سماوي Samawy Blog
الرئيسيةمراجعاتمراجعة نقدية حول كتاب: أبي الذي أكره
مراجعة كتاب

مراجعة نقدية حول كتاب: أبي الذي أكره

فريديريك غرو · ترجمة: محمد آيت حنا · دار التنوير
4.0 / 5 — تقييم سماوي
فلسفةتأمّلات232 صفحة
مراجعة نقدية حول كتاب: أبي الذي أكره
ه
هاجر الجهني · ناقد أدبي
28 August 2025 · 7 دقائق قراءة

مراجعة عميقة تكشف فجوات كتاب "أبي الذي أكره" وتناقش تأثير الثقافة والهوية العربية في فهم الأذى الأسري

غياب الحدود الواضحة لمفهوم الإساءة

منذ الصفحات الأولى، يضعنا الكتاب أمام تسعة أمثلة، أطلق الكاتب على كلٍ منها اسم “الزنزانة”. هذه الزنازين ليست مجرد حكايات؛ بل محاولة لتشريح جروح إنسانية عاشها الأبناء تحت وطأة علاقات أبوية معقدة.

ومع ذلك، فإن هذه الأمثلة التي كُتِبت من داخل العيادة النفسية لا تقودنا إلى تعريف محدد للإساءة أو الأذية، ولا تضع إطارًا واضحًا لسؤال مهم جدًا وهو:

ما الذي يجعل الأب مؤذيًا؟ وما هو تعريف الإساءة التي تتكوّن من خلالها مشاعر الكره؟

أما السؤال الجوهري الذي ظل يلاحقني وأنا أطوي الصفحات هو: ما الحد الفاصل بين خطأ تربوي، وبين أذى يخلّف جرحًا طويل الأمد؟ وما الدور الذي تلعبه الهوية العربية في رأب الصدع؟

نعم؛ نتفق أنَّ هناك نماذج لصورة الأم أو الأب أو كلاهما -وهي استثناءً وليست أصلًا- تكون بشعة جدًا ولا يمكن التنبؤ بمدى شريّتها وقسوتها.

لذا؛ كان من المفترض على الكاتب أن يقوم بتوضيح الصورة المقصودة للأب المؤذي، ووضعها في إطار محدد؛ حتى لا يُترك القارئ لافتراضاته وتصوراته.

إذ إن التربية فعلٌ بشري غير معصوم من الخطأ، وكل والد ووالدة قد يزلان بغير قصد، وربما بدافع الاجتهاد.

فهل يدخل ذلك في باب الإساءة؟ أم أن الإساءة تتحدد فقط عندما تكون مقصودة وممنهجة وتترك أثرًا نفسيًا عميقًا؟

غياب التعريف يجعل القارئ يقف أمام أمثلة مفتوحة على التأويل، قد يرى فيها البعض انعكاسًا لقصص طفولته، أو من محيطه.

وعلى أي حال فإن الكتاب أقرب ما يكون إلى الفضفضة النفسية منه إلى محاولة حقيقية لبناء معرفة علمية رصينة.

لا تفوت قراءة: كيف تختار كتابك القادم للقراءة؟

الصلابة النفسية عند الإنسان العربي

يأخذنا الكتاب باتجاه التعافي؛ لكنه يغفل سؤالًا جوهريًا آخرًا: من أين يستمد الإنسان العربي صلابته النفسية تجاه والديه المؤذيين؟

من المؤسف أن الكتاب يتجاهل ولا يعترف بحساسية وخصوصية موضوع الوالدية في مجتمعنا العربي، ويضعها على الرفّ.

!وكأن الإنسان الذي قد مرّ بعلاقة مؤذية في طفولته، قد كبر وهو في معزلٍ عن الهوية العربية، والدين، والثقافة، والمجتمع!

في حين أنَّ طفولتنا وحياتنا لا تتشكَّل من الأب والأم فقط؛ إنما بتركيبة اجتماعية معقدة في بيئة عائلية ممتدة، حيث الأجداد والجدات، والأقارب والجيران، جميعهم يشكّلون طبقات من الحماية الاجتماعية التي قد توازي في أثرها الأب والأم، وربما تفوقهما في بعض الحالات.

فالإنسان العربي كائن اجتماعي بالدرجة الأولى، الأب والأم المؤذيين ليسا النموذج الوحيد في حياته، بسبب الترابط العائلي قد يجد في محيطه نموذج أقرب إلى السواء النفسي يستمد منه عافيته وقوته.

لذا إن كانت الأم مشوهة نفسيًا لا يعني أننا سنظل ضحاياها، وإذا كان الأب مريضًا لا يعني أن توازننا النفسي سيختل إلى الأبد.

كما أن تجاهل السياق الثقافي والديني والاجتماعي في مثل هذه الكتب أمر غير مبرر؛ إذ إن القارئ العربي يجد نفسه في وسط خطاب يتعامل مع الوالدين وكأنهما مجرد غرباء، لا فضل لهما ولا مِنّة، هما مجرد عقبة في الطريق ويجب إزاحتها!

غاض الطرف عن أنّ هناك ثمّة تداخل معقد بين الإحسان والمعروف، والبر والعدل، وبين الغفران والمحاسبة.

إن اختزال التجربة في صورة الأب المؤذي أو الأم المؤذية، دون تفكيك معانيها العميقة في مجتمعنا، يجعل الكتاب أقرب إلى صدى غربي، وطبطبة جماعية، وليس محاولة صادقة للفهم؛ مما يفاقم من شعور القارئ بالاغتراب.

الاتجاه الغربي والفردانية

يلاحظ القارئ تأثر الكتاب في طرحه بالنظريات النفسية الغربية، ولا سيما في حضور عقدة أوديب بشكلها غير المباشر.

العلاقة المتوترة بين الابن والأب وكأنها صراع حتمي لا تولد النفس البشرية إلا من خلالها. هذا التصور قد يناسب المجتمعات الفردانية التي تقدّس استقلال الذات وتضعها في مركز الوجود.

لكنه يصبح قاصرًا حين يُسقط على مجتمعات عربية حيث الهوية لا تُصاغ من الذات الفردية وحدها؛ بل من الجماعة والدين والتاريخ. لذا؛ فإن الإنسان يستمد ثقله الوجودي ومركزه الاجتماعي من والديه أولًا مهما كانا مؤذيين.

إن استنساخ الفردانية الغربية في المعالجة النفسية في علاقة الوالدين المؤذية، لا يُضيف عمقًا؛ بل ينتزع الإنسان من سياقه، ويتركه مع خطاب غربي ناتج عن عزلة اجتماعية.

والأسوأ من ذلك أن هذه الفردانية قد تغري القارئ بتبنّي موقف عدمي من والديه، فيتجاهل الواقع وتعقيداته.

اقرأ أيضًا: لماذا يختلف شعرنُا العربيُّ الحديثُ عن شعرِنا القديمِ؟

الوالدية في الثقافة الإسلامية

حين ننتقل إلى البُعد الديني، نجد أن الكتاب تجاهل بشكل مقصود النصوص القرآنية الصريحة في موضوع الوالدية؛ معللًا ذلك بأنها ربما ستشكِّل ضغطًا على القارئ.

لكني أرى أن المجال كان يتسع لاستحضار النصوص القرآنية بمعانيها المنطقية الرحبة، لا بفهمنا المتشدد أو المانع من الاعتراف بالأذى.

فالقرآن الكريم لم يغفل مسألة غاية في الأهمية وهي أنّ الوالدان قد يكونان مشركين! الوالد المشرك المؤذي بلا شك أنه الأسوأ، ولا يمكن تصوّر مدى أذيته، هو بالتأكيد الصورة الأبشع.

ومع هذا يأمر الله عز وجل: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون} [سورة لقمان:15].

هل يمكن تصوّر أذية أشد من الأذية في الإيمان؟ ومع ذلك لم ينزع الله جل جلاله صفة الوالدية عنهما، وجعل الباب مفتوحًا أمام تحديد شكل المعروف والإحسان الممكن؛ بما يتناسب مع قدرة الابن على التحمّل وحالته النفسية.

فلا نجد نمطًا واحدًا من الإحسان، وشكلًا محددًا لهذه الصُحبة؛ بل درجات متفاوتة تبدأ من أبسط صور التواصل، وقد تصل إلى الرعاية الكاملة لمن استطاع.

هذه المرونة القرآنية هي ما يمنح القارئ العربي مساحة للتوازن بين حق الوالدين، وحماية النفس من الأذى، وإدراك المكونات المخبوءة في تكوينه النفسي المستمدة من هويته العربية والاجتماعية؛ كالحرية والإرادة والإيمان والقدرة على الاختيار من بين الخيارات المباحة الواسعة. بدلًا من الركون التام إلى المشاعر وجروح الطفل الداخلي وحجم الأذى في الطفولة.

ولا يخفى على القارئ أن هذه الآية نزلت في الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، حيث قال: “أنزلت هذه الآية فيّ، وكنتُ رجلًا برًا بأمي، فلما أسلمتُ، قالت: يا سعد، ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فتُعيّر بي، فيقال: “يا قاتل أمه” فقلت: لا تفعلي يا أماه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء.

فمكثتْ يومًا وليلة لم تأكل فأصبحتْ قد جهدت، فمكثتْ يومًا آخر وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحتْ قد اشتد جهدها، فلما رأيتُ ذلك، قلت: يا أماه، تعلمين والله لو كانت لكِ مائة نفسٍ فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركتُ ديني هذا لشيء، فإن شئتِ فكلي، وإن شئتِ لا تأكلي. فأكلت.”

والتاريخ يمتلئ بالقصص التي يمكن أن نستمد منها شواهد نفسية وفلسفية عميقة حول موضوع الوالدية وسُبل التعامل مع أشد صور الابتلاء.

فالأم هنا لم تكن فقط مختلفة في المعتقد؛ بل كانت تستخدم أكثر وسائل الضغط النفسي قسوةً: التهديد بالموت وإلحاق الأذى بالابن من خلال اتهام المجتمع له بقتلها.

ورغم ذلك، ظل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بارًا بأمه، يخاطبها بلطف، ويضع العلاقة في إطارها الإنساني، ولم يسمح في الوقت نفسه لهذا الأذى أن يهز قناعته الدينية أو صلابته النفسية ويدفعه إلى التنازل والانزواء.

فالسياق الديني من جهة لا يعفي الابن من مسؤولية المصاحبة بالمعروف؛ حتى مع الأذى العاطفي والابتزاز وهو رجل كامل الأهلية والإرادة، فمن باب أحرى ألا يتمسك الإنسان بجروح الطفولة مع والديه ويفتش عنها إن لم تكن ظاهرة.

ومن جهة أخرى، على الإنسان ألا يسمح لهذا المعروف أن يتحول إلى خضوع كامل لوالديه يلتهم هويته وحريته واختياره.

إنني أرى أنها معادلة دقيقة بين الاعتراف بالأذى، وعدم الانسلاخ من الوالدية. وهذا ما يفتقده الكتاب موضوع المراجعة.

إذ إن النصوص القرآنية لا تنفي وجود الأذى، ولا تنكره بشدّة؛ لكنها تمنح الإنسان أفقًا واقعيًا للتعامل معه، بعيدًا عن ثنائية الضحية والجلاد، أو القطيعة المطلقة. والسياق التاريخي يؤكد هذه المعادلة.

خاتمة لا بد منها

أولًا: عامل الجذب الأساسي للكتاب أنه يتناول موضوع من بين المواضيع المسكوت عنها في مجتمعنا العربي، وقد يجد فيه القارئ صدًى لصوته، وتشريحًا لمعاناته، وعزاءً مؤقتًا؛ لكنه لا يدعوه إلى إعمال الفكر ونقد التجربة، ولا يضعه في موقعه السياقي الصحيح.

ثانيًا: كنت أود أن أجد بين الصفحات مساحة للتفكير في السؤال الكبير: كيف نصنع التوازن مع والدين مؤذيين، ونستعيد صلابتنا ضمن مرجعية واضحة؟ لكني شعرت أني أمام كتاب يترك أثرًا عاطفيًا وليس معرفيًا.

ثالثًا: الكتاب لا يحدد جمهوره المخاطَب بدقّة: هل هو يتوجه إلى الأبناء الذين عانوا من الأذى؟ أم إلى الآباء والأمهات ليراجعوا ممارساتهم التربوية؟ أم إلى عامة الناس؟ هذا التذبذب لا يساعد القارئ على تلقي الرسالة بوضوح، فضلًا عن أنه لا يكون متيقن من موقعه من النص.

رابعًا: لا يرتكز الكتاب على منهجية واضحة تقود القارئ من البداية إلى النهاية، أو مرجعية محددة؛ فنجد الكثير من الحالات، والأمثلة، واستعارات المشاهد السينمائية في عرض عشوائي غير متسق.

خامسًا: هناك فصول من الكتاب أوصي بقراءتها؛ لأهمية الطرح فيها، وهي:

1. الخزي، سلوك هزيمة الذات.

2. لعبة الحكم على الآخرين (الوجه الخفي للخزي) وبالإمكان قراءتها دون التعرض لمحتوى الكتاب بالكامل.

ورجاءً أخيرًا للقراء: بعد قراءة مثل هذه المؤلفات النفسية، إذا اعتقد أحدنا أن بين يديه معرفة أو خبرة؛ فليحذر من أن تتحول إلى سلطة على الآخرين. لا تمارس الحكم على الآخرين، ولا تشخّص أحدًا.

حاول أن تمنع نفسك من توجيه الآخرين في المجالس العامة، واللقاءات العابرة. لا تُشير بإصبعك إلى أحدهم وتقول: “أنت لديك صدمة طفولة” ولا تقل: “أنت تعاني من اضطرابات الأب”.

لا أحد ينتظر إنقاذك أو تشخصيك الفردي. أنت لست طبيبًا؛ حتى الطبيب يعمل بتعليمات صارمة؛ لأن المعرفة الحقيقية لا تُترجم إلى أحكام، بل إلى رحمةٍ واتساع، وفهمٍ منطقي أعمق لتجارب الآخرين.

ما أعجبنا
  • لغة شاعرية وترجمة أمينة لإيقاع النصّ.
  • ربط رشيق بين الفلسفة والسِّيَر الشخصية.
  • فصول قصيرة تصلح للقراءة المتقطّعة.
ملاحظات
  • تكرار بعض الأفكار في الثلث الأخير.
  • يفترض إلماماً مسبقاً ببعض الأسماء الفلسفية.

تقييم سماوي بالتفصيل

الأسلوب واللغة4.5
الفكرة والعمق4.2
جودة الترجمة4.3
متعة القراءة3.8