوار مع الكاتب والناشر «محمد الفريح»
هل يُزهِر العلم وينمو عندنا؟
إن العلم مؤسسة اجتماعية، يعمل ضمن سياق أوسع منه، مجتمعي وثقافي وسياسي ومادي. فالشافعي رحمه الله ابنُ التطور العلمي في القرن الثاني الهجري، ولفَّ بين علم أهل الحديث في المدينة، وعلم أهل الرأي في العراق، وعلمُ من بلغه علمه في الحجاز والشام ومصر، مع ما جمعه من شعر ولغة من بوادي العرب، فجرد الحديث في الأصول بعبقرية لم يسبقه فيها أحد.
ونيوتن ابنُ المؤسسة العلمية الأوروبية التي بحلول زمنه كان نظامها الجامعي قد رسخ بأعرافه وتجاربه ومعامله ومصادر تمويله، فاستند على كل هذا التراث واجتهد فخلَّد اسمه في التاريخ.
أما دوستويفسكي فابن المجتمع الأدبي الروسي الذي ماج في وقته موج البحار بالجلسات والنقاشات، وازدهرت فيه التيارات الأدبية المختلفة، وبدأ الأدب الروسي الحديث حينها في شق طريقه واثقًا قويًا، وكانت مكانة الأدباء في هذا المجتمع والأوضاع التي ينالونها فيه جيدة. فقدِم دوستويفسكي حينها ورسم في خضم ذلك كله أسلوبَه وإبداعه، فبرز به فوق أقرانه، وحفر اسمه في ذاكرة الأدب.
لا يمكننا التفكير في أي مشكلة ضمن التطور العلمي -سواء في العلوم الطبيعية أو الإنسانية أو الشرعية أو الأدبية أو غيرها- إلا إذا نظرنا نظرةً شاملةً لهذه الجوانب كلها. فالعلم لا ينمو في الفراغ، بل هنالك شروط عديدة يجب العمل عليها لتحسين الأوضاع.
ليست مشكلة النشر منفصلة عن مشكلة الثقافة العلمية في المجتمع، والتي بدورها لا تنبتُّ عن مشكلة المؤسسات العلمية، المتصلة بمشكلة التمويل، المنغمسة في وحل الوضعية السياسية. ولا يمكن حل مشكلة واحدة وافتراض أن الباقي سيُحَل تَبَعًا، بل يجب النظر إلى الأمر نظرًا كليًا يحيط بمختلف جوانبه، بحيث يكون العمل على كل الجبهات، وذلك وحده ما قد يجعل لنا وضعًا نتحول فيه إلى مقعد المنتجين للعلم ذوي الأدوار في نموه وتطوره، ويكون لنا عبر ذلك عبقري منا في هذا العلم أو ذاك.
يعلِّمنا تاريخ العلوم أنها تتحرك حضاريًا من حقبة إلى أخرى، ويصدق ذلك في علوم الشرع كما يصدق في علوم الطبيعة. فعلوم الطبيعة كانت لبلاد الرافدين سيادةٌ فيها في حقبة، وكانت لمصر في حقبة، ثم للهند والصين في حقبة، وانتقلت إلى الحضارة الإسلامية في حقبة، ثم كانت لأوروبا وهي عندها حتى الآن. وعلوم الشرع تعاقبت على كثافة الإنتاج بلدانٌ مختلفة فيها في الفترات المختلفة؛ ساد الحجاز فترة، وساد العراق فترة، وسادت مصر فترة، وسادت إيران فترة، وساد غير ذلك من بلدان المسلمين فترات، وفي غير فن من فنون العلم، مع اختلاف الزمان والمكان.
تسود الحضارات التي تستطيع تهيئة هذه الظروف، فلا اللون ولا الجنس ولا الجغرافيا شرطٌ للعبقرية، وإنما شرط ظهور العبقرية هو شرط نمو العلم. ولا تستثني هذه الحركة تستثني أحدًا إذا عمل لها، وإذا حقق شروطها. فتذكر حين تكتب أو تنشر أو تدرس أو تعلِّم أو تُنفِق على العلم؛ إنك حجر في بناء العلم الكبير، إن أحسنتَ في ما تفعل، فلعل أثر الفراشة ينتج عن إحسانك هذا، ويؤدي بعد مئة عام لتطور العلم في وطنك، وتحسن أحوال أهله، وتخليد اسمها بعبقري جديد.
