سماوي Samawy Blog
الرئيسيةحواراتمروان أحمد
حوار العدد

الكتابة فعل تحرير وتأمل: حوار مع الأستاذةِ نورا ناجي

حديثنا اليوم مع نورا ناجي عن «الكتابة» وما فعلته بها وتفعله، نأمل أن نخرج من هذا الحديث بما يُساعدنا في فهم فعل الكتابة والقراءة معًا، أو أن نقف على شيء من حقيقتها…

أجرت الحوار: مروان أحمد · 15 March 2026 · 7 دقائق قراءة
مروان أحمد

حديثنا اليوم مع نورا ناجي عن «الكتابة» وما فعلته بها وتفعله، نأمل أن نخرج من هذا الحديث بما يُساعدنا في فهم فعل الكتابة والقراءة معًا، أو أن نقف على شيء من حقيقتها…

إنَّ فعل الكتابة مصحوبٌ دومًا بحالة من اختلاط المشاعر، فللوهلة الأولى يشعر «الكاتب» بأنَّه قد أمسك الريح بيديه، ويُخيَّل له أنَّه يقف خطيبًا في جمع من القُرَّاء، يجد صوته مُستساغًا وجاذبًا ومفهومًا، إلى أن يصطدم بصوت نفسه يتردد في غرفته. أما «القارئ»؛ فيرتاب غالبًا من الكِتاب والكُتَّاب الجُدد، فلعلَّ اللجوء إلى رواية قد ذاع صيتها أمر سهل وآمن، فالتسليم لقلم جديد يحتاج إلى شجاعة وثقة.

وهذا ما تمتلكه الكاتبة «نورا ناجي»؛ الشجاعة والثقة، فهي تنطلق في كتاباتها من نفسها، تحديدًا من أعماق نفسها، من تجربة ذاتية، أصبغت قلمها بروح جديدة، تسربت سريعًا إلى ذهن القُرَّاء فشغلته، واعتلت رفوف المكتبات فزينتها.

حديثنا اليوم مع نورا ناجي عن «الكتابة» وما فعلته بها وتفعله، نأمل أن نخرج من هذا الحديث بما يُساعدنا في فهم فعل الكتابة والقراءة معًا، أو أن نقف على شيء من حقيقتها وتأثيرها وسحرها، وعن مشروعاتها الأدبية الجديدة، وطقوسها في الكتابة وشغفها المتجدد بها.

و«نورا ناجي» كاتبة مصرية، نشأت في مدينة طنطا، تُحبها، ومنها تستلهم حروف رواياتها وقصصها، وفيها تُمارس طقوسها الخاصة بالكتابة والقراءة والتأمل في الزمن والمستقبل وما يفعلانه بالإنسان.

صدر لنورا العديد من الروايات والقصص القصيرة مثل «الكاتبات والوحدة»، و«أطياف كاميليا»، و«مثل الأفلام الساذجة»، و«بنات الباشا»، و«الجدار»، و«سنوات الجري في المكان»، تكتب المقالات، وتعشق الحديث عن النفس الإنسانية والإجابة عن أسئلتها المستمرة عبر شخصيات رواياتها وقصصها.

تتمتع نورا بأسلوب حكي خاص، يظهر جليًا في رواياتها وقصصها القصيرة، وحتى في مقالاتها، فالكتابة بالنسبة إليها فعل شديد الخصوصية؛ أو كما يقولون “تكتب كما تتحدث، وتتحدث كما تكتب”.

تدرس نورا الفلسفة، وتُدرِّب الكُتَّاب الجُدد على تقنيات الكِتابة والسرد، حصلت على جائزة الدولة التشجيعية في دورتها التاسعة والستين عام 2023م، في فرع الآداب، عن مجموعتها القصصية «مثل الأفلام الساذجة»، الصادرة عن دار الشروق.

دعونا نتعرف أكثر على الكاتبة المصرية «نورا ناجي» عبر صفحات منصة «اطبع» التي نحاول من خلالها فتح نوافذ جديدة على الأدب والكتابة والقراءة والنقد وما ينتُج عنهم، لنكتشف سويًا ما يجعلنا نُمارس هذه الفنون كلَّها بشكل أفضل.

تعرَّف إلى: أهم 8 كتب تجمع بين الأدب والفلسفة

بداية نُبارك لك جائزة الدولة التشجيعية، تستحقين كلَّ تقدير، كيف كان وقع فوزك بجائزة الدولة التشجيعية عليكِ؟ خاصة بعد عدد من الكتابات التي وجدت مكانًا في وجدان جمهور القراء، مثل: رواية «سنوات الجري في المكان».

سعدت جدًا بالتأكيد، هذا تقدير كبير من بلدي، ومن وزارة الثقافة المصرية، ومن لجنة موقرة عظيمة. إنَّها الجائزة الأدبية الأكبر في مصر، وهذا يزيدني فخرًا. كما سعدت بسعادة أهلي ومعارفي، وفخر أبناء مدينتي طنطا بي.

حديثنا اليوم عن الكتابة، باعتبارها تجربة شعورية ذاتية وخاصة جدًا؛ ربما تبدأ بفعل منبعه النفس، أو ربما تكون ردَّ فعل عن حدث معين تأثر به الكاتب؛ هل يُمكن اعتبار الكتابة علاجًا لما يمرُّ به الكاتب من مشكلات أو صعوبات؟

أعتقد ذلك، لا أريد التحدث عن التعافي بالكتابة، لأنَّ الأمر قُتل بحثًا ونقاشًا، سأقول: إنَّ الكتابة تُسعدني، وتمنحني نشوة العيش، أتخفف من ثقل الحياة وأشعر أنَّني قادرة على الطيران بعد الانتهاء من النص، هذا التخفف من هموم الجسد، من الثقل الذي يربطك بالأرض، يشبه التأمل واليوغا. علاج روحاني.

هناك العديد من الروائيين والمؤلفين الذين أثَّرت الكتابة فيهم، كما أثَّروا فيها؛ كيف تؤثر الكتابة في سلوك الكاتب الإنساني؛ خاصة فيما يتعلق بشخصيات الروايات أو القصص؟

أثق أنَّ الطبيعة تقلِّد الفنان، وكنت أعتقد أنَّ الفنان يجب أن يكون مرهفًا يحمل هم العالم ولا يرتكب الآثام، لكن هذه محض أوهام، كنت حالمة. سلوك الكاتب قد يتأثر بكتاباته وقد لا يتأثر، الأمر يتوقف على صفاء الروح ودرجة الرهافة. ففي بعض الأوقات، يكون الكاتب مجرد صانع محترف، لا يضع “روحه” في أعماله.

هل للكتابة ثمن، يدفعه الكاتب والقارئ؟

يدفع الكاتب ثمن الكتابة من روحه، ووقته، وتقصيره تجاه عائلته، وشروده، واعتلال صحته، وتأثره الكبير بكلِّ ما يحدث، يمرض الكاتب كمدًا، ويعاني وكأنَّه يلد ألف مرة، إنَّها عملية ذهنية مرهقة، تبتلع الحياة، وتلغي الكثير من المتع وتنهي الكثير من العلاقات. أما القارئ، فربما تمس الرواية أو القصة- أو أي كتاب- شيئًا من روحه، يكشف له ما كان خفيًا، فتطفو الحقيقة على السطح، قد يكون هذا مؤلمًا في أحيان كثيرة.

هل من الممكن أن تتحول الكتابة إلى سجن للكاتب؟ لخوفه من التعبير عن آرائه أو الخوف من تقبل جمهوره النصَّ.

نعم، لكن الكاتب السيئ فقط. على الكاتب أن يكون أنانيًا، وأن يكتب كما يرى ويشعر ويفكر، وليس طبقًا لما يريده القارئ. يمكن للقارئ أن يكتب لنفسه إن كان يود أدبًا مفصلًا على قياس أمانيه.

هناك سؤال تقليدي، أسأله لأي كاتب أو كاتبة يسمح لي القدر بمحاورته؛ كيف تكتبين؟ أقصد – هنا- الطقوس، أي كيف تندفع الحروف من بين يديك؟

كلُّ مشروع يأتي بطقوسه. أحيانًا، أحتاج إلى هدوء تام فأعمل ليلًا. وأحيانًا، أحب الصخب فأكتب نهارًا أو في مقهى مزدحم. وأحيانًا، أحب الكتابة وسط الناس، لا شيء ثابت، لا أحب تناول شيء أو سماع موسيقى أثناء الكتابة.

الجري في المكان؛ هل نحن أمام تجربة جيل الثمانينيات بما تحمله من تحديات وصعاب جعلته يتقدم في العمر، ولا يتحرك من مكانه؟

نعم. تجربة جيل كامل عانى من خيبات متتالية، وانهزامات كثيرة، وشعور عارم بالانتصار، ولو لم يستمر. لكنه منحه شيئًا كبيرًا، أكبر من أن يُفسَّر. ربما هذا التناقض، هذا الانسحاب للحلم والتراجع نحو الخلف أثناء التقدم للأمام هو ما يلخص الرواية، إنَّه الثبات في المكان أو الجري في المكان الذي نمارسه كلُّنا منذ عشر سنوات.

باعتبارك مُدربة مهتمة بنقل تجربتك في الكتابة لأجيال أصغر؛ هل الموهبة تقل من جيل إلى جيل؟ أم أنَّ هناك دائمًا أقلامًا مبدعة؟

هناك دائمًا مواهب كبيرة، لكن المشكلة في رأيي أنَّ هذا الجيل مسكين، العالم يلهث من حوله، وهو يلهث في قلب العالم، الثقافات سماعية وبصرية، والحياة تؤخذ من على السطح، الكاتب الشاب في تحدٍّ كبيرٍ وصعب، كيف سينحت وسط كل هذا الصخب والألوان والموسيقى والحركة والزحام والخوارزميات والذكاء الاصطناعي والأفكار الكثيرة المكررة شيئًا جديدًا ومبتكرًا؟

لا يفوتك: الطباعة عند الطلب: ثورة في عالم الكتب

رأينا كثيرًا ممن درسوا الفلسفة أصبحوا أدباء؛ هل للفلسفة تأثير في الخيال والإبداع؟

طبعًا، الفلسفة تُعنى بكلِّ شيء، وهي علم الأفكار، أعتقد أنَّها تجعلك ترى العالم بطريقة مختلفة، أنقى أو أكثر تركيزًا. كما أنَّها تعلِّمك التساؤل المستمر، الأسئلة هي خالقة الإبداع.

مارست الكتابة سنوات. ومن المؤكد، لديك ما تقولينه لمن يتلمَّس خطواته الأولى في هذا الطريق؛ ما هي نصائحك لمن يبدأ طريق الكتابة؟

أن يقرأ كثيرًا، ألا يتسرع طلبًا للنجاح والشهرة، الكتابة هدف أسمى، وهي ما تمنحه كينونته وهويته، عليه بتشكيلها جيدًا بصبر ودقة. أيضًا ألا يتوقف عن التعلُّم، أن يمتلك الشجاعة للتعبير عن مواقفه في كلِّ شيء، أن يكتب عندما يملك ما يريد قوله، أن يدرك أنَّ ما يكتبه سيظلُّ باقيًا بعد رحيله.

هل الكتابة فعل أم رد فعل؟ بمعنى آخر: هل الكتابة نتيجة لما تفعله بنا الحياة، أم أنَّها حركة لها انعكاساتها على الكاتب والجمهور؟

الاثنان بكلِّ تأكيد، الفن يتأثر بالطبيعة ويؤثر فيها، يبدأ من الحياة ثم يغيرها.

باعتبارك تكتبين النوعين الأدبيين؛ ما الفرق بين الرواية والقصة القصيرة وجدانيًا عند نورا ناجي؟

الحقيقة لا شيء، المشاعر والطاقة والأفكار التي أستهلكها في كتابة القصة تقارب ما أستهلكه في كتابة الرواية، أفضِّل الرواية لأسباب تتعلق بشغفي بالسرد والتجريب والتفاصيل الكثيرة، القصة أيضًا تسمح بذلك، لكن بشكل مكثف. والعبرة عندي بالنص، أحيانًا يتطلب النص أن يكون رواية أو قصة أو مقالًا أو خاطرة، أنا أتبع نصوصي.

رأينا في السنوات الماضية توجهًا غالبًا ناحية كتابة القصة، بعضهم يراه «استسهالًا»، بينما يراه آخرون متماشيًا مع السرعة التي أصبحت عليها وتيرة الحياة اليومية؛ هل نحن في عصر القصة القصيرة؟ أقصد هل تسارع الأحداث يجبر القارئ على الانجذاب للقصة التي تنتهي أحداثها سريعًا وبشخصيات أقل، عكس الرواية؟

لا أحبُّ تصنيف العصر بعصر الرواية أو عصر القصة. كلُّ نوع له جمهوره، وأنا أحب قراءة النوعين. كلُّ شيء طبقًا للمزاج والوقت وعوامل أخرى. أحب قراءة رواية، ثم مجموعة قصصية، ثم كتاب، التنويع مطلوب.

هلا حدثتِنا عن مشاريعك الأدبية القادمة؟

أفكر في أكثر من مشروع. وعادة، أستغرق وقتًا طويلًا في البحث والاستعداد قبل الكتابة الفعلية، لكني أود استكمال مشروعي، الكتابة عن الإنسان والزمن والتغيرات التي تحدث حولنا دون أن نشعر، هل الزمن هو حاضر فقط بلا ماض ولا مستقبل؟

هناك جدل متجدد حول الجوائز الأدبية واستحقاق من يفوزون بها؛ ما رأيك في منطق الجوائز عامة وكيف تؤثر في مسيرة الكاتب؟

الجوائز تهم الكاتب أولًا لقيمتها المادية بكلِّ صراحة، الكاتب العربي يحتاج إلى مصادر للدخل ليتمكَّن من استكمال الكتابة، والجوائز تمنحه ذلك. كما تمنحه التقدير لكن في المرتبة الثانية. الاحتفال بالكاتب يثلج صدره ويشعره بأنَّه أنجز شيئًا عظيمًا. والكتابة فعل علني، يستحق التقدير العلني. لكن في الوقت نفسه، أكره ما تثيره الجوائز من تنافسية قاسية وكراهية خفية بين من يُفترض أنَّهم فنانون ومثقفون. أتمنى ألا يحمِّل أحد الجائزة أكبر مما هي عليه، تربيتة على الظهر ودعم مادي يكفي لكتابة عمل آخر.

م
مروان أحمد
ضيف الحوار