18 September 2025 · 8 دقائق قراءة
مراجعة لسيرة ذاتية آسرة، «ما لم تقله الوظيفة»... حكايات دافئة ومواقف مدهشة يرويها منصور الخريجي بأسلوب ينبض بالحياة.
«جلست طوال الليل أقرأ كتابك هذا يا منصور، ولم أنم لحظةً واحدة وذهبت للمكتب بدون نوم؛ لأني جلست عليه من الساعة العاشرة مساءً حتى الساعة السابعة صباحًا، وذهبت للمكتب دون أن أنام!».
هذه كانت رسالة كتبها الملك سلمان بن عبد العزيز إلى الكاتب منصور بن محمد الخريجي بعدما قرأ كتابهُ «ما لم تقله الوظيفة». وهذا حقًّا ما يفعله الكتاب بك عندما تقرؤه. كتاب مُشوِّق، وكأنه يحمل بين طياته رسالة يقول لك فيها: «إن كنت تجرؤ على النوم قبل أن تكمل صفحاتي، فافعل!».

أعطيتهم فرصة بسببك!
يوجد اعتقاد شائع أنَّ الملل صفة تلازم كُتب السيرة الذاتية؛ لأن الكاتب يظل يحكي عن نفسه ويتفاخر بشكل يبعث على الملل وغلق الكتاب قبل إنهائه. حاولت أنا وغيري كثيرًا أن نعطي فرصة لكتب السيرة الذاتية لكن كل المحاولات باءت بالفشل.
وعلى خلاف هذا، استطاع كتاب «ما لم تقله الوظيفة: صفحات من حياتي» أن يمحوَ هذا الشعور، وأن يُحِلَّ بدلًا منه شعور المتعة والاستئناس ممتزجَين، حتى أن كثيرًا من القراء تمنَّى لو تعمق الكاتب أكثر في سرد الحكايات. وأظن أن ذلك لن يكون محل خلاف عند كل من يقرأ هذا الكتاب، الذي أجبرني أخيرًا على حُب كتاب يندرج تحت مصنفات السير الذاتية.
إنه وصف صادق لزمانين يكادان من اختلافهما يكونان عالمَين متباينَين؛ يتفاجأ المرء أنَّ الفارق بينهما خمسون سنة فقط. كما أنَّ الأسلوب الذي يجمع الصدق إلى نبرة ساخرة غير متكلَّفة أضفَى على الكتاب خِفَّة لطيفة، لا رتابةَ فيها أو ملل، ثم يجمع الصدق إلى نبرة حزينة يصف فيها أُناسًا أثقلهم شظف العيش وهم يكدحون في معاشهم، ويتنقَّل بين هاتين النبرتين –ونبرات أخرى- بسلاسة وسهولة.
تعرَّف على حياةِ آبائك وأجدادك الكبار يا ابن هذا الزمان
غالبًا سمعتَ من آبائك جملة مفادها: ليت الزمان يعود وتعود أيام الصبا. فيأخذك الفضول أن تعرف كيف كان عيشهم ومنامهم وحياتهم وذهابهم وإيابهم. وماذا كانوا يفعلون في يومهم وهم لا يملكون هواتف ولا شاشات تلفزيون ولا فضائية؟ وبالطبع لم يدخل الإنترنت منازلهم.
فإن كنت تودُّ معرفة حكايات الماضي من أحد يبسط لك الحديث بسطًا، يقولُ فتسمع، يشرحُ فتفهم، يمازحك فتضحك حتى القهقهة، يحكي ما يحزنه فتتلقَّى دموعك على خديك، لن تجد أفضل من منصور بن محمد الخريجي؛ هذا الرجل الذي عايش الماضي، وأطال الله في عمره حتى عاش الحاضر وقصَّ علينا أيامًا من حياته.
أن تعرف ما دار في الأيام الماضية هو عينُ ما أراده الكاتب، إذ كتب في مقدمة الكتاب: «هذا الكتاب يسجل لمحات من حياة إنسان عادي عاش زمنين متباينين أشد التباين، آملًا أن أكون قد وُفِّقتُ إلى الهدف الذي رميتُ إليه وهو كما ذكرتُ في البداية إعطاء أبناء جيل اليوم صورة عن كيف كان آباؤهم يعيشون قبل أن يشاركوهم حياتهم الحاضرة».
طفل يتيم يضحك بعد دفن والده!
عاش الكاتب بين أسرته يتيمًا بدون أبيه، فقد مات والده وهو لم يتجاوز سبع سنوات، ولم يتذكر شيئًا عن حياته مع والده ولكنه يذكر جيدًا يوم وفاته. لا أحد ينكر أن أيام الوفاة والتعازي يكون الحزن كبيرًا ضخمًا، وتكبر المأساة إذا كان الفقيد هو أحد الأبوين.
لكن رغم هذا يروي الكاتب في النصف الأول من الكتاب سرًّا يصعب الاعتراف به فيقول: «أذكر أننا ونحن عائدون من المقبرة أنني كنت أتحدث مع بعض أقراني من الذين حضروا الدفن معنا وسرعان ما نسيت ما أنا فيه وأخذت أضحك مع صديقي بصوت عال.. ثم لم ألبث أن تذكرت أن أبي قد مات وأن عليَّ أن أبدو حزينًا متجهمًا. ولكن سرعان ما عدت مرة أخرى إلى الضحك والمزاح وكأن شيئًا غير عادي لم يحدث».
لا تحكم عليه بأنه كان طفلًا لا يحب أباه مثلًا أو لم يراع الحزنَ وظروف الوفاة. كل ما في الأمر أنه لم يستوعب فداحة المصاب الذي ألمَّ به. وليس من الغريب أن يُصرِّح الكاتب بشيء مثل هذا، لأنه ببساطة شديدة قرر أن يلتزم في هذا الكتاب بالصدق والصراحة.
وفي بقية أجزاء الكتاب ستعرف أكثر عن طفولته وكيف كان طفل المهمات الصعبة، وماذا فعل أثناء الجامعة وبعد التخرج، ورحلته من الرياض إلى المدينة، ومواقفه مع الأحفاد والأصدقاء.
أكره أن أحرق عليك أحداث الكتاب، وبما أني لا أريد أن أقتل متعة القراءة، فأنصحك بقراءة الكتاب بنفسك. وتأكد أن لا وقت سيضيع في قراءته.
وإن أردتَ نبذةً عن الكتاب، فهو كتاب سيرة ذاتية يحكيها منصور الخريجي بنفسه لتعيش معه أحداث حياته الشيِّقة التي جَمَعَتْ بين زمنين لاقى فيهما كلًّا من الصعاب والأحداث المأسوية من جهة، والمواقف الفكاهية التي تشعرك بالمؤانسة أثناء القراءة من جهة أخرى.
لا تفوت قراءة: الحياة التي يمكنك إنقاذها
ردم الهوَّة ما بين الأجيال
لا ننكر وجود فجوة وهوة بين الأجيال. يأتي الآباء يقولون: لم نعد نفهم هذا العصر ولا نفهم أطفالنا وأبناء الجيل الجديد، فهم لم يعيشوا معاناتنا وما لاقيناه، ولا يقدِّرُونَ أهمية القِيَم التي نوصيهم بها، ولا يعرفون كم هم محظوظون بما لديهم. ويأتي الأبناء يقولون: ما الذي عاناه الجيل السابق! نحن أيضًا نعاني ونقابل عقبات لم يعرفوا عنها شيئًا، ثمَّ هم يريدون إثقالنا بواجبات ومسؤوليات بسبب عادات وتقاليد لا نفهم جدواها أو أهميتها في حياتنا هذي.
لكن حين كتب منصور الخريجي كتابه كان يريد أن يُجسِّرَ الهوة بين الجيلين لأنه عاش زمنين مختلفين، وتمنى لو أن كلماته وسيرته الذاتية تخبرنا بالمزيد عن الجيل السابق، وتُغيِّر نظرتنا للنعم التي اعتدنا وجودها بين أيدينا، ونقدرها حق قدرها، إذ قال في كتابه:
«فأنا من الجيل الذي عرف الفقر وشظف العيش والبيوت القديمة التقليدية التي كانت تضاء بالفوانيس والسرج، الجيل الذي سار في شوارع ترابية ضيقة غير مضاءة، واقتصر في قُوتِه على طعام قلَّما زاد عن خبز يُطرَى ببعض الإدام المتواضع، الجيل الذي كان يَسعَدُ الفرد منه لو وجد عنده ثوبين، أو لو أن الثوب الوحيد الذي لديه لم يكن أحيانًا ممزقًا ومرقعًا. أجل لقد عشنا ذلك كله، وأكثر منه، إلى أن لطف الله بعباده وبدل حالًا بحال. لهذا أكتب حتى يقرأ أولادي ولا ينسوا جذورهم».
رغيف العيش البارد وحبَّات البندورة
تتعشَّى بروتينات ومع ذلك تستيقظ جائعًا. وإذا فرغتْ ثلاجتك من أصناف الطعام، تتذمر وتشعر بضيق اليد. ولكن إذا نظرتَ إلى معظم البيوت قديمًا، تجد أنَّ الوضع الطبيعي كان أن يجتمعَ أهل البيت دائمًا على عشاء خفيف، وكانت سيدة المائدة هي حبات البندورة بالإضافة إلى رغيف العيش البارد، وكانوا يهنئون بالوجبة وكأنها متكاملة.
يقول الكاتب:
«أعود إلى رغيف العيش البارد وحبات البندورة لأقول إن اللذة التي كان يشعر بها كل واحد منا أثناء تناولها ممتطين ظهور الحمير، هذه اللذة كانت أقصى ما يمكن أن يتمتع به إنسان في عملية الأكل، وأن مقارنتها الآن بأي نوع من الطعام الفاخر لن تكون ذات معنى. قد يسأل سائل عن السر في تلك المتعة، متعة تناول خبز بارد مع حبة بندورة أشد برودة منه! السبب بكل بساطة هو قلة الطعام.. نعم، فالطعام في تلك الأيام لم يكن بالوفرة التي نعرفها اليوم والتي نشأ عليها أبناؤنا، ولهذا فنحن مهما حاولنا فلن نستطيع أن نؤدي بالكامل واجب الحمد والشكر لله تعالى على ما حبانا به من نِعمٍ كثيرة جدًّا لا يمكن للإنسان أن يعرف قيمتها ما لم يكن قد عاش أيام القلة والحرمان».
وفيما يتعلق بأصناف الطعام ونوعه وكميته وتنوعه، يقول:
«لم يكن الطعام في ذلك الوقت من حيث الكثرة والتنوع بالصورة التي نعرفها اليوم، على الأقل هذا ما عشته أنا وأعرفه، وهو أيضًا ما عاشه كثير من أبناء جيلي. كنا نجد أي طعام لذيذًا مهما كان متواضعًا، وكنا نأكل ما يقدم لنا، وغالبًا ما كان المعروض يقل عن الحاجة الفعلية مما كان يستدعي تنبيه الكبار من الأولاد إلى ضرورة ترك بعض الطعام للصغار الذين لا يستطيعون مجاراة الكبار في سرعة التهام الأكل».
هذا الفصل من الكتاب يجعلك تدين إلى الطعام الذي أكلته اليوم مهما كان نوعه وجودته وكميته.
اقرأ أيضًا: نبذة الكتاب بوابته
تجربة القراء مع الكتاب
أحيانًا تمر على الواحد منَّا فترات يبتعد فيها عن القراءة، يشعر بالفتور وعدم الرغبة في قراءة أي كتاب، لكن يذهب الفتور بعيدًا إذا عثرت على توصيات رائعة من القراء، ووجدتهم يمدحون كتابًا بعينه وينصحون بقراءته اليوم قبل الغد. وآراء القرَّاء وتوصياتهم لكتاب ما لم تقله الوظيفة قد تجاوزت المعقول لدرجة تشعرك بالحماس والفضول لمعرفة ما دار في هذا الكتاب الذي لم تتجاوز صفحاته 365 صفحة.
سواء كنت في مرحلة الفتور أم مرحلة القراءة بنهم، سواء كنت تؤمن برسائل القدر أم لا، يمكنك اعتبار آراء القراء التي أعرضها لكَ الآن بمثابة رسالة تشجيعية لك.
يقول أحد القراء: «كنتُ ذاهبًا للعمرة على متن الطيران السعودي، ولا يوجد في الشاشة التي أمامي أي شيءٍ سوى كتب، والرحلة مدتها ثلاث ساعات، شدني العنوان (ما لم تقله الوظيفة) ظنًّا مني أنه كتاب من فئة التنمية البشرية، وما أن بدأت القراءة حتى عشت كل لحظة في هذا الكتاب الذي اعتبرته توثيقًا لحقبة زمنية. كل الشكر والامتنان للكاتب صاحب القلم والإحساس الصادق منصور الخريجي وجزاه الله خير جزاء».
ويقول صاحب رأي آخر: «ياه على لطائف ومواقف الخريجي، قدمها بشكل هادئ شيِّق، لم أتجاوز رحلته من الرياض إلى المدينة على متن شاحنة! أغلقت الكتاب للضحك بشكل هستيري فكيف له أن يحكيها بهذا الهدوء والخضوع والاستسلام لسطوة الموقف!».
ويُعبِّر قارئ آخر عن رأيه قائلًا: «على بساطة الكتاب ولغته السهلة غير المتكلفة، إلَّا أنه من أجمل السير اللي قرأتها بساطةً وعمقًا بالأثر. بالمناسبة عنوان الكتاب شدني كي أقتني الكتاب لكن ما لهُ علاقة بالمحتوى، لكن استمتعت كثيرًا وأنا أقرؤه».
وختامًا وإحقاقًا للحق، شهد الجميع أن كتاب «ما لم تقله الوظيفة» يستحق القراءة، وإنه حقًّا هكذا تُكتب السير الذاتية، وبقراءتك للكتاب ستخرج بعدة دروس حياتية، أهمها أن بعد الشدَّة فرجًا، وما كان من القلب وصل للقلب. فسيرة الخريجي سيرة أدبية كُتبت بقلم صادق وأسلوب مشوق حتى لاقت مكانها المميز في قلوب القراء، وسجَّلت مكانتها عاليًا ضمن هذا الصنف الأدبي الذي ما زال الكُتَّاب يتحاشونه من فرط صعوبة التصالح مع الذات وسرد مسيرتها بصدق، فقط الشجعان كالخريجي يستطيعون أن يتحمَّلوا هذه الصعوبة، والتي هي في الوقت نفسه مفتاح محبَّة الناس لسيرته وقراءتهم لها.
- لغة شاعرية وترجمة أمينة لإيقاع النصّ.
- ربط رشيق بين الفلسفة والسِّيَر الشخصية.
- فصول قصيرة تصلح للقراءة المتقطّعة.
- تكرار بعض الأفكار في الثلث الأخير.
- يفترض إلماماً مسبقاً ببعض الأسماء الفلسفية.
