في هذا الحوار الشيق مع هدى نجيب محفوظ، نتعرف على جوانب من حياة والدها نجيب محفوظ، مذكراته المكتشفة، وتحدياتها في نشر أعماله الأدبية، وردودها على الشائعات والاتهامات التي أحاطت بحياته ومسيرته الأدبية.
إنَّ للحديث عن صاحب نوبل للآداب سحرًا لا مفرَّ من الوقوع فيه، فمن قرأ نجيب محفوظ لا بدَّ من أن يسقط في سحر إبداعه، ويتشابك مع تفسيرات وتأويلات لا تنتهي، فرواياته وقصصه تكتسب بُعدًا فلسفيًا لا يمكن إنكاره أو تجاوزه.
ولد نجيب محفوظ في 11 كانون الأول/ديسمبر عام 1911 في حي الجمالية. في هذه المنطقة وما يجاورها، ستجري أحداث كثيرٍ من رواياته. درس الفلسفة في الجامعة المصرية، وتخرج فيها ليعمل في وزارة الثقافة، وظلَّ موظفًا ملتزمًا حتى تقاعده، أثرى نجيب محفوظ المكتبة العربية والعالمية بعدد من الأعمال التي خلدت في وجداننا، ومن أعماله الروائية: «الثلاثية» و«الحرافيش» و«اللص والكلاب»، و«أولاد حارتنا»، و«الحب تحت المطر». ومن المجموعات القصصية: «همس الجنون»، و«بيت سيئ السمعة». بالإضافة إلى كتابة سيناريو العديد من الأفلام والمسلسلات.
أثارت روايته «أولاد حارتنا» ضجة غير عادية في أوساط حمَّلت الرواية أكثر مما تحتمل، فاتُّهم محفوظ بالكفر والإلحاد وأُبيح دمه، وهو ما أدى إلى محاولة اغتياله عام 1995، والتي نجا منها، لكنها أفقدته القدرة على الكتابة إلى حدٍّ بعيد.
توفي نجيب محفوظ عام 2006، لكن ظلَّ ذلك العربي الوحيد الذي نال جائزة نوبل في الأدب محط اهتمام الكتَّاب والقرَّاء، وموضع منافسة دور النشر للفوز بحقوق طباعة كتبه ونشرها إلكترونيًا.
الحوار فكرة
تواصلتُ أول مرة مع الأستاذة «هدى محفوظ» -كما تُحب أن تسمي نفسها- منذ حوالي عشر سنوات؛ أبهرتني بساطتها، وحُسن استقبالها، فتبادر إلى ذهني أن أسألها: “كيف لابنة نجيب محفوظ أن تكون بهذه البساطة؟” فكان ردها: “ولمَ لا؟! أنا إنسانة، ووالدي كان أبسط مني”.
في هذا الحوار، لم نسعَ للحديث كثيرًا عن الأستاذ «نجيب محفوظ» فلطالما تحدث الأستاذ عن نفسه، ولا سيما مع الأستاذ رجاء النقاش، فضلًا عن لقاءاته التلفزيونية، وذلك قبل أن تمنعه الإضاءة الشديدة منها. لذا، حرصتُ أن يكون الحديث عن تجربة الأستاذة هدى في الوسط الأدبي، وذكرياتها، ومذكراتها، وكانت ردودها على تساؤلاتي بأقل الكلمات وأبسطها وأدقها.
لقد أعلنتِ عن اكتشاف مذكراتٍ بخط يد الأستاذ نجيب محفوظ، وكان هناك مشروع لنشر هذه المذكرات، فأين وصل؟
للأسف، حتى الآن لم أجد ناشرًا مناسبًا لنشر هذه المذكرات. (أخبرتنا الأستاذة هدى لاحقًا أن الأسرة اتفقت مع أحد الناشرين العرب لنشر المذكرات).
لقد قلتِ سابقًا: “حينما اطلعتِ على اليوميات وجدتِ فيها شَطْبًا لبعض الفقرات والأحداث، فهل كان الشطب في النسخة الأصلية للمذكرات، أم في صورة منها، ولماذا؟
نعم. شطبتُ على بعض التفاصيل في المذكرات الأصلية، إذ ليست المذكرات جزءًا من أدب نجيب محفوظ، بل هي حياته الخاصة، وما شطبتُه هو محاولة انتحار ابن أخته، وبعض قصص الحب الكثيرة في مرحلة شبابه؛ وسبق أن تحدث هو عن بعضها. لكنه كتب كلَّ شيء عنها في مذكراته، ولا أعرف إن كان يفضل أن يقرأها الناس أم لا؟ إنَّها ليست بالشيء المشين، لكنها شيء خاص لا أحبِّذ اطلاع الآخرين عليه.
إذن، أين العائلة في مذكرات الأستاذ؟
لم يتحدث والدي عنَّا كثيرًا في مذكراته، إذ تحدث مرتين أو ثلاث مرات، فمثلًا كتب عن حادثة استقالتي من العمل قبل المصيف، على الرَّغم من أنَّه نصحني ألا أترك العمل قبل أن أجد عملًا آخر. فكتب يقول: «يظهر أنَّ تأثيري فيها لم يعد كما كان من قبل، ويبدو أنَّها عايزة تصيف»، أما عن الزواج فقد كتب «لقد ابتدأتُ حياة مختلفة غريبة بالنسبة لي»، وربما يعود هذا إلى زواجه في سن متأخرة، فقد كان قد تجاوز الأربعين من عمره.
لم يكن لكم حضور في مذكراته إذن، ولا أيضًا في المشهد الثقافي المصري إلا بعد نوبل؛ فلماذا؟
حينما كان والدي يتحدث عنَّا في الصحف، كانت والدتي تطلب منه عدم فعل ذلك، فنحن لم نكن نحب هذا الأمر، بل لم نعلن أنَّنا أبناء نجيب محفوظ، ولم نكن نذكر أسماءنا كاملة؛ كانت ماما تقول: “مدام محفوظ”، ونحن كنَّا نقول: “هدى محفوظ”، و”فاتن محفوظ”، ولم يعرفنا الناس إلا من خلال الأستاذ “محمد سلماوي”. في النهاية، أنا أحب من يحترمني أو يعرفني لشخصي، وليس لأنَّني ابنة نجيب محفوظ.
هل أفهم من ذلك أنَّ عدم ظهوركم في الساحة الأدبية كان بقرار عائلي؟
نعم. ولم نخرج إلا بعد فوز والدي بجائزة نوبل، حيث ظهرت ماما مرة على التلفاز وفي حديثين صحفيين فقط.
كتب عدد من أبناء الأدباء مذكراتهم مثل مؤنس طه حسين، وحسن أحمد أمين، وحسين أحمد شوقي. فأين مذكرات ابنة نجيب محفوظ؟
لقد تحدث والدي عن نفسه كثيرًا في حواراته الصحفية مع رجاء النقاش، ولقاءاته في التلفزيون المصري. وحاليًا، أكتب مذكراتي، لا لأنافس بها أحدًا، لكن أريد أن أردَّ على بعض الشائعات التي خرجت بعد وفاته، لأرفع الظلم عنه.
إنَّ فكرة المذكرات هي فكرة أختي، وهي تجيد الكتابة أكثر مني، وكانت متحمسة لذلك، ومهتمةً بالتفاصيل، وكان يمكنها أن تكتب مذكرات جيدة، وحينما أردت أن أكتب بعد أن أقنعوني بالكتابة، لم أجد حتى الآن من يساعدني.
ما هي تلك الاتهامات التي تزعجك؟
للأسف نُشر عددٌ من المغالطات التي صدَّقها بعض الناس، أبرزها ما قيل عن ارتباطنا بجماعة الإخوان المسلمين؛ وذلك بهدف تنفير الوسط الثقافي والإعلامي والفني منَّا وإبعادهم عن التواصل معنا. ولم نعلم ذلك إلا فيما بعد.
ومن منعكم من الردِّ إذن؟
حينما أرسلنا الردَّ على الاتهامات، لم يُنشر ردنا، وخرجتُ مرتين في التلفاز للردِّ على هذه المغالطات، لكنهم طلبوا مني عدم ذكر الأسماء.
متى تظهر مذكراتك؟
في الحقيقة، حاولت التعاون مع عددٍ من الأشخاص لنشر المذكرات، لكن للأسف كانت اختياراتي في هذا الأمر غير موفقة إلى حدٍّ بعيد، فأول شخص خطف عملي. أما الثاني، ففي أثناء مناقشة التعاقد طلب أن يكون الكتابُ باسمه. أما الثالث، فقد اعتقد أنَّه شريكي في الكتاب على الرَّغم من وجود عقد بيني وبينه. وأخيرًا، عرض عليَّ شخصٌ آخر أن نبدأ العمل ويكون النشر في جريدة الشرق الأوسط، لكنه اشترط عدم النشر إلا بعد حلِّ القضية الفلسطينية. وفي الحقيقة تعبت، إذ يبدو أنَّهم يرونني ساذجة، لكن ربما لا يريد ربُّنا للمذكرات أن تخرج الآن.
يريد الكلُّ أن يكون الكتاب باسمه، وبسبب خوفي من الانتحال أعلنت عن هذا الأمر. ويبدو أنَّ الكثير في مصر لا يعرفون معنى كاتب الظل أو الـ«Ghost Writer» على الرغم من انتشار هذا المصطلح في السعودية وغيرها، وهو شخص يصيغ الكتاب بمقابلات مع صاحبه ويحصل على مقابل مادي دون نشر اسمه أو الإشارة إليه. لكن حتى الآن لم أجد من يساعدني.
لا يفوتك: الكتابة الشبحية اليوم بين التشجيع والهجوم
ماذا تبقى لديكم من أوراق نجيب محفوظ؟
أوراق نجيب محفوظ في ثلاث كرتونات كبيرة، أسعى الآن إلى فرزها، وما أستطيع أن أحدده حتى الآن هو:
- كراس عن ملاحظات في كتابة فن السيناريو.
- كراس أبيات من الشعر.
- كراس في أفكاره عن الصوفية.
- سيناريو فيلم صلاح الدين.
أحب نشر تراث والدي، وأي باحث يتواصل معي من أجل الحصول على المعلومات أو بعض الأوراق ليستعين بها في دراسة أو بحث أساعده فورًا ودون أي مقابل، ومنهم أستاذة للأدب تدرس في فرنسا حصلت على بعض الأوراق، وحينما عرضت عليَّ الحصول على مقابلٍ رفضت، ومثلُ ذلك كلُّ ما قدمته للأستاذ ” محمد شعير”.
وماذا عن السيناريو الذي لم يُنشر من قبل؟
هو سيناريو خاص بعملٍ لفريد شوقي، حيث تقاضى والدي عربونًا عن السيناريو، ويبدو أنَّ فريد شوقي صرف النظر عن العمل، حيث إن أحد النقاد استهجن أن يُمثل فريد شوقي دورَ صلاح الدين. وقد عُرض من قبل على مؤسسة هنداوي لكنهم رأوا فيه عملًا سينمائيًا أكثر مما هو عمل روائي، كما عرضت شركةُ إنتاجٍ شراء العمل، لكن للأسف كنت وقتها أرتب الأوراق ولم يكن جاهزًا، وهو ما حال دون الاتفاق.
وماذا عن تمثيل قصة حياة الأستاذ نجيب على الشاشة؟ كانت هناك تجربتان للأستاذ أحمد مراد والأستاذ عبد الرحيم كمال.
طلبت منِّي إحدى الصحفيات أن يكتب أحمد مراد السيناريو فلم أمانع ولم أقترح. أما عن عبد الرحيم كمال، فقد زارنا هو وأحمد حلمي قبل عام 2014، وعرض علينا الأمر، ورحَّبنا به، لكنه اختفى بعد ذلك، ثم عاد واتصل بي ليسألني عن حقوق أحد أعمال والدي، فلما سألته عن سيناريو سيرة والدي لم يجب، وفوجئت به بعد ذلك يتحدث أمام الإعلام عن سيناريو قصة نجيب محفوظ، فهل كانت السيرة الذاتية ستُكتب دون علمنا؟! أنكرت حدوث أي اتفاق على الأمر، ثم تواصلت معه وأخبرته أنه لم يتفق معي ولم يستكمل الأمر.
هل هذه هي أول محاولة لكتابة سيرة الأستاذ؟
لا، ففي أثناء حياة والدي طلب منه أحمد زكي أن يؤدي قصة حياته لكنه رفض، منعًا لإزعاج بعض الأقارب، فقد كان والدي يحكي تفاصيل حياته بالأسماء كما حدث مع رجاء النقاش. فقد ذكر حادثة استيلاء أبناء أخته على بعض مقتنياته، فكتبها الأستاذ رجاء في فصل بعنوان سرقة عائلية؛ حيث استُولي على حوالي ثلاثين أو أربعين قصة فرعونية لم تُنشر، كتبها والدي في أوائل حياته، وصور شخصية، وجواز السفر، وكراسٍ لمشروع بحثي، إذ كان والدي يريد استكمال الدراسات العليا في الفلسفة قبل أن يتجه للكتابة. أثار ذلك حفيظة الأقارب وقاضوا رجاء النقاش والأهرام، وبالطبع لم يقاضوا خالهم نجيب محفوظ، وهو ما تسبب في حذف الفصل المذكور. وكان مما بيع مذكرات الطفولة التي استطاع الأستاذ شعير الحصول عليها وعمل عنها كتابًا.
كيف خرجت هذه المقتنيات؟
كانت مكتبة والدي وأوراقه في غرفته قبل زواجه، في 9 ش رضوان شكري في العباسية، حيث كان يقيم مع أخته، وتركها بعد زواجه، وحينما توفيت الأخت حصل أحد أبناء أخته على تلك المقتنيات، ولم نأخذ سوى بعض الأسطوانات التي ربما تكون لعبده الحامولي وصالح عبد الحي، وكذلك سجادة عجمي كانت في غرفة نوم والدي، وهي لا تزال عندي حتى اليوم.
كيف تقيِّمين تجربة النشر الأخيرة مع مؤسسة هنداوي ودار ديوان؟
لقد تأخرتُ في تجربة النشر الإلكتروني خوفًا من أن يؤثر في النشر الورقي، لكن النشر غير الحصري في هنداوي هو الذي شجعني.
وفي أثناء اختيار ناشر ورقي لأعمالي، عانيت كثيرًا في اختيار ناشر يُقدِّر قيمة الأعمال ويهتم بها، مما جعلني غير سعيدة بتجربتي بعد وفاة والدي، ولست سعيدة بكثير ممن قابلت، لكنني سعيدة جدًّا بتجربتي مع دار ديوان.
ما هي أهم الروايات التي تحبينها لنجيب محفوظ؟
أحب «الحرافيش» و«الثلاثية»، ويعجبني في «قشتمر» الصداقة والإخلاص.
وماذا قرأتِ للأستاذ في حياته؟
كنت أرفض القراءة لوالدي في البداية، ربما تمردًا على إلحاح الناس عليَّ في المدرسة في القراءة لأبي، لكن حينما دخلت الجامعة الأمريكية، كان لا بدَّ من اختيار دراسة أحد موضوعين: الشعر الجاهلي أو الأدب الروائي؛ فاخترتُ الأدب الروائي وكان أول ما طُلب مني قراءته «ثرثرة فوق النيل»، فلما أخبرته ضحك بشماتة لأنِّي سأجبر على القراءة. وساعتها، أعجبتني كتاباته كثيرًا.
هل تناقشتِ مع الأستاذ في كتاباته؟
لم يحدث بيننا نقاش إلا في «أولاد حارتنا»، فقد سألته عن مصير “الجبلاوي”، وهل قُتِل أم لا؟ فقال لا، من دخلَ ليسرق وقُتل كان شخصًا آخر ليس الجبلاوي. وقال والدي: “إنَّ المصلحين كالأنبياء، وإنَّ النظام فهِم المغزى وألَّب عليه الشيوخ، وأسرع محمد حسنين هيكل بنشرها قبل منعها”.
أما “عرفة” فكما يتضح من اسمه فهو رمز العلم، والعلاقة بين “عرفة” و”الجبلاوي” كانت للتأكيد على عدم منفعة العلم دون إيمان، وأكد والدي على أنَّ المعنى سياسي، وما كان للأديب في الظرف السياسي الذي عاشه إلا أن يلجأ إلى الرمز.
كثر الحديث عن نوبل، فهل كان نجيب محفوظ يتوقع أن ينال جائزة نوبل في الآداب؟
لم يكن أبي يتوقع الجائزة، بل تفاجأ بها. سأروي لك قصة؛ في عام 1981 كان عبد الرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس في السويد، حيث التقيا بصحفي سويدي وأخبرهما أنَّ زوجته تترجم «زقاق المدق»، وقد حاولتِ الاتصال بوالدي، وأنَّ نجيب محفوظ سينال جائزة نوبل خلال عامين. أرسلا إلى والدي بطاقةً يخبرانه بالأمر، وبدأت الصحف بعد ذلك تكتب عن ترشيح والدي لنوبل، وحينما كلَّم والدي “توفيق الحكيم” ليسأله عن حقيقة الأمر، قال له: لا تصدِّق. لهذا تفاجأ أبي عند الفوز بالجائزة.
كيف قررتِ الذهاب لنوبل؟
حينما أُعلن خبر فوز والدي بالجائزة، سألته والدتي عن السفر فأخبرها أنَّه لن يسافر، ثم اقترح أن نسافر نحن ونقرأ كلمته، فرفضنا على الرَّغم من رغبة والدتي بسفرنا.
أما عن اختيار محمد سلماوي، فقد كان صدفة ولم يكن والدي يعرفه. لقد التقى والدي بسكرتير نوبل أثناء حفل تكريم بعد فوزه بقلادة النيل، فاعتذر والدي عليه أن يستلم الجائزة سفيرُ مصر بالسويد، فرفض السكرتير باعتبار أن الجائزة لا علاقة لها بالسياسة، كما أنَّها تشريف للفائز بها ويسلمها الملك نفسه. وكان وقتها سلماوي يعمل في العلاقات الخارجية في وزارة الثقافة، وكان زوج أخته سفير مصر بالسويد، لهذا اختاره أبي.
وفي الوقت نفسه، ذهب ابن أخته الذي استولى على المقتنيات للسفارة وأبلغهم أنَّه سيسافر لنيل الجائزة، وحينما اتصلت السفارةُ بوالدتي لتخبرها بالأمر، قالت والدتي: لا، بناتي سوف يسافرن، وكان ذلك قبل عشرة أيام من السفر. وحينما أخبرت مديري الأمريكي بسفري لاستلام الجائزة عن والدي، كان فرحًا للغاية، ونشرت الجريدة الداخلية في الشركة الأمر، وسُمح لي بالسفر.
كيف استعددتم للسفر في مدة قصيرة؟
زارتنا زوجة السفير المصري في السويد، ومصادفة كان هنالك سكرتير ثانٍ من وزارة الخارجية السويدية تُدعى جونلا، وكذلك سكرتيرة السفير السويدي في القاهرة، وكانت مصرية.
ذهبنا إلى محل “شهيرة محرز” التي عرضت ألا نشتري شيئًا، ولكني اشتريت جلبابًا من سيناء وجلبابين فلاحيين لحفل العشاء الذي أقامه الملك في اليوم التالي، بينما أهدت أختي زيًا من الصعيد؛ كان قديمًا وغير معروض للبيع.
حدثينا عن أجواء الرحلة في السويد
كان كلُّ شيء مميزًا؛ فالطائرة درجة أولى، ونحن في الصف الأول ومن ورائنا السفير وحرمه، وأقمنا في فندق فخم، ونقلتنا ليموزين خاصة بالمرشحين لنوبل. التقينا برئيس لجنة الجائزة، وطلب منا أن نصعد كلتانا لنيلها، بحيث تستلم إحدانا الشهادة والأخرى الميدالية.
كان جدول الأعمال مزدحمًا للغاية، حتى إنه لم يتيسر لنا التنزه هناك، وقد “دللنا” الناشر السويدي بشكل كبير، إذ أهدى لكلِّ واحدة منا باقة من الورد المستورد، نظرًا لأنَّ السويد في ذلك الوقت لا يكون فيها ورد، حتى الورد الموجود في القاعة في أثناء حفل نوبل يكون مستوردًا من إيطاليا. كما دعانا إلى حفل في دار الأوبرا، وكنت أتمنى أن أشاهد عرضَ مدام باتر فلاي، وأهدانا مجموعةً من الكتب القيمة عن فن الرسم، كما فتح لنا متحف لوحات مخصوصًا لنا فقط في إجازة أعياد الميلاد. ودعانا أيضًا إلى منزله الذي رفع العلم المصري عليه. طبعًا لم أرَ أيًّا من هذا من الناشرين المصريين، اللهم إلا “ليال الرستم” التي أهدتني لوحات والدي.
أكثر كتب النجيب تحميلًا حسب موقع هنداوي هي رواية الحرافيش، فما هي أكثر الكتب مبيعًا في دار ديوان؟
لقد كان التعامل مع “ديوان” نقلةً كبيرة بالمقارنة مع الناشرين الآخرين. ذلك بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية التي جعلت شراء الكتب يتراجع قليلًا. لكن كتاب «ليالي ألف ليلة» هو من أكثر الكتب مبيعًا.
ماذا عن أصدقاء الأستاذ وتلاميذه، هل كان أحدهم يزوركم قبل وفاته؟
لم يكن يزورنا قبل الحادثة أحدٌ عدا “ثروت أباظة”، الذي كان من الحرافيش، وظلت علاقته بوالدي طيبة حتى بعد خروجه منهم، بالإضافة إلى نعيم صبري، وهو رجل محترم جدًّا ظل مخلصًا لوالدي ويتصل بوالدتي رغم حالة الهجوم الكبيرة التي تعرضنا لها.
كيف كان يقضي الأستاذ إجازته معكم؟
حينما كنا أطفالًا كنا نخرج في الهرم صباحًا حيث الأبرويو، وكازينو خريستو، واستراحة الملك، وسحارى سيتي. أما المصيف فكان في الإسكندرية.
اقرأ أيضًا: نوبل في الآداب
ما هي الشائعة التي تحبين نفيها تمامًا؟
تلك الشائعة التي تقول: إنَّ لإسرائيل دورًا في منح جائزة نوبل لأبي. لقد كان والدي مستاءً جدًّا من ذلك حتى قالها بلسانه. فقد كنت ذات مرة في أحد الاحتفالات بوالدي بعد وفاته، وقال نور الشريف: إنَّه يرد على هذا الادعاء بأنَّ نجيب محفوظ لم يسافر في حياته سوى ثلاث مرات فقط، ولو راجعنا عدد الأدباء الإسرائيليين الحائزين على الجائزة فلن يتجاوزوا الاثنين أو الثلاثة.
ولو أن لهم دورًا في هذا بسبب موافقة والدي على معاهدة السلام، فلماذا لم ينلها أبي في السلام؟ لقد قال والدي بعد هزيمة 67 إذا لم نكن نستطيع الحرب فلنجرب السلام، ولم يكن يخفي رأيه هذا، وسبق له أن أعلنه أمام القذافي من قبل، فشتمه القذافي. ولماذا لم ينلها علي سالم الذي سافر إلى إسرئيل؟!
وختمت الأستاذة حوارنا برسالة خاصة:
أقول: «أبي الحبيب»
رحمك الله؛ لقد كنت أبًا كريمًا مع ابنتيه، ولم تحرمنا من حبك والقدوة الطيبة، لقد تركت لنا الذكرى العطرة والذكريات الجميلة، أنا سعيدة لك لما وصلت له في عالم الأدب، وفخورة بك، فقد كنت على المستوى الإنساني جميلًا في أشياء كثيرة، رحمك الله وعفا عنك وأتمنى أن أكون قد رفعتُ الظلم الذي وقع عليك من بعض الذين أحاطوا بك، وملأ قلبهم الحقد والكره والحسد، بسبب نجاحك وحب الناس لك. لقد أفقدت المصالح الشخصية والجائزة الكثيرين صوابهم، وكنت أنت وأسرتك الضحية. لقد حاولت جاهدة أن أواجه أعداءك وألا أفعل مثلما فعلوا بقول كل قبيح بعد رحيلك عن عالمنا. أدعو الله أن يجعل هذا في ميزان حسناتي وأتمنى من القارئ أن يتفهم محاولتي الحفاظ على خصوصيتي أنا ووالدتي وأختي.