17 November 2025 · 3 دقائق قراءة
رحلة فلسفية عميقة تكشف كيف يحقق الإسلام التوازن بين الروح والمادة ويعيد للإنسان هويته الحرة في عالم متغير
مدخل
«هل يمكن أن يعيش الإنسان حياةً متوازنةً بين الروح والمادة، بين الحرية والالتزام؟»
بهذا السؤال الجوهري يبدأ القارئ رحلته مع كتاب «الإسلام بين الشرق والغرب»، العمل الفكري الذي جمع بين عمق الفلسفة ودفء التجربة الإنسانية.
المؤلف: علي عزت بيجوفيتش (1925-2003)، مفكِّر ورئيس البوسنة والهرسك الأسبق، عُرف بكتاباته التي تربط بين الفكر الإسلامي والفلسفة الإنسانية.
تاريخ النشر: صدر لأول مرة باللغة الإنجليزية عام 1984، ثم تُرجِم إلى عِدَّة لغات بينها العربية.
أطروحة الكتاب
ينطلق علي عزت بيجوفيتش من أسئلة كبرى حول الخلق والتطوُّر ليبحث عن حقيقة الإنسان ومعنى وجوده.
يفرِّق بدقة بين مفهومي «الثقافة» و«الحضارة» ويبيِّن ما يترتَّب على هذا الفرق من آثار عميقة في فهم الإنسان والمجتمع.
ثم يمرُّ على موضوعات متعدِّدة مثل الفن، الأخلاق، التاريخ، الدراما والطوبيا؛ ليؤكِّد أن الإسلام لا يفصل بين الدِّين والواقع، بل يجعل الدِّين جزءًا فاعلًا في بناء الحياة وفي تكوين معناها وفهمه.
في القسم الثاني من الكتاب، يركِّز المؤلف على وسطية الإسلام واعتداله في مواجهة طرفين متناقضين:
- الرُّوحانيَّة المنفصلة عن الواقع كما ظهرت في بعض صور المسيحية الكاثوليكية؛ إذ طغَتِ الطقوس والعبادات على حساب حاجات الإنسان الواقعية.
- المادية الخالصة كما في الفكر الشيوعي والماركسي الذي أنكر الروح وأقصى الدِّين، مختزلًا الإنسان إلى مجرد كائن بيولوجي ـ اقتصادي.
وبين هذين النقيضين يقدِّم الإسلام نفسه كمنظومة متوازنة تُعيد للإنسان وحدته وهويته الكاملة، فلا يُختزل إلى الروح وحدها، ولا إلى المادة وحدها.
بل يُرى ككائن يجمع بينهما في صيغة متكاملة تحقِّق الانسجام بين السماء والأرض، بين الحرية والالتزام، وبين الفرد والمجتمع.
لا تفوت قراءة: مراجعة الشمس والدنس لعماد الدين خليل
الحرية الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي
في جزئيته عن معنى الفلسفة الإنسانية يقول بيجوفيتش:
«الإنسان آجلًا أو عاجلًا، خلال هذا القرن أو بعد مليون سنة من الحضارة المتصلة، قد ينجح الإنسان في تشييد صورة مقلَّدة من نفسه، نوع من الإنسان الآلي أو مسخ … لن تكون له حرية، إنه قادر فقط على ما تمَّت برمجته عليه»
هذا النص يسلِّط الضوء على عظمة الخلق الإلهي وحرية الإنسان الفريدة اليوم، مع تقدُّم الذكاء الاصطناعي وصناعة روبوتات ذكيَّة.
نرى أن هذه الأنظمة مهما بلغت من التطور، فستظل مقيَّدة بالبرمجة ولن تمتلك الإرادة الحرة، ما يؤكِّد تميُّز الإنسان وعمق فلسفته.
منهج المؤلف وأسلوبه
يعتمد بيجوفيتش على منهج منطقي متدرِّج، يُبرهِن على كل فكرة بأدلة رصينة وسلسلة من المراجع.
ما يكشف عن اطلاعٍ واسعٍ وقدرةٍ تحليليةٍ عميقةٍ، ويجعل الكتاب مرجعًا غنيًّا أكثر من كونه نصًّا إنشائيًّا.
اقرأ أيضًا: عرض كتاب «البرامج والخدمات الانتقالية للأشخاص ذوي الإعاقة في ضوء رؤية المملكة العربية السعودية 2030»
قراءة نقدية
مع إيماني العميق بفكرة بيجوفيتش عن الوسطية، أرى أن التركيز الشديد على الاعتدال أحيانًا قد يجعلنا نتجاهل قيمة التجارب الفكرية أو الروحية المتطرفة التي أسهمت في دفع البشرية إلى اكتشافات وأفكار جديدة.
مرور المجتمع بفتراتِ شدَّة أو أفكارٍ قويةٍ أحيانًا ضروريٌّ لتحريك المياه الرَّاكدة وتحقيق تقدم حقيقي.
رسالة الكتاب للحياة
لم تكن أفكار هذا الكتاب سطحية أو عابرة، بل جاءت متماسكة وقوية الحجة.
تتحدَّى القارئ للتفكير والتأمل. قد تبدو بعض المواضع معقَّدة للوهلة الأولى، لكن هذا هو جمال الكتب الكبيرة: ما لم يُفهم اليوم قد يُستوعب غدًا مع اتساع التجربة والمعرفة.
يقدِّم كتاب الإسلام بين الشرق والغرب رؤيةً متوازنةً للإنسان بين الروح والمادة، مؤكِّدًا أن الحرية والوعي الحقيقي بالذَّات هما جوهر الحياة الإنسانية.
ومع تطوُّر الذكاء الاصطناعي، يظل الإنسان فريدًا بإبداعه واختياره، بينما تبقى الآلات مقيَّدة بالبرمجة.
والأهم، أن التجارب الحادة أحيانًا هي الشرارة التي تدفعنا للنمو وإعادة التوازن؛ لذا يدعونا الكتاب للتأمُّل والتحدي؛ لنبحث بأنفسنا عن حياة متوازنة، مليئة بالمعنى، ومسؤولة بإرادتنا الحرة.
في نهاية المطاف، يتركنا بيجوفيتش مع رسالة واضحة: كن إنسانك الكامل، حرًّا ومبدعًا؛ لأنك الكائن الذي لا يُستبدل ولا يُنسخ.
- لغة شاعرية وترجمة أمينة لإيقاع النصّ.
- ربط رشيق بين الفلسفة والسِّيَر الشخصية.
- فصول قصيرة تصلح للقراءة المتقطّعة.
- تكرار بعض الأفكار في الثلث الأخير.
- يفترض إلماماً مسبقاً ببعض الأسماء الفلسفية.
