6 February 2026 · 8 دقائق قراءة
في مجموعته القصصية الحائزة على جائزة محمود تيمور للقصة العربية في دورتها الأولى «ما تكتبه الأشياء في غيابنا»، يخلق الكاتب مرتضى محمد الشهاب عبر قصص المجموعة عالمًا مركَّبًا يحمل طبقاتٍ متعددةٍ من المعنى، يمنح فيه للأشياء…
في مجموعته القصصية الحائزة على جائزة محمود تيمور للقصة العربية في دورتها الأولى «ما تكتبه الأشياء في غيابنا»، يخلق الكاتب مرتضى محمد الشهاب عبر قصص المجموعة عالمًا مركَّبًا يحمل طبقاتٍ متعددةٍ من المعنى، يمنح فيه للأشياء حضورًا حيًّا، وللصمت قوة الصوت. عبر لغةٍ سرديةٍ هادئة تفسح للتأمل مساحةً خاصة، ليتوقَّف عند كثيرٍ من المفردات والتعبيرات والتشبيهات التي تُعيد تعريف الواقع من حولنا.
العنوان
على غير المعتاد في أغلب المجموعات القصصية، لم يختر المؤلف اسم قصةٍ من المجموعة ليجعلها عنوانًا لها، بل أنشأ عنوانًا خارجيًّا ليكون مظلةً جامعةً تندرج تحتها القصص جميعها. ويُعبِّر العنوان الجامع «ما تكتبه الأشياء في غيابنا» عن جوهر المجموعة القصصية؛ إذ لا تُعامَل الأشياء بوصفها جمادًا أو وسائل نستعين بها في قضاء احتياجاتنا، ونهجرها فور انتهاء صلاحيتها، بل يمنحها الكاتب عبر قصصه أرواحًا وإراداة ومعرفة وفطنة تجعلها قادرةً على الحركة والكتابة والبوح بما يفوتنا نحن الكائنات البشرية رغم كل ما نمتلكه من وعي وإدراك.
ولا يكتفي الكاتب بمنح المجموعة عنوانًا خارجيًّا شاملًا، بل يُقسِّم المجموعة نفسها إلى أربعة أقسام، كل قسمٍ منها يحمل هو الآخر عنوانًا خارجيًّا شاملًا لمجموعةٍ من القصص. وهذه العناوين الأربعة هي: «الذين لم يعودوا مع الوقت»، و«المرور من الذاكرة»، و«حين يتكلم الصمت»، و«عندما يصحو الضوء».
كل عنوانٍ من هذه العناوين الأربعة يُعبِّر عن الثيمة الأساسية للقصص التي تندرج تحته؛ ففي العنوان الأول، نستشعر الحضور الطاغي للزمن حيث يظهر ليس فقط بوصفه إطارًا للأحداث، بل أيضًا بوصفه عنصرًا فاعلًا يؤثر في الشخصيات ويُعيد تشكيل تجربتها. ويتجلى الزمن عبر غياب الأشخاص والذكريات، مما يخلق إحساسًا بالحسرة والحنين، ويبرز كيف أن مرور اللحظات يمكن أن يُفقدنا أو يُعيدنا إلى أنفسنا من جديد. فالزمن هنا ليس مجرد قياس، بل تجربة وجدانية تتحرك مع الشخصيات وتوجِّه وعيها.
وفي العنوان الثاني، نتعرَّف على أنواعٍ مختلفة من الذاكرة؛ فالذاكرة ليست ما نحتفظ به في أدمغتنا فقط، بل أيضًا في كل ما نستقبله عبر حواسنا؛ فللروائح ذاكرة، وللأصوات ذاكرة، بل ولملمس أيدينا أيضًا ذاكرة. هذه الحواس تعمل كجسر بين الزمن المفقود والحاضر، وتسمح للشخصيات بالتواصل مع ما لا يمكن التعبير عنه بالكلام المباشر، مما يمنح الأشياء قدرًا من القدسية والفاعلية.
أما في العنوان الثالث؛ فلا يُعد الصمت نقيض الصوت بل هو إحدى تجلياته، حيث نسمع صداه يتردد في أرجاء ذواتنا، ليخلق ضجيجًا داخليًّا غير مسموع. فضلًا عن أنه وسيلةً للبوح والإيصال. وهو ليس غيابًا للكلام، بل خطابًا داخليًّا أو رسالةً للأشياء والزمان. الشخصيات تتعلَّم الاستماع لما لا يُقال، سواءً كان عبر تحرك الأشياء، أم الموسيقى الخافتة، أم الرسائل المؤجلة، مما يجعل الصمت صوتًا قويًّا يُعيد ترتيب إدراكنا للعالم من حولنا.
وفي العنوان الرابع نستشعر الضوء مقترنًا بالظلال والمرآة؛ حيث يؤدي الضوء دورًا رمزيًّا في كشف الجوانب الخفية للشخصيات وللعالم المحيط. فالضوء لا يكشف الشكل فقط، بل يعيد أيضًا تكوين التجربة والوعي، ويمنح الشخصيات مساحةً للتأمل والاختبار. من خلاله، يُبرز الكاتب الفروق الدقيقة في المشاعر والذاكرة، ويحوِّل التفاصيل اليومية إلى لحظاتٍ استثنائية.
الفضاء السردي
يقوم الفضاء السردي في المجموعة على المزج بين العالم الواقعي والتجربة الذاتية للشخصيات، حيث تتحرك الأحداث في أماكن مألوفة – مثل الشقق والغرف والمقاهي والقطارات – لكنها تُعيد اكتشافها من خلال حساسية الكاتب تجاه التفاصيل الصغيرة. حيث يُصبح المكان إطارًا تفاعليًّا يكتب فيه كل عنصر من عناصر الحياة حكايةً خاصة، عاكسًا فيها النفس البشرية بعمقها وحنينها وأحلامها اليسيرة.
لهذا، فالمكان ليس مواقع جغرافية فحسب، بل مساحاتٍ تختزن لحظات حياة الشخصيات بأصواتها وروائحها ولمساتها. فكل شيء حول الشخصيات، من الكرسي الخشبي إلى الطاولة القديمة أو النافذة الصغيرة، يمكنه أن يحفظ لحظة ويبوح بما يفوتنا نحن الكائنات البشرية، فيصبح كل عنصر من عناصر المكان فاعلًا وذاكرًا وناقلًا للمعاني.
كما أن الحركة داخل هذه الفضاءات ليست حركة فعلية فحسب، بل هي أيضًا حركةٌ رمزيَّةٌ للزمن والوعي الداخلي للشخصيات. فالمشي في الممرات، والصعود في المصاعد، والمرور بجانب النوافذ، والجلوس على مقاعد محددة، كلها أفعالٌ تتقاطع مع تدفُّق الزمن، فتُظهر كيف أن الحياة اليومية يمكن أن تتحول إلى مشهد للتأمل الفلسفي، وكيف أن كل لحظة تمر تُخزن في الأشياء لتروي القصة لاحقًا.
فضلًا عن أن الفضاء السردي يخلق مناطق من التأمل الصامت والروحانية الصغيرة، حيث يلتقي القارئ مع لحظات البوح الداخلي والمعاني المخفية في تفاصيل الحياة اليومية. كل غرفة، كل نافذة، كل مقعد على القطار، يصبح مسرحًا لتجارب شخصية عميقة، تسمح بالتأمل في العلاقة بين الإنسان ووقته وذاكرته وبيئته. ومانحًا الحكاية مساحة حيَّة لتتشكل بطريقةٍ حسيَّةٍ، وفلسفيةٍ، وعاطفية في آنٍ واحد.
اللغة السردية
تمتاز اللغة السردية في المجموعة القصصية بالتكثيف والاختزال، فهي قادرة على نقل مشاعر عميقة وأفكار معقدة في جمل قصيرة ومركزة. كل كلمة تحمل معنى مزدوجًا، تعكس الأحداث الخارجية والصراعات الداخلية للشخصيات في الوقت نفسه. هذا الأسلوب يمنح النص كثافة معنوية، ويخلق إحساسًا باللحظة الحالية، ويجعل القارئ يشارك في إعادة اكتشاف كل طبقة من النص مع كل قراءة، من دون الحاجة إلى سرد مطول أو وصف زائد.
تمتاز اللغة أيضًا بالهدوء والبطء في الإيقاع، وهو ما يمنحنا فرصةً للتوقُّف والتأمل مع كل كلمة وجملة. فالكاتب لا يسعى إلى الإسراع بالأحداث أو خلق مشاهد مليئة بالحركة، بل يركز على كثافة الملاحظة والتفاصيل الدقيقة، سواء في وصف الأشياء أو في تسجيل حركات الشخصيات، فتخلق اللغة إحساسًا بالعمق والحنين، وتجعل من القراءة تجربة تأملية تشبه التجوال بين طبقات الحياة المخفية.
وتتجاوز اللغة وظيفة الوصف اليسير، لتصبح وسيلةً لتجسيد الأشياء ومنحها حياة خاصة. الطاولات، والنوافذ، والمقاهي، وحتى الأقلام والكتب، تُصاغ بأسلوبٍ يجعلها موصولة بالزمن والذاكرة، ويسمح لها بأن تكتب حضورها وتُخزن غيابنا، بحيث يصبح القارئ مدركًا أن كل عنصر في العالم المحيط يحمل قصة غير معلنة.
كما تتسم اللغة بالقدرة على المزج بين الواقعي والحسي من جهة، والرمزي والفلسفي من جهة أخرى. فوصف الروائح والأصوات والحركات اليومية لا يقتصر على مجرد تصوير المشهد، بل يفتح نافذة لتفسير أعمق للوجود والوعي، كما في قصص مثل «ممر العطور» و«أرشيف الأصوات». هذا التوازن يجعل النصوص متعددة الطبقات، حيث يمكن للقارئ أن يستمتع بالسرد اليومي البسيط وفي الوقت نفسه يقرأ بين السطور معاني الحياة والذاكرة والغياب.
يعتمد الكاتب أيضًا على التكرار الفني في بناء نصوصه، سواءً في استخدام بعض المفردات، أم في تكرار الإيقاعات الصوتية واللغوية، أو إعادة ظهور رموز وأشياء معينة عبر القصص. هذا الأسلوب يخلق إحساسًا بالتماسك الداخلي ويضفي على اللغة إيقاعًا موسيقيًّا خفيًّا، كما يسمح للقارئ بالارتباط العاطفي بالنصوص وفهم العلاقة بين الشخصيات والأشياء والزمان بطريقةٍ طبيعيَّةٍ ومتدفقة.
الحبكة
الحبكة في قصص المجموعة لا تعتمد على التسلسل التقليدي للأحداث أو الصراعات الخارجية، بل تتأسس على التجربة الداخلية للشخصيات وتفاعلها مع الأشياء المحيطة بها. والأحداث تتكشف عبر مراقبة التفاصيل، والتأمُّل في الروتين اليومي، والتفاعل مع الذاكرة، مما يجعل الحبكة أشبه بدائرة متكررة من الملاحظة والتجربة الذاتية بدلًا من خط درامي خطي.
غالبًا ما تنبثق الحبكات من أحداثٍ صغيرة أو لحظاتٍ يوميةٍ متكررة — مثل جلوس شخصية في مقعد معين، أو سماع صوت، أو كتابة رسالة على نافذة — لكن هذه التفاصيل تصبح نواةً للتغيير أو الإدراك. الكاتب يُظهر كيف يمكن للحياة اليومية أن تحوي أحداثًا درامية دقيقة تؤثر في الشخصيات، وتعيد تشكيل فهمها للزمن والغياب والوجود.
وترتبط الحبكة في المجموعة ارتباطًا وثيقًا بالزمن والغياب. فكثير من القصص، تدور حول عودة شيء غائب أو لحظة ضائعة، أو انتظار شيء لم يحدث بعد. هذا الاستخدام للغياب والانتظار يمنح الحبكة طابعًا تأمليًّا ويجعل من الزمن نفسه لاعبًا فعالًا، يتحكم في تطور الأحداث ويُعيد ترتيب التجربة السردية.
الحبكات في المجموعة ليست مجرد تسلسل للأحداث، بل إطار رمزي للتأمل في الحياة والذاكرة والعلاقات الإنسانية. كل حدث صغير أو حركة تبدو عادية تحمل معنى أعمق، وكل نهاية جزئية مفتوحة تدعو القارئ إلى المشاركة في استكمال المعنى. بهذا الشكل، تصبح الحبكة أداة لتوصيل المعاني الفلسفية والعاطفية دون الحاجة إلى الصراعات التقليدية أو الذروة الدرامية، لتتحول القصص إلى تجارب وجدانية متكاملة.
الشخصيات
الشخصيات في قصص المجموعة غالبًا ما تكون أشخاصًا عاديين يعيشون حياتهم اليومية، لكن ما يميزهم هو حسهم العالي بالتأمل والانتباه للتفاصيل الصغيرة. هذه الشخصيات لا تتصرف بدافع الصراع التقليدي أو الأحداث المثيرة، بل تتحرك بفعل التفاعل مع صمتها الداخلي ومع العالم المحيط بها، ما يجعل القارئ يختبر تجربتها الذاتية ويعيش معها كل لحظة ضائعة أو ملاحظة دقيقة.
في المجموعة، الأشياء ليست جامدة، بل تُعامل وكأنها شخصيات مستقلة لها إرادة ودور في السرد. الكراسي، النوافذ، الأقلام، الطاولات، وحتى الطابعات، تتصرَّف أحيانًا كموجهين، أو حراس، أو مرايا للذاكرة، فتدخل في الحبكة بوزن الشخصيات الإنسانية نفسها. هذا التفاعل يجعل الأشياء تشارك في خلق التجربة السردية وتضيف طبقة من الحيوية والرمزية إلى القصة.
المؤلف يجعل العلاقة بين الشخصيات والأشياء تفاعلية وحسية؛ فالزائر يتفاعل مع كرسي مخلوع، أو قلم يرفض الحبر، أو نافذة تُرسل رسائل، كما لو كانت كائنات حية تعرف أسرار الشخصيات. هذه العلاقة تجعل الشخصيات تكتشف ذاتها وتعيد ترتيب تجربتها للزمان والمكان، فتصبح الأشياء وسائط للذاكرة والتواصل والتأمل بدلاً من أن تكون مجرد عناصر ثابتة في الخلفية.
العديد من الشخصيات تتعامل مع غياب أشخاص أو أشياء أو مع مرور الزمن بطريقة تأملية. ففي كثيرٍ من القصص نجد الشخصيات تتفاعل مع ذكريات، رسائل، أو لحظات ضائعة، وتستعيد حضورها عبر الأشياء التي تحمل آثارهم. هذه التفاعلات تجعل الشخصيات عاطفية وحساسة للغياب والحنين، وتكشف كيف يمكن للأشياء أن تكون شاهدة وراوية لتجارب الإنسان.
الشخصيات في المجموعة تعمل غالبًا كوسطاء بين القارئ والزمن، والذاكرة، والصمت. من خلال تفاعلها مع الأشياء، تصبح هذه الشخصيات مكاشفة لعالم أعمق، تعكس العلاقات بين الإنسان وما حوله، بين الحاضر والماضي، وبين الداخل والخارج. وبذلك، تتحول الأشياء إلى شركاء فاعلين، والشخصيات إلى مرشدين داخليين، معًا يخلقون عالمًا قصصيًا حيًّا يروي ما لم يُحكَ بعد.
في الختام، تُظهِر مجموعة «ما تكتبه الأشياء في غيابنا» براعة مؤلفها مرتضى الشهاب في قدرته على تحويل الحياة اليومية إلى فضاء سردي غني بالمعاني، حيث تصبح الأشياء فاعلة، والذكريات حية، والسكوت رسالة. الشخصيات تتفاعل مع محيطها بحساسية عالية، وتكشف لنا كيف يمكن للعالم المألوف أن يحمل طبقات من الزمن والغياب والحنين، بينما اللغة المكثفة تمنح كل كلمة وزنها الخاص. بهذه الطريقة، تتحول التفاصيل الصغيرة إلى بوابات للتأمل، وتصبح الأشياء والذكريات والشخصيات معًا رواةً لما لم يُحكَ بعد، مؤكدة أن حضورنا وغيابنا متشابكان في شبكة دقيقة من الوعي والإدراك.
- لغة شاعرية وترجمة أمينة لإيقاع النصّ.
- ربط رشيق بين الفلسفة والسِّيَر الشخصية.
- فصول قصيرة تصلح للقراءة المتقطّعة.
- تكرار بعض الأفكار في الثلث الأخير.
- يفترض إلماماً مسبقاً ببعض الأسماء الفلسفية.
