11 February 2026 · 8 دقائق قراءة
كثيرًا ما نرسم خططًا لأهدافٍ نرغب في تحقيقها سواءً على المدى القصير أم المتوسط أم البعيد، لكننا في أحيانٍ كثيرة نخفق في تحقيقها أو في تحقيق معظمها. ولا نتمكَّن من وضع أيدينا على أسباب الإخفاق، أو…
كثيرًا ما نرسم خططًا لأهدافٍ نرغب في تحقيقها سواءً على المدى القصير أم المتوسط أم البعيد، لكننا في أحيانٍ كثيرة نخفق في تحقيقها أو في تحقيق معظمها. ولا نتمكَّن من وضع أيدينا على أسباب الإخفاق، أو كيفية تجنُّبه. لهذا تأتي القيمة الكُبرى لكتاب «اكتب خطة حياتك خطوة بخطوة» الذي يصحبنا في رحلةٍ مدروسة نتعلَّم خلالها كيف نُخطِّط لحياتنا وأهدافنا المستقبلية، وكيف نكتشف المعوِّقات والعثرات التي نواجهها في طريقنا، وكيف نتغلَّب عليها.
تأخذ مؤلفة الكتاب الدكتور إيمان عمر المعلم، الحائزة على درجة الدكتوراة في الرياضيات من جامعة مانشستر في المملكة المتحدة، ورئيسة برنامج الرياضيات في جامعة الأميرة نورة عبد الرحمن في المملكة العربية السعودية، وخبيرة التخطيط الاستراتيجي والتطوير الذاتي، بيد القارئ منذ البداية، لترسم له برنامجًا إرشاديًّا متكاملًا، وتسير برفقته في كل خطوةٍ حتى يصل إلى غايته المُثلى.
لمن هذا الكتاب ولماذا؟
تكتب الدكتورة إيمان المعلم كتابها، لكل مَن يتطلع إلى تشكيل مسار حياته المستقبلية ورسم أبعادها، ولا تُحدِّد فئةً عمريَّة بعينها، بل يمكن لمَن هو في مقتبل العمر ويسعى إلى تحقيق طموحاتٍ كبيرة، ولمَن في منتصف العمر ويرغب في ترتيب أولوياته وتحقيق التوازن بين حياتيه الشخصية والمهنية، ولمَن تجاوز الستين من العمر لكنه يسعى إلى حياةٍ ذات معنى، أن يسترشد بهذا الكتاب الذي كُتب من أجل هؤلاء جميعًا.
تُفاجي المؤلفة القارئ منذ البداية بسؤال ملهمٍ ومثيرٍ للتفكير في آنٍ معًا وهو: هل تساءلت يومًا ما الذي يجعل بعضنا يستيقظ كل صباح مفعمًا بالحماسة نحو يومٍ جديد، وبادئًا يومه بتفاؤلٍ وإيجابية، ومؤديًا عمله بمحبةٍ ورضا، بينما يعيش بعضنا الآخر يومهم على الهامش، يكرِّرون روتينًا باهتًا خاليًا من أي معنى؟!
لا تترك الكاتبة القارئ في حيرةٍ من أمره، بل سرعان ما تُهديه الإجابة التي تختزلها في تلك العبارة الرقراقة: الجواب يكمن في وجود الهدف والغاية النبيلة، وذلك حين ترتبط المهام الصغيرة بصورةٍ أكبر مرتسمةٍ في الأذهان. ولا تتوقف المؤلفة عند هذا الجواب، بل تُفصِّله تفصيلًا متوسلةً تجاربها الشخصية في ورش العمل التي تقدمها في بناء الشخصية والتخطيط للأهداف المستقبلية. وتضع جُلَّ خبرتها بين يدي القارئ مقدمةً له مرشدًا عمليًّا يساعده على اكتشاف ذاته، وصياغة رؤيته الشخصية، وبناء خطةٍ متكاملةٍ لحياته، بخطواتٍ تبدأ من اليوم، لا من الغد.
تعرَّف إلى: زاد القارئ الجاد: أدوات وتقنيًّات
منهج المؤلفة في الكتاب
يمتاز هذا الكتاب عن كثيرٍ من كتب التنمية الذاتية الأخرى بالمنهج الذي تعتمده المؤلفة؛ إذ تحرص على تدعيم أفكارها وأساليبها بالنظريات والمناهج الحديثة في علم النفس؛ فنراها على سبيل المثال تستعين بنظرية «مايرز-بريجز» (MBTI) المستندة إلى أعمال كارل غوستاف يونغ، من أجل تصنيف أنماط الشخصية، كما تستحضر نموذج «هرم ماسلو» لفهم المسار الداخلي العميق للشخصية وكيفية تلبية الإنسان لحاجاته.
ولتحليل الذات واستكشاف نقاط الضعف والقوة في الشخصية، وكذلك الفرص المتاحة والعوائق التي قد تواجهها، واستخلاص الأهداف المرحلية والقصيرة، تستخدم المؤلفة أداة التحليل الرباعي سوات (SWOT)، وهي اختصارٌ للكلمات الإنجليزية الأربع التالية: نقاط القوة (Strengths)، ونقاط الضعف (Weaknesses)، والفرص (Opportunities)، والتهديدات (Threats). وقد طُوِّرت هذه الأداة في جامعة هارفارد، واعتمدتها كبرى المؤسسات في تحليل المشروعات والقرارات الاستراتيجية.
لا تتوقف الدكتورة إيمان المعلم في الكتاب عند مرحلة التنظير أو التوجيه النظري، بل تعتمد منهج التمرين العملي على مدار الكتاب حتى تُساعد القارئ على تطبيق كل ما يقرأه وتُحفِّزه وتُرشده في كل خطوةٍ يمر بها. فنجدها تضع تمرينًا عمليًّا في تحديد نمط الشخصية عبر قراءة مجموعةٍ من الصفوف واختيار رمز لكل صف، ثم جمْع هذه الرموز في كلمةٍ واحدةٍ تُعبِّر تعبيرًا دقيقًا عن الشخصية وتُقدِّم تصنيفًا لها مع وصفٍ موجزٍ لخصائص كل نمط من أنماطها.
ثمَّة تمرين آخر يسيرٌ في شكله، لكنه عميقٌ في أثره، وهو تمرين اكتشاف الدوافع، والذي يكون فيه القارئ السائل والمجيب في آنٍ معًا؛ إذ يطرح على نفسه مجموعةً من الأسئلة من قبيل: لماذا أريد تحقيق هدفٍ بعينه؟ ويتطلب هذا التمرين تركيزًا وهدوءًا داخليًّا، وجرأةً في مواجهة الذات بلا أقنعة.
من بين التمارين المتميزة في الكتاب أيضًا تمرين استكشاف قيمنا الجوهرية؛ إذ تضع المؤلفة قائمةً من القيم مثل: الإيمان – الصدق – الامتنان – التواضع – العدل، وتطلب من القارئ أن يُلقي عليها نظرةً متأنية ثم يختر خمس قيم يؤمن بها ويتبناها ويراها أساسية، ثم تُلقي عليه بعض الأسئلة التي تُساعده على الاختيار الصواب بعيدًا عن التجمُّل أو المصادفة.
يأتي أيضًا تمرين تحديد الجوانب الأساسية في حياتنا وتقييمها من بين التمارين المهمة واللازمة في مسار التخطيط للأهداف المستقبلية، وهذه الجوانب هي: الروحي، والجسدي، والعقلي، والاجتماعي، والمالي، ثم تطلب من القارئ أن يكتب في كل جانب مواضع التقصير والأسباب الحقيقية وراء التقصير والحلول الممكنة لمعالجة هذا التقصير.
يمتاز الكتاب أيضًا باطلاع المؤلفة على أحدث الاكتشافات العلمية الحديثة، والاستعانة بها في فهم طريقة التفكير عند الإنسان وتحليل اختياراته وقراراته؛ إذ توضح على سبيل المثال أن الدماغ البشري يتكوَّن من فصين رئيسيين هما الفص الأيمن الذي يُعنى بالخيال والمشاعر والحدس والصور، والفص الأيسر المسؤول عن المنطق والتحليل واللغة والأرقام والتخطيط المنظَّم، وتبدأ في تحليل الرؤية المستقبلية لكل إنسان وفقًا لمدى تناغم عمل الفصين معًا أو غلبة أحدهما على الآخر.
تتفاعل المؤلفة أيضًا مع واقعنا المُعاش، وتُدرك حجم التحديات الكبيرة التي يواجهها الإنسان المعاصر بخاصةً سيطرة التكنولوجيا على حياتنا، وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي على حياتنا اليومية، وغزارة المعلومات وتدفُّقها، وتأثير ذللك في تشتيت انتباهنا؛ إذ تقول في أحد مواضع الكتاب: «نحن نعيش في عالمٍ يضج بالإشعارات المستمرة، والمعلومات المتدفِّقة، والتواصل السريع مع مئات بل آلاف الوجوه بشكلٍ سطحي. هذا الانهمار المستمر للمحفِّزات استنزف انتباهنا، وأضعف قدرتنا على التركيز، حتى أصبح التشتُّت الذهني واضطراب نقص الانتباه مع فرط الحركة أكثر شيوعًا من أي وقتٍ مضى.»
هذا الوعي لدى المؤلفة هو الركيزة الأساسية التي تستند عليها في بلورة خطة شاملة للقارئ تسحبه من عالمٍ عشوائيٍّ وانتقائي يضج بالتقنيات والضوضاء والمشتتات إلى خطةٍ منظمةٍ ومرتِّبةٍ تدفعك نحو الأمام وتمنحك السلام والهدوء الداخليين.
اقرأ أيضًا: أو كلَّما اشتهيتَ اشتريتَ؟
اكتب خطة حياتك خطوة بخطوة!
على مدار سبعة فصول تمضي بنا الدكتورة إيمان المعلم خطوةً بخطوة، ولا تنتقل إلى الخطوة التالية إلا بعد أن تستوفي كل مراحل الخطوة السابقة. فتبدأ معنا منذ البداية موضحةً قيمة التخطيط وأهميته؛ إذ هو في جوهره بمثابة خارطة طريق تنقلنا من حيث نحن الآن إلى حيث نريد أن نكون، وهو الوسيلة التي نُصمِّم بها الحياة التي نرغب فيها. ويقوم التخطيط الفعَّال على ثلاثة عناصر أساسية تتجسَّد في ثلاثة أسئلة هي: أين نحن الآن؟ وإلى أين نريد أن نذهب؟ وكيف سنصل إلى هناك؟
وتؤكد الكاتبة أن التخطيط الناجح هو انعكاسٌ للوعي بالذات، وبالإمكانات، وبالبيئة المحيطة. ومن أجل أن يكون فعَّالًا، لا بد أن يكون مبنيًّا على فهمٍ حقيقيٍّ للقدرات، واستعدادٍ صادقٍ للتكيُّف مع المتغيِّرات. فكما تقول الدكتورة إيمان المعلم «الحياة لا تُمنح مرتين، وكل يومٍ نعيشه لا يعود من جديد؛ ولذلك فهي تستحق أن تُدار بعناية ووعي، لا بالارتجال أو المصادفة.»
بعد أن تُفصل كل ما يتعلق بالتخطيط، تنطلق المؤلفة في رحلةٍ إلى أعماق الذات؛ إذ ترى أن من المهم قبل أن نضع الأهداف ونشرع في التخطيط لحياتنا أن نتمهَّل قليلًا، وننأى بأنفسنا عن الضجيج والمشتتات، ونمنح ذواتنا لحظة صدقٍ، نغوص فيها إلى الأعماق، باحثين عن إجابةٍ عن سؤالٍ يبدو هينًا في ظاهره لكنه عميقًا في جوهره: مَن أنا؟ فالإجابة عن هذا السؤال تُشكِّل مفتاحًا لفهم طبائعنا، واكتشاف قدراتنا ومواهبنا، والتعرُّف إلى القيم التي تقود سلوكنا وتوجِّه اختياراتنا.
إلى جانب اكتشاف الذات، تحرص الكاتبة على أن تُسلط الضوء على الرسالة التي يؤمن كلٌّ منا بأنه خُلق من أجلها؛ فلكلٍّ منا رسالته الخاصة به، والتي قد تكون هدف رئيسي راسخ، أو قضية يؤمن بها، أو معتقَد يمثل مصدر شغفه وإلهامه. ومع ذلك، ليس كلنا على وعي برسالته؛ فبعضنا، رغم ما يتمتعون به من المال والمواهب وسُبل العيش الكريم، فإنهم يشعرون بالفراغ والخواء من الداخل.
إن عدم شعور الإنسان وإدراكه لوجود معنى لحياته، أو رسالة يُكرس لها وقته ومواهبه، يؤدي إلى التخبُّط والضياع. ومن هنا تكمن أهمية اكتشاف كل منا رسالته، لأنها تمنحنا شعورًا بالشغف والحماسة تجاه كل ما نقوم به.
تحرص المؤلفة أيضًا على إيضاح مفهوم الرؤية من خلال الإجابة على سؤال: إلى أين نريد أن نصل؟ أو ما هي وجهتنا؟ وتصف الرؤية بأنها «صورةٌ تخيُّلية موجَزة ومؤثِّرة لما نرغب أن نكون عليه في المستقبل البعيد.» وتؤكد على ضرورة أن تكون تلك الرؤية واضحةً وطموحةً وتنقلنا إلى مستقبلٍ أفضل، وممكنة التحقيق بمعنى ألا تكون مستحيلة.
بعد أن تفرغ من اكتشاف الذات وتحديد الرسالة والرؤية، تبدأ الدكتورة إيمان المعلم في تحويل الإدراك الداخلي الذي توصَّلنا إليه إلى أهدافٍ محدَّدةٍ وواضحةٍ وقابلةٍ للقياس والتحقيق؛ فكما تقول: «رسالةٌ ملهمة ورؤيةٌ طموحة، دون خطة فعلية، تظل مجرد حُلم أو أمنية تتلاشى مع الوقت».
وفي هذه المرحلة تنتقل المؤلفة بنا من فضاء الرؤية إلى أرض الواقع حيث نُحوِّل رؤيتنا إلى أهدافٍ واقعية تعمل على تحقيقها في كل جانب من جوانب حياتنا. وتُجزأ الكاتبة الأهداف تبعًا لجوانب الشخصية؛ فهناك أهداف الجانب الروحي، وأهداف الجانب الجسدي، وأهداف الجانب العقلي، وأهداف الجانب الاجتماعي، وأهداف الجانب المالي.
ولا يفوت المؤلفة، بعد أن نُحوِّل رؤيتنا إلى أهدافٍ واقعية، أن ترسم خطةً لتنفيذ تلك الأهداف، ناقلةً بذلك الأهداف من الورق إلى الواقع؛ إذ تبدأ خطة التنفيذ حين نتوقف عن الاكتفاء بكتابة الأهداف، ونبدأ في تحويلها إلى مهام واضحة ومحدَّدة، يمكن إدراجها في جدول أعمالنا اليومي أو الأسبوعي، ويمكننا الالتزام بها فعليًّا.
تنتبه المؤلفة أيضًا إلى قوة العادات والتفاصيل الصغيرة التي نكرِّرها كل يوم دون أن نشعر، في إدارة حياتنا من خلف الكواليس؛ إذ تُصرِّح: «لا تسأل عن سبب نجاح شخص أو تعثُّره قبل أن تتأمل روتينه اليومي». لهذا نتأمل في الكتاب هذه القوة الصامتة التي توجِّهنا أكثر مما نعتقد، فنتعلم معها كيف نسلط الضوء على عاداتنا ونصنِّفها ونراجعها ونعيد تشكيلها بما ينسجم مع خطتنا الشخصية ورسالتنا في الحياة.
وقبل أن تنتقل بنا إلى المرحلة الأخيرة، تسرد المؤلفة لنا الهواجس والتحديات النفسية والذهنية التي قد نواجهها في أثناء التخطيط لأهدافنا المستقبلية، مؤكدةً على أن هذه الهواجس لا تعني أننا غير مؤهلين للتخطيط، بل تعني أننا أُناسٌ نفكر ونتأمل ونريد أن نتأكد قبل أن تبدأ. وهذا في حد ذاته بدايةً صادقةً تستحق التقدير.
في الجولة الأخيرة من تلك الرحلة التي ننطلق فيها مع الدكتورة إيمان المعلم، تُهدينا كراسة «خطة حياتي»، وهي المرآة التي تعكس خارطة طريق كل منا، وهي أيضًا ملخص رحلة كل منا، ودليل عمله، وبوصلة خطواته. وفيها سنكتب أهم ما خرجنا به من هذا الكتاب؛ فهي ليست أوراقًا للتزيين، بل رفيقنا العملي اليومي الذي نستعين به في تنظيم قراراتنا ومراجعة تقدُّمنا واستعادة توازننا كلما انشغلنا أو تراجعنا.
اقرأ أيضًا: كيف تجعل القراءة نمط حياة روتيني؟
كما أن لكل إنسان بصمة إصبع تميِّزه، فإن لكل شخص في هذا العالم فرادته التي تنعكس فيما يمتلكه من مهارات وإمكانيات، وفيما يحمله في داخله من مبادئ وقيم توجِّه سلوكه وتؤثر في قراراته.
اكتب خطة حياتك خطوة بخطوة، إيمان المعلم
- لغة شاعرية وترجمة أمينة لإيقاع النصّ.
- ربط رشيق بين الفلسفة والسِّيَر الشخصية.
- فصول قصيرة تصلح للقراءة المتقطّعة.
- تكرار بعض الأفكار في الثلث الأخير.
- يفترض إلماماً مسبقاً ببعض الأسماء الفلسفية.
