سماوي Samawy Blog
الرئيسيةمراجعاتلغة الجسد الاجتماعية لشخصية مبهرة
مراجعة كتاب

لغة الجسد الاجتماعية لشخصية مبهرة

فريديريك غرو · ترجمة: محمد آيت حنا · دار التنوير
4.0 / 5 — تقييم سماوي
فلسفةتأمّلات232 صفحة
لغة الجسد الاجتماعية لشخصية مبهرة
أ
أميرة يوسف · ناقد أدبي
7 November 2025 · 7 دقائق قراءة

اكتشف أسرار جيسي ليفرمور، أسطورة البورصة، وتعلّم كيف تُضارب بذكاء وتتجنب الإفلاس في لعبة المال الأكثر مخاطرة

كم من حوارٍ أُسيء فهمه لأنه أُجري عن طريق الكتابة أو عبر الصوت فقط، ولا يزول سوء الفهم هذا إلا عندما يلتقي المتحاوران وجهًا لوجه، ويبسط كلٌّ منهما وجهة نظره مستعينًا بتعبيرات وجهه وإيماءات جسده اللتين تُساعدانه على إيصال المعنى المرجو من الحديث. هذه التعبيرات وتلك الإيماءات هما ما يُطلق عليهما «لغة الجسد».

تكمن أهمية لغة الجسد في أنها تُشكل نسبة 55% من التأثير الذي يُحدثه المتحدِّث، وتمتاز بارتفاع نسبة مصداقيتها؛ فما يقرب من 90% من تعبيرات الجسد تقع تحت سيطرة العقل اللاواعي، وتُعدُّ أيضًا موردًا أساسيًّا لحاسة البصر التي تُمثل أهم المصادر التي يتلقى عنها العقل معلوماته؛ إذ تبلغ نسبتها 83% من جملة المصادر، كما تتميز بأنها لغة عالمية يفهمها الأفراد من الثقافات كافة.

يلجأ الكثير من الناس إلى لغة الجسد؛ لا من أجل فهم الآخرين من خلال تعبيراتهم الجسدية، ومعرفة نواياهم وكشف الحقيقة من الزيف فحسب، ولكن أيضًا من أجل فهم ذواتهم، والتعرُّف على الحركات والأوضاع السلبية فيهم، والعمل على تعديلها واستبدال أخرى إيجابية بها.

لغة الجسد الاجتماعية

في هذا الكتاب «لغة الجسد الاجتماعية لشخصية مبهرة» الصادر عن دار مدار الفكر عام 2022، يصحبنا مؤلفه الأستاذ «خالد بن محمد المسيهيج» المتخصص في لغة الجسد وأحد مُدربيها الكبار في الوطن العربي، في جولة ممتعة تمتد عبر أربعة محاور نتعرف خلالها على استخدامات لغة الجسد في المحيط الاجتماعي، ومدى تأثيرها في علاقتنا بالآخرين.

كيف نقرأ لغة الجسد؟

لمعرفة قراءة لغة الجسد؛ يبدأ المؤلف كتابه بمدخلٍ عام يشرح فيه بلغةٍ سهلة وأسلوبٍ مبسط المفاهيم والمصطلحات الأساسية الخاصة بمجال لغة الجسد مثل: أدوات التعبير الجسدي، وأنواع حركات الجسد، والتسرُّب الحركي، وخط الأساس، واللزمات الحركية، والفرق بين تزييف لغة الجسد وتعديلها.

ولضمان قراءة صحيحة وتحليل سليم؛ يُسلط «المسيهيج» الضوء على القواعد الأساسية التي لا بُدَّ من مراعاتها عند تحليل لغة الجسد، مثل: معرفة دلالات تعبيرات الوجه والحركات الجسدية، ومدى توافق ما يقوله المتحدث واتساقه مع حركات جسده، والتمييز بين الحركات الناجمة عن شعور داخلي، والأخرى الصادرة عن المؤثرات الخارجية أو اللزمات الحركية التي يصدرها الجسم باستمرار وبدون داعٍ.

ويؤكد المؤلف على ضرورة إدراج الحركة في جملة من الحركات الأخرى حتى يمكن قراءتها بشكل سليم، وكذلك الوقوف على خط الأساس الذي يُعد بمثابة المعيار الحاسم لرصد التغيرات. مع الأخذ في الاعتبار العوامل المؤثرة في لغة الجسد مثل الظروف الخاصة بكل شخص كالسن، والسمنة، والصحة، والبيئة الثقافية، والطبقة الاجتماعية، والنوع.

لا تفوت قراءة: دليلك إلى أفضل الكتب حول تاريخ المكتبات في العالم

تأثير لغة الجسد في عملية التفاوض

تلعب لغة الجسد دورًا كبيرًا في عملية التفاوض بين الأفراد، ولذا فإن المؤلف يتطرق إلى هذا الدور بالتفصيل؛ فيُبين الجوانب المهمة في عملية التفاوض والإقناع، ويأتي على رأسها التحلي بمهارة الإنصات؛ فالإنصات هو جوهر الذكاء الاجتماعي، ويحتاج إلى صبرٍ شديد، ويوضح المؤلف الفرق بين الإنصات والاستماع والسماع مؤكدًا على أن الإنصات هو سماع مع اهتمام وتفرغ تام، والتوجه إلى المتحدث بكامل الحواس.

ومن أهم علاماته: التواصل البصري، بمعنى تركيز العين على المتحدث واستمرار النظر إليه، وهز الرأس من الأعلى إلى الأسفل، وإمالتها، وتعديل النظارة، والإقبال بالجسم، وهناك علامتان مهمَّتان من علامات الإنصات تختصان بالعملية التعليمية هما: الكتابة باعتبارها دليلًا على الحرص على تدوين ما يقوله المعلم، ومتابعة حركة قلمه لمراقبة الطريقة التي يكتب أو يرسم بها.

ويؤكد المؤلف على العلامات الأخرى التي يجب الإلمام بها لمعرفة مدى تجاوب الطرف الآخر معنا، وأثر كلامنا فيه، ومنها علامات الضيق والملل كالنفخ، والتثاؤب، وإغماض العينين، والعبث بالشعر، ووضع اليد على الفم، وتدوير الإبهامين، وضبط النفس عن طريق إمساك يد باليد الأخرى من الرسغ فأعلى خلف الظهر، وعلامات التشكيك، كسلوك الجذع، ويعني الانسحاب إلى الخلف، ولمس الوجه أو الأذن أو الرقبة، وسلوك اليدين كإخفاء راحة اليد بوضعها في الجيب أو تحت الفخذ أو خلف الظهر. 

وسلوك القدمين كوضع رِجل على رِجل أو تقاطع القدمين على مستوى الكاحلين، وسلوك الحواجب كرفع أحد الحاجبين، وسلوك العين؛ إذ تُعد أصدق عضوٍ يمكن الاعتماد على تعبيراته، ومن تعبيرات التشكيك التي تختص بها العيون انخفاض معدل الإرماش عن المعدل الطبيعي، وضيق حدقة العين إلى أدنى مستوى، والنظرة الجانبية. ومن الجدير بالذكر أن علامات التشكيك هي نفسها علامات الكذب إذا صدرت من المتكلم.

ويدخل في عملية التفاوض والإقناع أيضًا ما يُطلق عليه الحواجز النفسية، وهي وضعيات يتخذها الجسم عندما يشعر بعدم الاقتناع أو الرفض، بغرض عزل نفسه عن الآخرين، بيد أنها ليست حواجز حقيقية، وإنما وهمية. ولهذه الحواجز أشكال وأنواع؛ فبعضها لا يتجاوز الثانية، وبعضها يمتد إلى دقيقة أو أكثر، وبعضها واضح وبعضها الآخر خفي، ويتوقف التعرُّف عليها على مدى خبرة القارئ، ومن أبرز هذه الحواجز: عقد الذراعين إلى الأمام، ولمس الكُم أو الساعة، والاحتماء بالمتعلقات الشخصية، وإغماض العينين، وانكماش الجسد.

لغة الجسد والتواصل

لِلُغة الجسد أهمية قصوى في عملية التواصل، ولذا فإن المؤلف يتناول تأثيرها في هذه العملية؛ فيبرز تأثيرها في الزيارات الاجتماعية؛ فالتواصل المباشر له أثر كبير في تكوين العلاقات الاجتماعية، لكن في بعض الأحيان تقع بعض الأخطاء غير المقصودة من الضيف أو المضيف تنعكس بطبيعة الحال على العلاقات وقد تفسدها، ولذا فإن المؤلف يعرض آداب كل من الضيف والمضيف الخاصة بلغة الجسد.

ولما كانت المصافحة ليست مجرد تماسك بالأيدي، إنما نقل مشاعر وأحاسيس، نستطيع من خلالها أن نستشف أمورًا كثيرة، فإن المؤلف يستعرض أنواعها، ودلالاتها، وأهم الاعتبارات التي يجب مراعاتها عند المصافحة. ويوضح أيضًا حدود الحيز المكاني في عملية التواصل، ويقسمها إلى أربع مناطق؛ المنطقة الحميمة، والمنطقة الشخصية، والمنطقة الاجتماعية، والمنطقة العامة؛ إذ تتميز كل منطقة بدرجة خصوصية معينة، وتقع عليها عدة محاذير، ولكل منها لغة جسد معينة يجب مراعاتها حتى لا تؤدي إلى سوء فهم.

لغة الجسد والتأثير

يختم المؤلف كتابه بالحديث عن الشكل العام للجسد وتأثيره في تحديد الشخصية، فيستفيض في الحديث عن الشخصية الواثقة والمعتدَّة بنفسها، وتوظيف لغة الجسد في التعبير عنها، ويستعرض الوضعيات التي توحي بالثقة بالنفس، كطريقة وقوف الواثق، ومشيته، وجلوسه، وحديثه، وتعبيرات وجهه، ونظراته، ومظهره.

وكما أن معرفة السلوكيات الإيجابية في لغة الجسد أمرٌ مهم لاتباعها، فإن معرفة السلوكيات السلبية أمرٌ مهم أيضًا لتجنبها، ولذا فإن المؤلف يتطرق أيضًا إلى وضعيات الجسد التي تترك انطباعًا سلبيًّا في نفوس الآخرين، ومن أبرز هذه الوضعيات؛ سلوك الروبوت؛ فالتفاعل الجسدي مع الحديث أمرٌ ضروري، وعدم التفاعل يؤدي إلى الملل وقد يدفع إلى النوم، كما يُشكِّل عائقًا من عوائق الاتصال والاستيعاب، وسلوك البهلوان، وهو على النقيض تمامًا من سلوك الروبوت؛ ففيه يتحرك المتحدث بشكل مفرط مما يؤدي إلى تشتت الآخرين، وإرهاقهم.

وهناك أيضًا سلوك الطفل ويعني كثرة الحركة والتململ والاحتكاك بالآخرين مما يترك انطباعًا سلبيًّا؛ فكلما زاد نضج الإنسان زاد اتزانه، وغير ذلك من أنواع السلوك الأخرى التي يتناولها المؤلف بالشرح.

اقرأ أيضًا: كيف تؤسس لمكتبة شخصية في منزلك؟

ملاحظات عامة

من خلال هذا العرض الموجز للمحاور العامة التي ركز عليها المؤلف في كتابه يتبين لنا أنَّه استطاع معالجة الموضوع من جوانبه كافة، مركزًا على الخطوط الرئيسية التي تمس جوهر الموضوع دون الإغراق في تفاصيل مُرهقة قد تشتت القارئ وتُبعده عن جوهر الفكرة التي يسعى المؤلف إلى إيصالها، وقد حرص المؤلف على استخدام لغة سهلة وبسيطة ومباشرة لا لبس فيها قادرة على إيضاح المعنى بسلاسة وعمق.

من بين الأمور المهمة التي عالجها الكتاب؛ تصحيح بعض المفاهيم السائدة والتمييز بين الإيجابي منها والسلبي؛ كالتمييز بين الحياء كونه صفة إيجابية والخجل كونه صفة سلبية، والتمييز بين الاعتداد بالنفس بوصفه سمة إيجابية، والكِبر بوصفه سمة سلبية، وكذلك التمييز بين الحركات الجسدية التي تدخل في إطار لغة الجسد؛ إذ يجب أن تكون تلك الحركات صادرة عن شعور داخلي في موقف معين؛ حتى يتسنى إدراجها ضمن القراءة، أما الحركات الأخرى كاللزمات الحركية أو الناجمة عن دوافع خارجية كحالة الطقس مثلًا؛ فيتم استبعادها من القراءة لأنها لا تُعبِّر عن شيء في لغة الجسد.

حرص الكاتب أيضًا على الاستشهاد بنماذج من الثقافة العربية والإسلامية، والاستعانة بآيات من الذكر الحكيم لتدعيم فكرته، وهو ما يعني الانسجام مع المجتمع الذي يتوجه إليه بالحديث والكتابة وعدم الانعزال عنه، بالإضافة إلى تدعيم أفكاره بالصور لسهولة توصيل المعنى، وتأكيده على أن لغة الجسد لا تصلح لتحليل الشخصية، إنما هي لقراءة المواقف وتحليلها في لحظة معينة فقط.

ولقد استعان المؤلف في هذا الكتاب بالعديد من الأعمال الرائدة في مجال لغة الجسد، ومن أبرزها: «لغة الجسد الذكية» لـ «ماكس إيه إيجارت»، و«تحتاج أن تعرف لغة الجسد» لـ «كارولين بويز»، و«المرجع الأكيد في لغة الجسد» لـ «آلان باربارا بييز»، و«الفراسة أو قراءة لغة الجسد» لـ «نادين كُمث»، وغير ذلك من المؤلفات المهمة، وهو ما يُبين قوة المادة العلمية التي اعتمد عليها المؤلف في كتابه.

وفي الختام يمكن القول: إن هذا الكتاب يُعد إضافة مهمَّة في مجال تطوير الذات، ونموذجًا إرشاديًّا وتربويًّا رائدًا ليس فقط في الإلمام بلغة الجسد، وإنما في اتباع جميع السلوكيات الاجتماعية الإيجابية، والبدء في التخلص من السلوكيات السلبية التي قد لا يفطن بعضهم إلى درجة سلبيتها.

ما أعجبنا
  • لغة شاعرية وترجمة أمينة لإيقاع النصّ.
  • ربط رشيق بين الفلسفة والسِّيَر الشخصية.
  • فصول قصيرة تصلح للقراءة المتقطّعة.
ملاحظات
  • تكرار بعض الأفكار في الثلث الأخير.
  • يفترض إلماماً مسبقاً ببعض الأسماء الفلسفية.

تقييم سماوي بالتفصيل

الأسلوب واللغة4.5
الفكرة والعمق4.2
جودة الترجمة4.3
متعة القراءة3.8