28 May 2026 · 9 دقائق قراءة
أراد ناقدٌ من نقَّاد التمثيل أن يثني على قصةٍ راقته، وملكت عليه إعجابه، وكان صاحب القصة له صديقًا حميمًا، فتوقَّع أن يُلام في الثناء عليه، ولكنه لم يتحرَّج من إهداء هذا الثناء إلى صديقه في غير…
أراد ناقدٌ من نقَّاد التمثيل أن يثني على قصةٍ راقته، وملكت عليه إعجابه، وكان صاحب القصة له صديقًا حميمًا، فتوقَّع أن يُلام في الثناء عليه، ولكنه لم يتحرَّج من إهداء هذا الثناء إلى صديقه في غير تردُّدٍ ولا تحفُّظ. وأعلن في صراحةٍ – أعجبتني – أن من خيانة الأصدقاء أن تتخذ صداقتهم وسيلةً إلى جحود ما لهم من حق، وإخفاء ما لهم من فضل، وتجاملهم هذه المجاملة السلبية التي تدفعك إلى أن تتردَّد وتتحفَّظ، وتقدِّم إليهم ثناءً ممتقعًا شاحبًا، حتى لا تهم بالإغراق، ولا توصف بالمحاباة. وحتى لا يسوء ظن قرائك بنصيبك من الإنصاف، وحظك من الاستقلال.
رأى ذلك الناقد، وأنا أرى معه، أن هذا النحو من معاملة الأصدقاء خيانةً منكرة، وظلمٌ قبيح، وأنه في الوقت نفسه نوعٌ من اتهام النفس، والإسراف في سوء الظن بها. فليس ينبغي للناقد أن يصدر – فيما يرى من رأى – عمَّا يقول الناس فيه أو ما يمكن أن يقولوا فيه، وإنما هو مدين لنفسه ولقرائه بما يعتقد أنه الحق الخالص، سواء أرضي الناس أم سخطوا، وسواء وافق رأيه هوى القراء، أم انحرف عنه.
وعلى هذا النحو من الاستعداد عمدت دائمًا إلى النقد، واجتهدت ما استطعت ألا أظلم الصديق لصداقته، ولا الخصم لخصومته، وليس الظلم مقصورًا على أن تغضَّ من العمل الأدبى أو العلمى، أو تنقص من قيمته لأن صاحبه صديقٌ لك، أو حرب عليك. بل هناك ظلمٌ أقبح من هذا وأشنع، وهو أن تثنى على مَن لا يستحق الثناء، أو تغلو في حمد من لا يستحق الحمد إلا بمقدار . وأن تحمد الخصم لأنه خصم، ولأنك تكره أن يقول الناس فيك خاصمه، فعجز عن انصافه وتحامل عليه.
ولست أريد أن أخون صديقي «أحمد أمين»، بالإسراف في الثناء عليه، ولا أن أخونه بالغض منه والتقصير في ذاته، وكما أريد أن أنسى صداقته، وأهمٍل – ولو لحظةٍ قصيرةٍ – ما بيني وبينه من مودة كلها صفو وإخاء استطعنا أن نجعله فوق ما يتنافس الناس فيه من المنافع وأغراض الحياة، إنما أريد أن أنصفه. وأشهد لقد فكَّرت وقدَّرت، وجهدت نفسي في أن أجد شيئًا من العيب في الخطر أصف به هذا الكتاب الذي أقدِّمه إلى القراء فلم أجد، ولم أوفَّق من ذلك إلى قليل ولا كثير.
اقرأ هذا الحوار: حديث السياسة والأدب: حفيد طه حسين يتذكر
وليس ذنبي أن «أحمد أمين»، قد قصد إلى عمله في جدٍّ وأمانة وصدق، وقدرة غريبة على احتمال المشقة والعناء، والتجرُّد من العواطف الخاصة. والأهواء التي تعبث بالنفوس، فوفق من ذلك إلى أعظم حظٍّ يستطيع العالم أن يظفر به في هذه الحياة.
نعم؛ وليس من ذنبي أن «أحمد أمين»، قد استقصى فأحسن الاستقصاء، وقرأ فأجاد القراءة، وفهم فأتقن الفهم، واستنبط فوفِّق إلى الصواب. ليس من ذنبي هذا ولا ذاك، وليس من ذنبي أن أحمد أمين، بعد هذا كله، وبفضل هذا كله، قد فتح في درس الأدب العربي بابًا وقف العلماء والأدباء أمامه – طوال هذه العصر الحديث – يدنون منه ثم يرتدُّون عنه، أو يطرقونه فلا يفتح لهم، ووفِّق هو إلى أن يفتحه على مصراعيه، ويُظهِر الناسَ على ما وراءه من حقائق ناصعة، يبتهج لها عقل الباحث والعالم والأديب، ليس شيء من هذا ذنبي أنا! وإذا لم يكن بُدٌّ من أن يلام أحد لأن عالمًا مصريًّا قد وفِّق إلى هذا الفوز المبين، أهدى إلى اللغة العربية كتابًا لم يُسبق إلى مثله، فليُسلِّم هذا العالم المصرى نفسه، وليعاقَب، أحمد أمين، لأنه قد ظفر بهذا الفوز.
لقد اختار «أحمد أمين» لكتابه عنوانه هذا «ضحى الاسلام» وهو لا يقدر إلا أن الضحى يأتى بعد الفجر، وأنه وقد أظهر «فجر الاسلام» يجب أن ينغمس في ضحاه. أما أنا، فكنت أفهم معه هذا الفهم، وأذهب معه هذا المذهب، ولكني لم أكد أبدأ معه قراءة الكتاب حتى أخذت أحس شيئًا لم أرد أن أتحدث به إليه، مخافة أن يكذب ظني مضينا في قراءة الكتاب، ولكنَّا مضينا، ومضينا حتى أتممنا هذا الجزء الذي نقدِّمه إلى القراء. فإذا هذا الشيء الذي كنت أحسُّه يزداد وضوحًا وجمالًا وقوة، وإذا ظني يصدق شيئًا فشيئًا حتى يصبح يقينًا، وإذا أنا مؤمنٌ إيمانًا لا يشوبه الشك بأن هذا الكتاب الذي أنا سعيدٌ بتقديمه إلى القراء يلق على تاريخ الإسلام في العصر العباسي الأول نورًا رائعًا وضَّاءً قويًّا هو أشبه شيء بنور الضحى.
فالكتاب «ضحى الإسلام»، لأنه يدرس تاريخ الحياة العقلية للمسلمين في القرن الثاني الهجرة، وهو «ضحى الإسلام»، لأنه قد جلى هذه الحياة وأظهرها للناس كأوضح ما يمكن أن تكون، وكأجمل وأبهى ما يمكن أن تكون، ولست أدري أيهما أُمنِّي بهذا الفوز، أحمد أمين، لأنه قد جد وألح ومضى في الجد والإلحاح، حتى انتهى إلى هذا التوفيق، أم الجامعة المصرية لأنها قد اهتدت إلى «أحمد أمين»، ووكلت إليه ما وكلت من أنواع الدرس وفنون البحث، ولعل الخير كل الخير في أن أصرف هذه التهنئة عن «أحمد أمين» وعن الجامعة إلى الذين يقرأون اللغة العربية، ويعنيهم أن يؤرِّخوا آدابها، ويستكشفوا ما اشتملت عليه من الكنوز التي كانت مجهولة إلى الآن، هؤلاء أحق بالتهنئة، لأنهم سيسيرون منذ اليوم إلى أغراضهم في طريقٍ واضحة سهلة معبَّدة، يغمرها نور الضحى.
لن تكون حياة المسلمين منذ اليوم، كما كانت من قبل. غامضةً مضطربةً، يتحدث عنها مؤرخو الآداب بالتقريب لا بالتحقيق، ويقولون فيها بالظن لا باليقين، ذلك عصرٌ قد انقضى، وألقى بينه وبين الذين سيؤرخون الآداب ستار صفيق. ألقاه «أحمد أمين» وأصبح الذين يقصدون إلى تاريخ الأدب قادرين منذ اليوم على أن يحقِّقوا ويستيقنوا. ويسيروا في بحثهم على بصيرة وهدى.
ما أكثر ما كنا نضيق صدرًا بهذه الرموز الغامضة التي كان يلجأ إليها مؤرخو الآداب حين كانوا يذكرون تطوُّر الحياة الإسلامية – أيام بني العباس – بفضل الاختلاط بين العرب وغيرهم من الأمم. وبفضل اتصال العقل العربي بالعقول الأجنبية، وبفضل الترجمة والمترجمين، والتأليف والمؤلفين. كانت هذه الألفاظ كلها رموزًا إلى الآن تدلُّ على أشياء كثيرة، ولكنها لا تدل على شيء تُصوِّرُ أمام الباحثين صورًا مختلطة مضطربة لا تحصى ولا تستقر، فهي ذاهبة أبدًا، جائية أبدًا. غامضة أبدًا. نسعى إليها، ولا تظفر بها، أو يصرفنا عنها الكسل العقلي: الذي هو آفة حياتنا الأدبية في هذا العصر.
أما الآن فقد ضُبطت هذه الصور أحسن ضبط، وجُليت أحسن تجلية، وأصبحنا إذا ذكرنا تطوُّر الأمة العربية أو الأمم الإسلامية في القرن الثاني للهجرة، نعرف بل نحس حقيقة هذا التطور ومصدره، والآماد التى انتهى إليها، وأصبحنا إذا ذكرنا الحياة الاجتماعية للمسلمين في هذا العصر لا نقول كلامًا مهمًّا، وإنما نقول كلامًا يدل على ما يُراد به أحسن دلالة وأجلاها: يدل على طبيعة هذه الحياة وما تقوم عليه من اتصال بين الأفراد والجماعات، على اختلاف الأجناس والبيئات والأمزجة، يدل على طبيعة الزواج الذي كان يكون بين هؤلاء الناس فيخلط دماءهم خلطًا، أو قل يمزجها مزجًا. يدل على طبيعة الرق الذي محا الشخصيات الفردية والاجتماعية لكثيرٍ من الأفراد والأمم، وصهرها كلها في مرجلٍ واحدٍ هو الدولة الإسلامية، فكوَّن منها شخصية جديدة كل الجدة. طريفة كل الطرافة، هي شخصية الأمة الإسلامية.
نعم، ويدل على هذه الطبقات التي كان يتألَّف منها الجسم الاجتماعي، للأمة الإسلامية، والتي كانت تتقسَّم فيما بينها الأعمال الكثيرة المختلفة، التي يحتاج إليها هذا الجسم لا ليحيا فحسب، بل ليرفِّه هذه الحياة ويرقيها، ويأخذ فيها بأعظم حظٍّ ممكن من الترف المادي والعقلي والشعوري جميعًا.
واذا ذكرنا الثقافة اليونانية، فلن تفهم منها منذ اليوم هذا المعنى المهم الذي ترمز إليه بالفلسفة أحيانًا، ولكنا سنعرف بالضبط مقدار ما أخذ العرب عن اليونان، وكيف أخذوه. ومن أين أخذوه، وكيف أساغوه أو لا، ثم تمثَّلوه بعد ذلك؟ وقل مثل هذا في الثقافة الهندية والفارسية، أستغفر الله بل خيرًا من هذا، قل أكثر جدًّا من هذا، فما أعلم أن باحثًا عن تاريخ الأدب العربي وفِّق إلى تحقيق الصلة بين العرب والهند. أو بين العرب والفرس إلى مثل ما وفِّق إليه «أحمد أمين».
وهو – بعد هذا كله – أول من بسط هذا في اللغة العربية بسطًا يطمئنُّ إليه الباحث الذي يسلك إلى بحثه طريق الجد والصدق، لا طريق العبث والتضليل.
واذا ذكرنا الثقافة المسيحية والثقافة إليهودية، فلن تفهم منهما منذ اليوم ما كنا نفهمه من قبل، من أن اتصال المسلمين باليهود والنصارى قد أحدث بين أولئك وهؤلاء ضروبًا من التأثير العقلي العام.
ولكننا سنعرف طبيعة هذا التأثير ومقداره ومصدره، ثم سنضع أيدينا على مظاهر هذه الحياة الجديدة، فيما أنتج المسلمون من أدبٍ وعلمٍ وفن.
أستطيع أن أقول إن «أحمد أمين» حينما انتُدب لتأليف هذا الكتاب قد اتخذ لأمة المحارب، ووضع أمام عينيه غرضًا أقسم ليبلغه، أو ليعدلن عن إظهار الكتاب. وهذا الغرض: هو تخليص الحياة العقلية الإسلامية في القرن الثاني من الغموض والإبهام، وما زال بهذا الغموض والإبهام حتى أجلاهما عن موقفها، وانتزع منهما حياة المسلمين العقلية إلى منتصف القرن الثالث للهجرة. وكان يزورني كل أسبوع ومعه طائفة جميلة رائعة من الغنائم التي كان يكسبها في هذه الحرب الشاقة المتصلة، فأُقاسمه سعادته بالظفر، واغتباطه بالفوز.
ولست أُحب أن تقدر أنى أعمد في هذا الكلام إلى ضروب المجاز وألوان التمثيل لأزين القول وأنمقه، ولكني أحب أن تستيقن أني إنما أقول الحق خالصًا من كل زينة. بريئًا من كل تنسيق. فقد كان تأليف هذا الكتاب حربًا عنيفةً طويلةً مملةً بين المؤلف وبين الغموض والإبهام، وكان المؤلف كلما تقدَّم خطوةً وقف ينظم انتصاره، ويصوغ ثمراته هذه الصيغة الجميلة التى ستراها في فصول هذا الكتاب ويتأهب في الوقت نفسه لهجمةٍ أخرى يكتب بها موقعةً أخرى، ويقتصر بها انتصارًا جديدًا.
لا تفوِّت قراءة هذا المقال: أجمل المراسلات بين الشعراء
ومع أن المؤلف قد أنفق جهدًا قويًّا في أن يجنِّبك مشاركته فيما كان يحتمل من عناء، ويلق من مشقة، ويذوق من مرارة الصبر والمصابرة، ومطاولة المسائل المعضلة التي كانت تُعرَض له. فأنت واجد أثر هذا كله في فصول الكتاب. حين ترى المؤلف يسير في أنَّاةٍ تشبه البطء، ويعرض عليك جزئياتٍ ضئيلةٍ، تشبه أن تكون إغراقًا في التفصيل، وتقليدًا للجاحظ في حب الاستطراد، ولكن أثبت هذا البطء واصبر لهذا التفصيل، وامض مع الكاتب في رفقٍ وأنَّاةٍ فسترى أن نتيجة هذا الثبات والصبر والرفق أقوم جدًّا مما كنت تظن، وأنفس جدًّا مما كنت تنتظر، وأن الكاتب لم يتورط فيها تورُّطًا . وإنما قصد إليها قصدًا، وتعمَّدها تعمُّدًا، لأنه لم يكن يستطيع أن يعدل عنها حتى يُضحِي بالأمانة العلمية، والتحقيق الذي يفرضه البحث الحديث فرضًا على العلماء.
ولا تخف من هذا البط، ولا تشفق من هذه المطاولة، فلن يعترضك ملل، ولن يفل من جدك سأم، ولن تضيق بالكتاب لحظة، فقد عرف الكاتب كيف يهوِّن عليك طول الطريق إلى غايتك، وكيف يبث أمامك في هذه الطريق من الزهر ما يستهوي عينك، وكيف ينشر حولك في هذه الطريق من الأصداء الحلوة ما يخلب أُذنك، وأنا زعيم بأنك ستحتاج إلى أن تُعيد قراءة بعض الصحف وبعض الفصول، وسترى أن الكاتب على إبطائه وأنَّاته مسرعٌ مسرف في السرعة بعض الأحيان.
أشهد لقد وُفِّق «أحمد أمين» في هذا الكتاب إلى الإجادة العلمية والفنية معًا: استكشف الحياة العقلية الإسلامية استكشافًا لم يسبق إليه، ثم عرضها عرضًا هو أبعد شيء عن جفاء العلم وجفوته، وأدنى شيء إلى جمال الفن وعذوبته.
فلينعم القراء بفصول هذا الكتاب، ولينعم المؤلف بما ينعم به الظافر حين ينتهى إلى فوز لا تشوبه شائبة. ولتكن هذه الحياة الجادة الخصبة المنتجة – في تواضع ولين جانب – التي يحياها «أحمد أمين» درسًا نافعًا، ومثلًا صالحًا للذين يريدون أن يحيوا في مصر حياة العلماء.
- لغة شاعرية وترجمة أمينة لإيقاع النصّ.
- ربط رشيق بين الفلسفة والسِّيَر الشخصية.
- فصول قصيرة تصلح للقراءة المتقطّعة.
- تكرار بعض الأفكار في الثلث الأخير.
- يفترض إلماماً مسبقاً ببعض الأسماء الفلسفية.
