سماوي Samawy Blog
الرئيسية › مراجعات › فوائت الحياة: في مدح حياة لم نعشها
مراجعة كتاب

فوائت الحياة: في مدح حياة لم نعشها

فريديريك غرو · ترجمة: محمد آيت حنا · دار التنوير
4.0 / 5 — تقييم سماوي
فلسفةتأمّلات232 صفحة
فوائت الحياة: في مدح حياة لم نعشها
ع
عمرو نور الدين · ناقد أدبي
5 August 2025 · 9 دقائق قراءة

هل ما لم نعشه يمكن أن يمنح لحياتنا معنى؟ تأملات نفسية في رغباتنا المؤجلة وأحلامنا الغائبة وكيف نصنع من الإحباط أملًا واقعيًا.

بتعميم المشهد في حقل الدراسات النفسية يمكننا القول إن علم النفس يشهد انقسامًا حادًّا بين المدرستين التحليلية والقارية؛ تشدُّه الأولى نحو العلم بمعناه الطبيعي القائم على التجربة والتحليل والمشاهدة والبيانات والإحصاءات، فيما تشده الثانية نحو الفلسفة والنقد الأدبي بعيدًا عن العلم الطبيعي. ويميل «آدم فيليبس» مؤلف هذا الكتاب، نظرًا لتكوينه، إلى المدرسة الثانية. إذ يَعتِبر التحليل النفسي أقرب إلى لغة الأدب التي تميل إلى الفلسفة والنقد والشعر أكثر من ميلها إلى العلم بمعناه الصارم.

«آدم فيليبس» هو طبيب ومحلل نفسي بريطاني ولد عام 1954 لأبوين يهوديين من أصل بولندي. درس اللغة الإنجليزية في كلية سانت جونز في جامعة أكسفورد، وغلب على ثقافته التكوين الأدبي، وتأثر كثيرًا بكتابات كارل يونج التي دفعته إلى أن يصبح محللًا نفسيًّا. وقد صدر هذا الكتاب باللغة الإنجليزية في عام 2013، وترجمته الدكتورة نشوى ماهر كرم الله، وصدر عن دار معنى للنشر والتوزيع في عام 2021.

أطروحة الكتاب

يحمل الكتاب الذي بين أيدينا عنوانًا إنجليزيًّا مثيرًا Missing Out: In Praise of the Unlived Life والذي تُرجم إلى العربية تحت عنوان: «فوائت الحياة: في مدح حياة لم نعشها».

تتخذ مقدمة الكتاب من الخيال نقطة للانطلاق، حيث يسأل الكاتب في مطلع النص «هل الحياة التي لم تُعَش تستحق التجربة؟». والحياة التي لم تُعش هنا هي الحيوات العقلية التي تُصاحب حياتنا الفعلية، الحيوات التي نتمنى أن نحياها لكننا لم نحيَها لسبب أو لآخر. أحلامنا وأمانينا وطموحاتنا وما نتوق إليه. وبسبب وجود هذا النوع من الحياة المتخيلة والمرافق لحياتنا الفعلية طيلة الوقت، فإننا نتعلم بمرور الزمن أن نعيش في منطقة وسطى بين هذه الحياة وتلك. إن ما يجعل مشاعر الفوات متأصلة بداخلنا هو انكشافها الواضح في غيرتنا من الآخرين، وفي مطالبتنا الواعية أو غير الواعية لأطفالنا بالتفوق علينا، أو في إحباطاتنا اليومية.

يؤكد فيليبس على أن الانشغال النفسي بما هو غائب ليس مجرد اختراع علماني حديث، وإنما هو جزء لا يتجزأ من طبيعة الإنسان وسر بقائه بوجه عام، لكن فيليبس يريد في الوقت نفسه أن يلفت الانتباه إلى تاريخية هذا النوع من الانشغال؛ أي ارتباطه بشروط تاريخية تلحق التغيرات بطبيعته. إذ يرى فيليبس أن هناك حوارًا جديدًا قد نشأ «حول كيفية وصف ما نفتقده في الحياة المعاصرة» بسبب تغير الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا في الحياة الحديثة. فقد أصابنا هوس بما نفتقده في حياتنا، وبما يهدم ملذاتنا.

ينبع هذا الهوس في رأي فيليبس من تغير طريقة نظرتنا إلى حيواتنا المتخيلة. فكبرياء الإنسان الذي حطمه داروين، دفع البشر إلى المبالغة في التفكير بأنفسهم بوصفهم مميزين، هذا التميز كان له أثره على طريقة تفكيرنا في حيواتنا المتخيلة التي لم نعشها. فمع استبدال الداروينية الطموح الإنساني بالإيمان الإلهي، لم يعد التفكير في الحياة المتخيلة والمرغوبة تفكيرًا دينيًّا يؤجل إشباع تحقيق هذه الحياة بمجيء الآخرة أو حياة الخلود، وإنما أضحى التفكير فيها يقوم بالأساس على تحقيق الإنسان لمساعيه الأرضية في التقدم والإنتاج والنمو.

وهذا يعني أن التقدم في العمر يجلب معه بوجهٍ من الأوجه إحباطًا ناتجًا عن تراجع فرصنا في عيش حيوات لم نعشها، وفي تحقيق مساعٍ لم يعد بوسعنا أن نحققها، مع غياب حياة أخروية يمكن أن تستوعب هذا الفائض من الحياة، أو كما يقول فيليبس «يكون التقدم في العمر بهذا المعنى، عدم فعل ما كان ينبغي أن يُفعل».

حاول فرويد معالجة هذا الإحباط الناتج عن تقلص الزمن مع تقدم العمر، حيث تتقلص فرصنا وأمانينا وطموحاتنا في الحياة بمرور الوقت، وذلك بتفكيره في سؤال آخر: «ما المتع التي تُبقي على حياة كائن ليس لديه ما يُميزه؟». قبل الحياة الحديثة استولى وعد الآخرة والخلود على جانب كبير من حيواتنا المتخيلة، إلا أن اختفاء هذا الوعد مع ظهور الحياة العلمانية زاد من تراجيديا التفكير في الحيوات المتخيلة. كان فرويد ينظر إلى الحياة باعتبارها سعيًا إلى اللذة وهربًا من الألم، حيث ذهب خطوة أبعد من داروين، فبدلًا من أن يسأل «كيف أبقى على قيد الحياة؟» فإنه يسأل «ما الذي يجعل حياتي تستحق أن تُعاش؟».

يرى فيليبس أن الحيوات المتخيلة التي تصاحب حياتنا الفعلية تلعب دورًا كبيرًا في الإجابة عن سؤال فرويد. فنحن نطيق الحياة الفعلية ونحتملها ونستمتع بها عن طريق تصورها كما يحتمل أن تكون. فالحياة المتخيلة تُساعدنا على تقريب الفجوة بين الرغبة والإشباع، ومن ثم يغدو التفكير في هذه الحيوات علاجًا ذاتيًّا.

إن حيواتنا المتخيلة هي جزء لا يتجزأ من النسيج الكلي لهذه الحياة، وما نتخذه من إجراءات عملية ومواقف وتحركات إنما يستند في كثير من الأحيان على هذه التصورات الشاملة للحياة بوصفها ما عشناه وما نتمنى عيشه معًا. إن ما يحاول فيليبس أن يفعله هو استثمار فكرة الحيوات المتخيلة كمساحة نفسية في الإجابة عن سؤال فرويد فيما يتعلق بما يجعل حياتنا تستحق العيش.

حيث يسعى فيليبس إلى إثراء طرق تفكيرنا في الحيوات التي لم نعشها، وإيجاد بدائل للتفكير في هذه الحيوات، فلا يقتصر نظرنا إليها على أنها مجرد فرص ضائعة أو مساعٍ مستحيلة تُولِّد بداخلنا مشاعر الندم والإحباط واليأس، وإنما تصبح هذه الحيوات وما يتولد عنها من مشاعر وسائل لإشباع الرغبة بداخلنا، ومصادر للإلهام، وبواعث على الرضا. يساعدنا فيليبس على تجاوز النظر إلى التناقض بين حياتنا الفعلية وحيواتنا المتخيلة باعتباره انقسامًا إلى فهمه بوصفه تعبيرًا عن تكاملنا النفسي.

وبمجرد أن ينتهي القارئ من مقدمة الكتاب، يجد أن فيليبس، على غير المتوقع، لا ينشد البحث عن آثار الحيوات المتخيلة في الواقع، وإنما يركز اهتمامه بالأساس على آليات نشوء هذا النوع من الخيال وكيفية تشكُّله أركيولوجيًا داخل النفس، إذا جاز التعبير. وينبني هيكل الكتاب على هذه العناصر النفسية: «الإحباط»، و«ما لا يُدرك»، و«ما يُفلت به»، و«الهروب»، و«الإشباع والرضا»، والتي يستخدمها فيليبس من أجل رسم معالم موضوعه مستعينًا بمادة الأدب من أجل بناء نماذج مفهومة، لا سيما مسرح شكسبير.

على سبيل المثال؛ عندما يتناول فيليبس شعور الإحباط الناجم عن الفجوة بين حيواتنا المتخيلة وحياتنا الفعلية والذي يعتبره مدخلنا النفسي إلى الحقيقة، فإنه يعزز هذا الفهم بدراما الملك لير، التي توضح معاناته من وهمٍ كلي ناجم عن اعتقاده بأنه يعرف بالضبط ما سيجعله سعيدًا. ويظهر هذا الوهم عندما يوزع لير إرث مملكته بين بناته الثلاث، كلٌ وفق حبهن له، ويظن أول الأمر أن ابنتيه الأكبر سنًّا، غونرييل وريجاند، تحبانه أكثر من ابنته الأصغر كورديليا، نظرًا لمدحهن الدائم له.

ويغيب عنه غرضهن الاستغلالي من وراء هذا المدح. إن رفض كورديليا مدح لير تسبب في إحباط رغباته، واستبعدها من الميراث. ويعتقد فيليبس أن إحباط الناس لنا هو ما يجعلهم حقيقيين في أعيننا. فعندما نواجه شخصًا لا يتصرف بالطريقة التي نتوقعها منه، فإننا نضطر إلى التعامل معه على أنه شخص حقيقي، وليس مجرد صورة أو خيال ذهني. بهذه الطريقة يستفيق لير من سباته العميق أو حياته المتخيلة ليبصر حياته الفعلية من خلال الإحباط، فيدرك أن كورديليا هي الوحيدة من بين بناته التي تحبه حقًّا.

يقترح فيليبس علينا التخفُّف من المنظور الفني لحيواتنا المتخيلة لصالح المنظور التواصلي الواقعي، وهو المنظور الذي نسعى فيه إلى توطيد علاقاتنا الإنسانية، فليس الغرض من القراءة على سبيل المثال التأمل البسيط الذي يقود إلى تغذية حيواتنا المتخيلة في عزلتها، وإنما الغرض أن تكون ساحة لتدريب القراء يمكن أن يتعلموا فيها طرقًا جديدة للتواصل بعضهم مع بعض ومع العالم. بهذه الطريقة يقترح فيليبس تحولًا في تركيز الانتباه؛ بالابتعاد عن النزعة الفنية والاقتراب من القوة التواصلية للإنسان. وبالتالي فهو يدعو القراء للانخراط في عمله لا بوصفهم متلقين سلبيين، وإنما باعتبارهم مشاركين نشطين في بناء عالم أفضل من خلال علاقات أقوى. وتتوافق هذه الفكرة مع ممارسات العلاج النفسي، وتفتح الباب أمام توسعة مجال هذه الممارسات.

يدعو فيليبس أيضًا إلى تجنُّب تغليب محاولة الفهم أثناء العيش، «فالفهم ليس دائمًا أفضل ما يمكن أن نفعله لإشباع الحاجة»، إذ يمكن أن يكون الفهم (بوصفه حياة متخيلة) في بعض الأحيان إلهاءً عن شيء أكثر قيمة أو متعة. وبناء عليه، فالسير على نهج فرويد لا يتطلب منا زيادة في معرفة الذات بقدر ما يتطلب معرفة لحدودها، لذلك يقول فيليبس «إن أفضل قراءة لعمل فرويد هي بوصفه مرثاة طويلة لقابلية حياتنا للفهم. إننا نفهم حياتنا حتى تكون لدينا حرية ألا نضطر لفهمها».

لذلك يدعونا فيليبس إلى الانفتاح على التناقضات والتخلي عن محاولات الحصول على إجابات واضحة. لقد اعتدنا البحث عن حلول واضحة ومباشرة، لكننا نغفل تمامًا أن ثمة متعة في «عدم الفهم» تشبه متعة الطفل حين تجذبه أصوات الكبار دون أن يفهمها. علينا إذن أن نتدرب على تعلُّم التعامل مع الآخرين ورغباتنا بشكل مختلف، بحيث لا نتمسك بالإجابات كلها، وأن نضيق وجهة الفهم ونحددها، بحيث لا نُبتلع في حيواتنا المتخيلة فننسحب من الواقع كليًّا.

هذا يعني أن سعادتنا الحقيقية لا تأتي من تحقيق كامل أمنياتنا وأحلامنا وخيالاتنا، وإنما بفهم هذه الأمنيات والأحلام والخيالات بوصفها جزءًا من نسيج الواقع نفسه. فنجد أن فيليبس يقدم مثلًا نهجًا جديدًا للتعامل مع الإحباط، فبدلاً من محاولة تجنبه أو السعي إلى تحقيق رغباتنا بكل ثمن، يرى فيليبس أن الإحباط يمكن أن يكون بمثابة قوة دافعة تساعدنا على التخلص من أوهامنا والتعامل مع الواقع كما هو. وهنا يتحول الإحباط إلى فرصة للتأمل في رغباتنا وأحلامنا ومعرفة ما إذا كانت واقعية أم لا. هكذا يمكن من خلال التعامل مع الإحباط بطريقة صحية أن نبني حياة أصيلة نشعر تجاهها بالرضا الحقيقي.

يرى فيليبس أن المسرح يوفر منصة فريدة لتجسيد حيواتنا المتخيلة حتى في أشد حالاتها تطرفًا، والتي قد تتمثل في الموت أو الجنون. ففي التمثيل والمسرح، تسقط قيود الواقع، ويتحدث المرء بحرية ودون قيود. هذا يختلف عن الحياة الواقعية. في التمثيل والمسرح، يتواطأ الجميع؛ ممثلون وجماهير على تصديق العوالم المتخيلة، ويُمنح الكل فرصة للتواصل مع عالم العجب والموت والجنون. فعلى سبيل المثال؛ يموت الناس على خشبة المسرح دون أن يفارقوا الحياة فعليًّا، بل يمكنهم الانتقال إلى آخرة دانتي المستعرة أو جنات عدن، ثم العودة إلى منازلهم بعد انتهاء العرض. هكذا يسمح المسرح لحيواتنا المتخيلة بالظهور دون الواقع بتحولها إلى هوس أو عصاب جماعي.

اقرأ أيضًا: “الأفق الأعلى” الموت مدخلًا لفهم الحياة.

تأملات نقدية

يمكن القول إن كل ما سبق هو استعراض لأبرز ما جاء في محطات الكتاب. والآن يمكننا أن نخطو إلى الوراء قليلًا من أجل إفساح الطريق أمام النقد. لا يتسم هذا الكتاب في العموم بسهولة الفهم، إذ يكتنف الغموض كثيرًا من مواضعه، ربما يعود ذلك إلى طريقة فيليبس الأدبية في تناول الموضوعات النفسية، وهذا يُضعف من البنية المنطقية للحجج التي يحاول فيليبس إقناع القارئ بها. 

فعندما يشير إلى أن عدم الفهم ليس شيئًا سلبيًّا بالضرورة، بل قد يكون أمرًا مرغوبًا، وهو محق في ذلك بكل تأكيد، فإنه يسعى إلى إثبات ذلك باستخدام طرقًا شبيهة بتلك التي يدعو إلى تجنبها، ويتكرر ذلك في مواضع عدة من الكتاب. ومن الأمثلة على ذلك دعوته المحلل النفسي بالفنان الحداثي، الذي يتكلم عما يقوله المريض، وليس عما يعنيه، وهي الدعوة التي يدعونا في موقع آخر من الكتاب إلى تجنبها بتحويل وجهتنا في فهم عوالمنا المتخيلة من الإطار الفني إلى الإطار التواصلي الواقعي.

يرتكن فيليبس أيضًا في شرحه لنظريته إلى حالات نموذجية (مسرحية)، ما يجعله يوظف المنطق لبناء حججه، بدلًا من أن يوظف الحجج نفسها في خدمة المنطق، لذلك يبدو القفز من فكرة إلى أخرى أسهل بمجرد اكتمال الصورة المنطقية للحجة، في حين أن كثيرًا من أفكار الكتاب لا تحظى بالدعم المنطقي والتجريبي الكافي، بل تقاوم عن عمد هذا الدعم. ورغم أن الكتاب يقدم نفسه باعتباره استكمالًا عمليًّا للمشروع الفرويدي في مساحة نفسية خصبة، إلا أنه في حقيقة الأمر أقرب إلى التأملات النفسية التي تداعب المزاج ما بعد الحداثي، من حيث انسجام غموض العمل وتشظيه والتباسه، مع دعوة الكاتب إلى حالة عدم اليقين التي يقترح علينا أن نطمح إليها.

ما أعجبنا
  • لغة شاعرية وترجمة أمينة لإيقاع النصّ.
  • ربط رشيق بين الفلسفة والسِّيَر الشخصية.
  • فصول قصيرة تصلح للقراءة المتقطّعة.
ملاحظات
  • تكرار بعض الأفكار في الثلث الأخير.
  • يفترض إلماماً مسبقاً ببعض الأسماء الفلسفية.

تقييم سماوي بالتفصيل

الأسلوب واللغة4.5
الفكرة والعمق4.2
جودة الترجمة4.3
متعة القراءة3.8