سماوي Samawy Blog
الرئيسيةمراجعاتالهارب: روايةٌ تمزِج الواقع بالخيال في سردٍ درامي مشوِّق
مراجعة كتاب

الهارب: روايةٌ تمزِج الواقع بالخيال في سردٍ درامي مشوِّق

فريديريك غرو · ترجمة: محمد آيت حنا · دار التنوير
4.0 / 5 — تقييم سماوي
فلسفةتأمّلات232 صفحة
الهارب: روايةٌ تمزِج الواقع بالخيال في سردٍ درامي مشوِّق
ف
فريق المدونة · ناقد أدبي
14 January 2026 · 6 دقائق قراءة

عالمٌ غرائبيٌّ مذهل، تعيش فيه غيلانٌ برفقة بشر، وطيورٌ ضخمةٌ تحمل على ظهرها كائناتٍ بشريةٍ وغير بشرية، وغربانٌ تنقل الرسائل، وأطفالٌ تبارز أسودًا وتنتصر عليها، وأشجارٌ تتكلَّم، وفنون قتالٍ لم نسمع بها من قبل … كل…

عالمٌ غرائبيٌّ مذهل، تعيش فيه غيلانٌ برفقة بشر، وطيورٌ ضخمةٌ تحمل على ظهرها كائناتٍ بشريةٍ وغير بشرية، وغربانٌ تنقل الرسائل، وأطفالٌ تبارز أسودًا وتنتصر عليها، وأشجارٌ تتكلَّم، وفنون قتالٍ لم نسمع بها من قبل … كل هذا وأكثر في رواية الهارب للكاتب سليمان عبد الله حمد.

تمتاز رواية الهارب بتوظيف الخيال في سبيل إلقاء الضوء على قيمٍ وقضايا واقعيةٍ كثيرة؛ إذ يرسم لنا الكاتب سليمان حمد عالمًا خياليًّا مدهشًا يتطرَّق فيه إلى قضايا مثل الظلم، والتنمُّر، والرحمة، والقيادة، والقوة، والاستبداد، والخيانة، ويُعالِجها في إطار الأحداث بسلاسةٍ وانسيابيَّةٍ تمنح القارئ رؤيةً أوسع وأعمق.

المكان والزمان

لا تُفصح الرواية عن مكان الأحداث وزمانها، لكن القارئ لا يحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ حتى يعرف السياقَين الزمني والمكاني اللذان تدور فيهمَا الأحداث؛ فمن خلال الأدوات القتالية المستخدَمة يُمكننا أن نعرف بسهولة زمن الرواية، فهو بالتأكيد في العصور القديمة حين كانت السيوف والسلاسل والمطارِق والفؤوس هي الأدوات القتالية الرئيسية.

أما عن المكان، فهو مُحدَّد من حيث الطبيعة لا من حيث الجغرافيا، فلا يُخبرنا الكاتب هل هو في قارة أفريقيا أم آسيا أم أوروبا، ولا في أي بلدٍ أو مدينةٍ بالتحديد. لكنه يصف لنا طبيعته، فهي منطقةٌ تتقاطع فيها الصحراء مع الريف مع الغابات مع الأنهار مع الجبال. وتتَّسم هذه الأماكن جميعها بالطبيعة الخلَّابة والقاسية في الوقت نفسه، وهو ما يُفسِّر لنا طبيعة الشخصيات فيها، فالشخصيات تمتاز بالقوة الشديدة والبأس، وهي صفاتٌ أصقلتها الطبيعة القاسية التي تُشد من سواعد أبناءها. والشخصيات الخيِّرة فيها تمتاز بالحنو والرفق الشديدين، وهو ما تُكسبه الطبيعة أيضًا في النفوس من تهذيب ومرونة.

يمتاز الزمان والمكان بالعمومية الشديدة؛ فالأحداث تدور في العصور القديمة دون تحديد أي عصر بعينه، وتجري في أرضٍ ذات طبيعةٍ خاصةٍ دون تحديد المكان جغرافيًّا. وتدل هذه العمومية على أن الأحداث والشخصيات يُمكن أن تجري في أكثر من  مكان وفي أكثر من زمن، وأنها ليست قاصرةً على مكانٍ بعينه في وقتٍ محدَّد بقدر ما هي قصةٌ إنسانيةٌ تُعبِّر عن الإنسان وقضاياه في العموم، وهو ما يُكسب الرواية تأويلاتٍ متعددةٍ وأبعادٍ مختلفة.

تعرَّف إلى: أبرز الروايات المعاصرة في تاريخ الأدب العربي (8 روايات من ترشيحنا)

الشخصيات

تمتاز شخصيات الرواية بالتنوُّع الشديد؛ فإلى جانب الكائنات البشرية تعيش مجموعةٌ كبيرةٌ من الغيلان التي تتحدَّث مثل البشر وتتعامل معهم وتمتلك قدراتٍ خاصَّةٍ. وكما أن البشر فيهم الأخيار والأشرار، يوجد أيضًا غيلانٌ أخيارٌ وآخرون أشرار، وهو ما يتضح بجلاء في شخصيات الرواية؛ فكما يوجد الغول الضخم المستبِد الذي حكم القرية ثلاثين عامًا وقتل مائة رجل من خيرة أبنائها عندما حاولوا التمرَّد عليه، يوجد أيضًا الغول كسار الذي يُقاتل قوى الشر والظلام بجانب البشر، وينتصر عليهم. ومن أبرز شخصيات الرواية هي:

  • مارق: وهو الشخصية المحورية في الرواية، وهو الهارب الذي يقصده العنوان؛ وجاء اسمه مناسبًا لشخصيته؛ فهو شخصية متمردة ترفض الظلم وتطمح دائمًا إلى العدل، وتُحقق ذلك كلما استطاعت إليه سبيلًا؛ إذ تبدأ الرواية بقتل مارق لغولٍ شرير مندوب غول آخر أشد بأسًا وقوةً وشرًّا، ولا يكتفي بذلك، بل ينتظر أن يأتي الغول الرئيس ويقضي عليه هو الآخر مخلِّصًا بذلك القرية من الغول السيد ومندوبه، رغم أنه ليس من أبناء القرية.
  • باسم أو ستون: وهو الشخصية المقابلة لشخصيَّة مارق، فهو رئيس جيش العدالة الذي يستغل سلطته للتخلص من المارق، وهو في الوقت نفسه جاسوسًا لجيش الظلام المعادي لجيش العدالة، ويطمح إلى سيادة العالم، ونرى فيه الشر المحض في مقابل الخير التام الذي عليه مارق.

إلى جانب هاتين الشخصيتين المحوريتين توجد شخصياتٌ أخرى رئيسية وثانوية من أبرزها:

  •  جنزير: تُناظر شخصية جنزير مارق في القوة، وتحتل مساحة كبيرة من السرد، وتمتاز بالقيادة والقوة والجسارة والحيل الدافعية التي تجعله من أهم وأقوى المقاتلين الرواية. وهو أيضًا من جيش العدالة، ومُكلف من باسم بالقبض على مارق، لكن أمورًا كثيرة ستتكشَّف له في سير الأحداث تجعله يُعيد النظر في مهمته.
  • كسار: نُطالعه في بداية الرواية مثل جنزير، ويستمر معنا طوال السرد حتى النهاية، وهو غولٌ خيِّر، شديد القوة، يلتقي بجنزير حين يأتيه نبأٌ أن أخيه عابس قُتل في قرية العنب، ويظن أن جنزير هو قاتله، لكن سرعان ما يكتشف أنه على خطأ، فليس جنزير قاتل أخاه، وليس أخاه هو القتيل. يؤدي كسار دورًا محوريًّا طوال الأحداث، فهو من ناحية يمتلك قوة خارقة، ومن ناحيةٍ أخرى لديه خرائط تُرشده أينما سار.
  • مريع: طفلٌ استثنائي، يمتلك قوة خيالية، فقد استطاع أن يقتل عشرين أسدًا بمفرده، وقع في أسر جيش الظلام، الذي أعطاه بدوره إلى باسم أسيرًا. ينتبه باسم إلى قوته فيوظفه في القبض على مارق، لكن لهذا الطفل قصةٌ خاصة، تُفصح عنها الأحداث، وتُفسر لنا كثيرًا من علامات الحزن البادية على محيَّاه.
  • الشيخ: على الرغم من أنه شخصية ثانوية في الرواية، فإنه يُمثل صوت الحكمة فيها، فهو رجل مسن من أبناء قرية العنب، لا يحكم على الأمور من ظاهرها ولا من الوهلة الأولى، يظهر من وقتٍ لآخر مساندًا لمارق وقاطعًا في مصائر بعض أبناء القرية بحكمةٍ ورويةٍ.

الحبكة

تمتاز الأحداث بالترتيب والتسلسل، صانعةً هيكلًا مترابطًا ومتماسكًا ومثيرًا لفضول القارئ ومشاعره؛ فيبدأ الكاتب بتقديم شخوص الرواية والمكان الذي تدور فيه الأحداث بطريقةٍ مشوِّقةٍ وغير تقليدية واضعًا القارئ في قلب الأحداث منذ اللحظة الأولى؛ إذ نتعرَّف على شخصية الهارب المحورية من خلال قيامه بعملٍ بطولي وهو قتل الغول المندوب ثم الغول الرئيس، كاشفًا بذلك عن قيمه المُثلى ورسالته النبيلة جاعلًا القارئ متعاطفًا منه منذ البداية.

يستمر الكاتب في عرض الشخصيات واحدًا تلو الآخر من خلال الأحداث، وكأننا أمام خشبة مسرح يدخلها الممثلون واحدًا تلو الآخر حين يحين دوره. وكما تُفصح بعض الشخصيات عن جوهرها منذ البداية كما نلاحظ مع مارق، نفطن إلى جوهر شخصياتٍ أخرى بالتدريج، كما هي الحال مع شخصية خنزير التي تتجلى لنا سماتها بالتدريج تبعًا للمواقف التي تمر بها، حيث يُظهر كل موقف جانبًا من شخصيته.

تتصف الرواية بالإيجاز في الوصف، فهو موجود بقدر ما هو مطلوب، دون زيادةٍ قد تُشعر القارئ بالملل، في مقابل إفساح الفضاء السردي للحدث، ليكون هو المحور الرئيسي في السرد، مما يجعل القارئ في حالة ترقبٍ دائم، وخاصةً أن الأحداث تتكشف له بالتدريج ثم تتصاعد وصولًا إلى الذروة التي تكتمل فيها الرؤية ويتكشَّف المغزى الرئيسي في الحكاية، لتبدأ بعدها الأحداث منعطفًا جديدًا يصل بالرواية إلى نهايةٍ غير متوقَّعة، شأن الأحداث التي تكون مفاجِئةً دائمًا.

طريقة السرد تمنح الرواية بُعدًا تشويقًّا، مما يمنح القارئ تجربة قراءة خاصة، فهي تُمسك بتلابيبه منذ البداية، فلا يستطيع الفكاك منها حتى يُكملها، وكأنه يلهث خلف سرٍّ غامض مجذوبٌ نحوه يسعى إلى اكتشافه.

إلى جانب الحبكة الرئيسية، توجد حبكاتٌ فرعية تدعمها، وهي قصصٌ ثانويةٌ متفرِّعة من القصة الرئيسية، تُعد في ذاتها قصة مستقلة لكنها في الوقت نفسه متصلة بالقصة الرئيسية. ومن أبرز الحبكات الفرعية في الرواية قصة أسر مريع من جيش الظلام، وصداقته لغول طفل، ومساعدته لهذا الغول في هروب الأطفال من الأسر، ثم التضحية بنفسه حتى يتمكن الغول الصغير من الهرب، ووقوع مريع في الأسر مجددًا ثم تسليمه إلى باسم.

يمتاز السرد بتقديم عالمٍ يتشكل أمام القارئ طبقةً تلو أخرى، ويتركه في صحبة شخصياتٍ لا تغادر الذاكرة بسهولة. لا ينتهي السرد عند حدٍّ قاطعٍ بقدر ما يفتح أفقًا للتأمل، كأن الرحلة لم تكن نحو نهايةٍ بعينها، بل نحو اكتشافٍ أعمق لمعنى القوة والاختيار والمواجهة. في هذا العالم الذي تختلط فيه الغيلان بالبشر، والبراءة بالعنف، والهروب بالفعل، يجد القارئ نفسه مشدودًا إلى إيقاع الحكاية، متابعًا خطاها حتى آخر صفحة، وهو يدرك أن ما جرى هناك – في تلك الأرض غير المسمَّاه – قد يحدث في أي زمان وفي أي مكان، كلما وُجد ظلم يستدعي من يجرؤ على الهرب منه ومواجهته في آنٍ واحد.

اكتشف: منارات الأدب في العالم العربي

ليس قتالًا شريفًا أن أُقاتل ثلاثة بمفردي.


الهارب، سليمان حمد

ما أعجبنا
  • لغة شاعرية وترجمة أمينة لإيقاع النصّ.
  • ربط رشيق بين الفلسفة والسِّيَر الشخصية.
  • فصول قصيرة تصلح للقراءة المتقطّعة.
ملاحظات
  • تكرار بعض الأفكار في الثلث الأخير.
  • يفترض إلماماً مسبقاً ببعض الأسماء الفلسفية.

تقييم سماوي بالتفصيل

الأسلوب واللغة4.5
الفكرة والعمق4.2
جودة الترجمة4.3
متعة القراءة3.8