سماوي Samawy Blog
الرئيسيةمراجعاتمراجعة الشمس والدنس لعماد الدين خليل
مراجعة كتاب

مراجعة الشمس والدنس لعماد الدين خليل

فريديريك غرو · ترجمة: محمد آيت حنا · دار التنوير
4.0 / 5 — تقييم سماوي
فلسفةتأمّلات232 صفحة
مراجعة الشمس والدنس لعماد الدين خليل
ا
البراء محمد · ناقد أدبي
16 September 2025 · 6 دقائق قراءة

حين تشتعل الأزمات، من ينقذ العالم: الحكمة أم الأطماع؟ اكتشف مراجعتنا لمسرحية تكشف أسرار السياسة والإنسان

لو تُرك الكون لعبثهم لانهار منذ زمن بعيد! ولكن ثمة ما يحتاج حقًا إلى أن يتغير…لقد تسرب إليه الدنس حتى النخاع


الشمس والدنس، عماد الدين خليل

كيف تتداعى الأمم لحل كارثة بيئية عظمى؟

سؤالٌ أجاب عنه الدكتور المؤرخ الأديب عماد الدين خليل بمسرحيةٍ من فصولٍ أربعة اسمها الشمس والدنس وقد ألفها في عقد السبعينيات الميلادية كما نصّ على ذلك في سيرته الذاتية [أشهد أن لا إله إلا أنت، ص506].

وقد صدرت عن دار الاعتصام في مطلع القرن الهجري الحاضر عام 1401هـ، ثم أعادت دار ابن كثير طبعها ونشرها عام 1427هـ وفيها إشارة غريبة إلى العام الميلادي 1966 [أي: العام الهجري 1385هـ] في مطلع الفصل الأول، ولم تكن في طبعة دار الاعتصام. 

فهل كانت في الأصل أم أضيفت مؤخرًا؟

أكثر الدكتور عماد الدين خليل من التأليف وتوسع في فنونه، فقد كتب نحوًا من تسعين كتابًا في الأدب من أشعار ومسرحيات وروايات وقصص قصيرة ومذكرات والتاريخ القديم من السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي والتاريخ المعاصر لا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م [23 جمادى الآخرة 1422]، والمقالات السياسية والاجتماعية والفكرية، وأدب الرحلات بل الفن والجمال والنقد الأدبي والحضارة الإسلامية.

ملخص المسرحية

ابتدأ الفصل الأول من المسرحية بمشهدٍ لموظفي إدارة الخطوط الجوية وقد أرهقهم الحر، ونال منهم الظمأ، وأنهكهم عن مواصلة العمل، وتحاوروا في أزمة الحر التي طبّقت الأرجاء، فقلت الرحلات، وتقلصت ساعات العمل، وأُلزم الناس منع التجوال.

واجتمعت الدول الكبرى المنتسبة إلى مجلس الأمن الدولي في الفصل الثاني لمناقشة تداعيات الأزمة، وسبل حلها، فدار الحوار بين مندوب الولايات المتحدة الأمريكية ومندوب روسيا، ثم تدخل فيه مندوبا بريطانيا وفرنسا، وانتهى بمشاركة مندوبي باكستان وأوغندا والسكرتير العام.

وانتقل الوصف في الفصل الثالث إلى ثلاثةٍ من علماء الفلك تداولوا قضية الحر والتدابير المحتملة لمجابهتها فساقهم الحوار إلى مجالٍ علمي وفلسفي في علاقة العلم بالدين.

وانتهت المسرحية في فصلها الرابع بعودةٍ إلى المشهد الأول حيث مكاتب الإدارة وقد خلا بعضها من الموظفين، وبقيةٌ منهم يتكلمون من غير أن يضيقوا ذرعًا بحرّ الشمس وشدة العطش، وكأن الأزمة قد انفرجت أو كادت وصارت عواقبها محلًا للنقاش والنظر.

وقد بالغ المؤلف في تلخيص روايته في سيرته الذاتية التي سبقت الإشارة إليها، ونقتصر على مراجعة الفصل الثاني لأهميته البالغة ولمسيس الحاجة إلى التبصر به في زماننا.

لا تفوت قراءة: الأنواع السردية الكلاسيكية: من الحضور إلى الغياب

إنما الخلاف على توزيع الذهب!

كتب المؤلف مسرحيته -بحرارةٍ شديدة- في أوج الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، وذروة الصراع بين الرأسمالية والشيوعية، ونهاية عصر الاستعمار الغربي، وبدء عصرٍ جديد للهيمنة عن طريق نظام عالمي جديد.

وقد صرح بذلك في سيرته الذاتية المذكورة، فقال: يمكن إدراج المسرحية في سياق مسرح الغضب

والإدانة لما تقترفه دول الغرب الكبرى، بزعامة أمريكا، بحق الإنسان المعاصر، والشعوب المستضعفة، ودول العالم الثالث، بامتلاكها القوة ومضيها قدمًا في الكشف عن الطاقات المدمرة للذرة، وعدم موازنة منطوق القوة بالحكمة التي تشكمها عن الانفلات لتدمير العالم إذا اقتضى الأمر. اهـ [أشهد أن لا إله إلا أنت، ص508-509].

ويشهد لذلك مطلع الفصل الثاني لما غاب مندوب الصين، وحضر مندوب أمريكا ومندوب روسيا ودار بينهما حوار بليغ ارتدت فيه المذاهب المتنافرة إلى أصلٍ جامع، واتفق أصحابها على محلٍ للنزاع وهو موارد الدنيا ومقدرات الشعوب.

فلنأتِ بطرفٍ من الحوار كما ورد في المسرحية مع شيءٍ من الاختصار:

الأمريكي: إن السماء نفسها تتآمر على العالم كله هذه المرة.

الروسي: كنا نحذر دائماً من السماء.

الأمريكي: وماذا نصنع بالمسيح الذي يقول إنه جاءنا مبعوثًا من هناك وإن مملكته فيها؟!

الروسي: اصنعوا مسيحًا آخر كما فعل اليهود قبلكم مع إلههم. عجلًا من ذهب.

[…]

الأمريكي: في هذه النقطة بالذات لا أظن أن هناك خلافًا بيننا وبينكم. لقد صنع كلٌ منا مسيحه على الطريقة التي تعجبه.

[…]

الروسي: توزيع الذهب أعني أنه الخلاف الوحيد.

ويحتد النزاع ويشتد الخلاف على توزيع الذهب في كلام المندوب الإنجليزي لنظيره الفرنسي: إنهما يريدان اقتسام العالم حتى وهو يحترق!

أين قوى الاستعمار؟

لم يشارك مندوبا فرنسا وبريطانيا [أو إنجلترا] في حوار المندوب الأمريكي والمندوب الروسي، وإنما سيق حوارهما تبعًا.

وكأنها إشارة إلى تضعضع مكانة القوى الاستعمارية بعد الحرب العالمية الثانية، ودورانها في فلك الهيمنة الأمريكية أو تأثرها بالمد الأحمر السوفييتي الروسي.

الفرنسي: كنت أقول لنفسي: لو أن الكومنولث البريطاني لا يزال واقفًا على أقدامه. ملايين الأميال الممتدة من أقصى الأرض إلى أقصاها، يرفرف عليها العلم البريطاني ذو الامتدادات المتشابكة الزرقاء والحمراء. لو أن الكومنولث هذا قائم اليوم، كما كان قبل ثلاثة عقود أو أربعة من الزمن. لو أن التاج البريطاني يملك هيمنته القديمة نفسها. فهل كان مستر براون يحضر هذا الاجتماع؟

أخس الأساليب لتحقيق الأهداف

قال المؤلف في سيرته الذاتية: ويمكن أن تكون في سياق النقد السياسي والاجتماعي لما يشهده العالم من صراع قاسٍ يبرّر [كذا في الأصل] استخدام أخس الأساليب في سبيل تحقيق أهدافه، سلطة وتملكًا وتكاثرًا وانفلاتًا جنسيًا وأسلوبًا ميكافيليًا لامتلاك هذا كله.

اهـ [أشهد أن لا إله إلا أنت، ص509].

وتتمثل أخس الأساليب لتحقيق الأهداف في حق النقض الذي سخر منه المؤلف في حوار جانبي تلا حوار المندوب الإنجليزي والفرنسي.

فالمندوب الباكستاني قَلِق من استئثار الدول العظمى بحق النقض، واطمأن نظيره الأوغندي إلى أن سوء العاقبة تلحقهم جميعًا لذلك وأنهم لن يتخلصوا من تبعات صنيعهم.

الباكستاني: أتراهم سيتجاوزوننا في هذه المحنة كذلك؟ وهل سيستخدمون حقهم الأبدي في النقض هذه المرة؟.

الأوغندي: إن المسألة لا تتعلق اليوم بآسية أو إفريقية. إنها تلف العالم كله.

الباكستاني: أقسم لك إنهم سيواصلون لعبهم حتى وهم يرون السنة الشمسية تتلهى بمصير العالم. يكفي أنهم كبار.

الأوغندي: في الجحيم يستوي الصغير والكبير.

الباكستاني: لكنهم وهم مقبلون على الاحتراق يدفعون الصغير أولًا.

الأوغندي: ولكن النار ستأكلهم في نهاية الأمر.

الباكستاني: المهم في نظرهم هو من يموت أولًا […].

وكأنهم يساقون -أفرادًا وجماعات- إلى هلاكٍ يستوون فيه ويتفاوتون في زمن وروده. 

مساواة ليس فيها تساوٍ على الحقيقة فهي تذكرنا بما قاله جورج أورويل في آخر رائعته مزرعة الحيوان: جميع الحيوانات متساوية لكن بعضها أكثر مساواة عن الآخرين اهـ.

أبيض وأسود

عاد الحوار إلى المندوب الروسي والمندوب الأمريكي فتذاكرا التاريخ الحديث، وعرّض كل واحدٍ منهما بصاحبه.

ولم يتكلم المندوب الباكستاني مرة أخرى إلا بعد مجيء السكرتير العام والإذن له بالحديث، فقال وأوجز: مفتاح الموقف كله يتركز بكلمة واحدة: التضامن.

وزاد عليها بعد قليل: بقليلٍ من التضحية يمكن أن نضع خطواتنا الأولى على طريق المجابهة الإيجابية للكارثة.

لم يسع المندوب الأوغندي إلا موافقته فقال: أرى أن الفرصة قد حانت لكي يتقدم الرجل الأبيض بمأثرة كبرى من أجل العالم كله. إننا أمام كارثة قد تأتي على الأبيض والأسود […].

اقرأ أيضًا: هيئة الأدب والنشر والترجمة: صناعة التحول في المشهد الثقافي السعودي

الشمس لا تقتلنا بل الدول الكبرى!

لم تجد صراحة المندوب الأوغندي شيئًا، ولم تثمر كلمة المندوب الباكستاني إلا تضامنًا بين الدول الكبرى، وتفريقًا لسائر دول العالم لتقع بين دوائر عمل تمتد إليها سيطرة تلك الدول. ما دون ذلك.

تضجر المندوب الأوغندي من ذلك وقال لما سئل عن إفريقية: يقدم أبناؤها قربانًا على مذبح الشمس […] ليست الشمس هي التي تقتلنا، ولكنها الدول الكبرى […] نحن أصدقاؤها منذ عشرات القرون ولا أعتقد أنها تقتل أصدقاءها.

لم يخف ذلك على المندوب الباكستاني فقد قال له قبلًا: لقد تعروا قبل أن يجيئوا إلى هذا الاجتماع. بل نزعوا ثيابهم منذ أن وافقوا على دخول هذه الجمعية قبل عشرات السنين. وهل يخاف العراة على أنفسهم الفضيحة؟.

وقد طال التداول، وتشعب النقاش حتى انتهى الفصل الثاني بعبارة قالها المندوب الباكستاني والمندوب الأوغندي في آنٍ واحد: العالم سيحترق أيها السكرتير!

خاتمة: متى يتغير نظام العالم؟

نظام العالم إنه بأمس الحاجة إلى التغيير

أحسب أن كثيرًا من الأسئلة تراودنا في ختام المسرحية. لكن أهمها معرفة التغيير الذي يحتاج إليه نظام العالم لا سيما إن عصفت به أزمات كبرى تهدد وجوده.

فالشمس لا تزيل دنس الإنسان، والحَرّ لا يمحو طمعه في مقارفة المزيد. ولئن كانت الشمس لا تقتل الإنسان في غابات أوغندا أو صحراء باكستان، فإن ما يقتله هو نظامٌ يسوقه سوقًا إلى جحيمٍ يستوي فيه الصغير والكبير.

ما أعجبنا
  • لغة شاعرية وترجمة أمينة لإيقاع النصّ.
  • ربط رشيق بين الفلسفة والسِّيَر الشخصية.
  • فصول قصيرة تصلح للقراءة المتقطّعة.
ملاحظات
  • تكرار بعض الأفكار في الثلث الأخير.
  • يفترض إلماماً مسبقاً ببعض الأسماء الفلسفية.

تقييم سماوي بالتفصيل

الأسلوب واللغة4.5
الفكرة والعمق4.2
جودة الترجمة4.3
متعة القراءة3.8